لما خرجَت طائفة من أهل الكتاب تتهم الخالق سبحانه بأنه أمسك عطاءه وحبس خيره، وتجرأت على وصف الله بما ليس من صفاته من بخل وإجحاف في حق أتباعها (تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا)؛ ما كانت الضرورة الواقعية -بالمعيار الإنساني- تقتضي الرد على هكذا غلو وتطرف وجحود؛ لكن جاء الخطاب الرباني ليفند هذا الادعاء من باب الإخبار المنكِر لهذا التصرف الواغل في العنصرية وليقطع بذلك حجتهم المتساقطة والواهية؛ فكان الرد القرآني في شكل تعقيب مباشر لا يفصله عن الادعاء الباطل ولا حرف واحد، وذلك من خلال قوله تعالى: "وقالتِ اليهودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلولَةٌ. غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بما قالوا. بل يَدَاهُ مَبْسوطَتَانِ يُنْفِقُ كيفَ يَشَاءُ. ولَيَزِيدَنَّ كثيراً منهم ما أُنزِلَ إليكَ من ربِك طُغيانا وكُفرا -إلى أن قال عز وجل- ويسعَوْن في الأرضِ فساداً. والله لا يُحِب المفسِدينَ" (المائدة: 66). "" ونحن نحاول رسم معالم أولية لمنهجية متقدمة في التعامل مع "الدعاوى الباطلة" التي تطلقها فئات معينة لتحقيق "مصالح ذاتية" على حساب "الحقائق الواقعية" التي قد تكون واضحة لدى المتتبعين، نضع نصب أعيننا محاولات بعض الانتهازيين لطمس معالم الحقيقة بكافة الوسائل المتاحة، وفي مقدمتها الدعاية المغرضة والترويج الباطل ولو في قالب متهالك لا يستأهل الرد من منظور الكثيرين. وهذه القناعة لا تنطلق من الاقتصار على رد الفعل كما قد يرى البعض، لكنها تؤسس لفعل أوسع وأشمل يتغيى تحقيق بناء مستقيم لا تعتريه معاول الهدم أو تقف في طريقه لبنات ذاتية كعقبات -مهما تصاغرت- تحُول بين المجتمع وتحقيق التقدم والتنمية بسواعد كل أبنائه مهما اختلفت وجهات نظرهم تجاه بعضهم البعض. نفتح اليوم هذه الصفحة الجديدة ومعها أمل في الصفح الجميل بقوام الديمقراطية والحرية كما يريدها البعض نظريا، وكما يمارسها الكثيرون بشكل ملموس بعيدا عن الإقصاء أو التآمر، قدوتهم في ذلك قوله تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى.". ومع هذا الانفتاح تبرز دعوتنا للمبدئية الفكرية الذاتية كخيار استراتيجي قبل الحديث عن أي مشاريع مجتمعية لمكونات المجتمع المغربي خصوصا، والمجتمعات العربية-الإسلامية عموما. إن الحديث عن "المبدئية" يطرح نفسه -مرحليا- بإلحاح وأكثر من أي وقت مضى، فلا يهم من تكون أو إلى أي فريق تنتمي أو أي فكر تتبنى أو أي عقيدة تعتنق؛ لكن الأهم هو أن تكون مبدئيا في ذاتك، ملتزما بمقتضيات المبدئية قلبا وقالبا، ومتشبثا بقواعدها الإنسانية والكونية بشكل عقلاني ومنطقي، بعيدا التناقضات والجهالات التي تجعل من صاحبها أضحوكة في مسيرة العطاء الفكري والتنظير الإيديولوجي الذي لا نجعله موضع تقييم هاهنا، لكن تقويمه مطلوب لدينا، ولا يجوز غض الطرف عنه مادام قد انبث للعلن، وهو بذلك يحتاج إلى رد يتوازن مع طبيعة الخطاب الذي يتحدث به بعض من ينسبون أنفسهم للديمقراطية ويدَّعون احتكار العقل وينبذون التصفية الجسدية، في الوقت الذي يمارسون فيه أبشع أساليب الإقصاء وبشكل دكتاتوري يأباه قانون الغاب فمال بالك بالإنسان "العاقل".. فأي مبدئية هذه؟! فحين يفتح البعض أفواههم للحديث عن "التناقضات" الوهمية التي تلف مشروع "الإسلام السياسي"، ينسون أن من مقتضيات المبدئية عدم التناقض الفكري والسقوط في مطبات متناقضة لا تحتاج لمجهر حتى تظهر للعيان من المبتدئين بله المتمرسين. فالذين ينطلقون من قاعدة المنطق الفرويدي المبنية على "العقد النفسية" لتفسير نوايا الإسلاميين والحكم عليهم باستبطان الدموية وممارسة التقية، يتناسون أنما يتعاملون مع مكنونات داخلية لأفراد لا تدعمها حجة الواقع، وعلى افتراض وجودها فإنها لا ترقى إلى مستوى الإجماع التنظيمي، وهي بذلك تبقى -جدلا- حالات شاذة. ومن يعنيهم الأمر يفهمون معنى "الشذوذ" جيدا، ونتمنى أن يفهموا -على الأقل- هذه النقطة من منطلق تخصصهم من دون لهث وراء أضواء لن تنقشع لتسلط عليهم. وحين يفقد البعض أساليب اللجم الذاتي لألسنهم، وينطلقون في تراهات التعميم، ليتخذوا من تصرفات هناك أو هناك، محسوبة على "الإسلام السياسي"، يتخذونها مطية لإشاعة صورة من التخلف والانحطاط على كل ما يمت للإسلام بصلة؛ لا بل ولمز الإسلام بأنه دين يلغي العقل وينشر الشعوذة والخزعبلات كممارسات أصيلة في المجتمعات المسلمة، فحينها ينسى هؤلاء أنهم بعيدون كل البعد عن المبدئية؛ لأنهم يأخذون أمة بجريرة جماعة هنا أو هناك، كما أخذوا الجماعة بجريرة فرد قبلها، وكما أخذوا الفرد بجريرة نية ألصقت به عنوة من قبل ذلك كله. وحين يستشهد البعض بمقولات المسلمين والإسلاميين أنفسهم للرد على طرف معين من أطراف "الإسلام السياسي"؛ فإن هذا البعض يُسقط مبدئيته في عيون غيره؛ لأنه يدس بضاعته المزجاة في سوق البخس الفكري كونها لا تنهض بالحجة ولا تنتصب بالدليل، ويهمل معطى مرونة الفكر الإسلامي في تصحيح ذاته بذاته مهما اعتراه من خرافات وضيعة أو انحرافات سخيفة. ويسقط حينها تساؤلا هاما حول ما إذا كان الحل في الرجوع إلى الإسلام بكل فضائله وقيمه التي أسست ل"إمبراطورية الإسلام" كما يراها محمد حسنين هيكل، أم أن فك الإشكالات المجتمعية يقتضي إقصاء الإسلام كليا والنهوض بتجارب مستوردة لم تنجح حتى في بيئاتها الأصلية شرقية كانت أو غربية؟! وحين يدّعي البعض المعرفة بالتاريخ كما جغرافيا الفكر العربي-الإسلامي منذ عهد ابن الراوندي مرورا بحقبة نابوليون وصولا إلى الواقع الآني مع الريسوني وعبدالسلام ياسين، يتناسى هذا البعض أن التدليس مخالف للمبدئية، فما قد يخاله القارئ جولة في رحاب التحليل التاريخي من مقاربة فكرية لا يعدو أن يكون مجرد تكرار بَبَّغَاوي لكلام بعض الحاقدين من الأقباط والملحدين الذين يدعون أنهم "الصوت الحر"، ويكتبون عما يسمونه "تاريخ الإلحاد في الإسلام". فإذا كان هؤلاء الذين يجعلون نبي الإسلام أول الملاحدة (حاشاه صلى الله عليه وسلم) هم قدوة ال"المقيصيدي" فليُرنا مبدئيته، وليكن مبدئيا في تبني هذا الفكر إلى آخر المسار، وليجهر بقناعاته تجاه رسالة الإسلام للعلن، وحينها سنحترم رأيه مهما اختلفنا معه.. وإلا فليقبل هذا التحدي الذي نرفعه بأعلى الصوت وعلى رؤوس الأشهاد من كل القراء بأن يأتينا بما يثبت ادعاءه على ابن الراوندي والجاحظ وأبو الفَرَج من كونهم ملاحدة أو مثليين. وأنا أتحداك أن تكون فعلا قد قرأت بذاتك لكل هؤلاء الجهابذة وقد استخلصت تلك الأفكار من معين عقلك الآسن! ففند هذا الادعاء مني إن قويت جذوة المحاججة الحقة عندك، وبشكل علمي! إننا لما نرفع تحدي "المبدئية" بأن يكون من يدعون العقل عقلانيون فعلا، ومن ينسبون أنفسهم للعلم علميون فعلا، ومن يتبنون الديمقراطية والحداثة ديمقراطيون وحداثيون فعلا، ومن يستمسكون بالحرية أحرار فعلا في أفكارهم ومعتقداتهم.. لما نرفع هذا التحدي؛ فإننا لا نرفعه لذاته، وإنما نرفعه لإقامة الحجة على كل من يدّعي شيئا وينفيه عن غيره، أو يرمي بضده هذا الغير ويوطّن نفسه خارج دائرة الاتهام. ونحن -من جهتنا- لا نتوارى عن أنظار المتتبعين لندلس عليهم شيئا من الواقع، فنحن نعلن انتماءنا لمدرسة "الإسلام السياسي" التي لا تدعي العصمة ولا تدعي امتلاك الحق المطلق ولا تدعي أنها هي الإسلام ذاته، وإنما ترفع -بكل تواضع- شعار الاجتهاد راجية الأجر ولو أخطأت كونها أعملت العقل الذي نعتبره مناط التكريم الإلهي لبني آدم. وإذا كان هناك من يتوهمون أنفسهم أكثرية مجتمعية فليبرهنوا لنا عن أصولهم العقدية والفكرية بعيدا عن التحليلات الرديئة للواقع المجتمعي، وليُطلعوا العامة على مبادئهم الحقيقية؛ وإلا فليسمحوا لنا بأن نقول لهم أنكم لا تشكلون ولا حتى الفرع؛ لأنكم لستم سوى بضاعة ساقطة تقتات عليها المتعضيات لتتحلل بعد ذلك وتصبح عفنا نتن الرائحة سرعان ما تذوب -مع الزمن- في تربة تتجذر فيها الكثير من الأصول. إن الفضيلة ليست في الوصف الذي قد يكون مجرد نفاق، وإنما الفضيلة -كل الفضيلة- أن يكون المرء مبدئيا مع ذاته ابتداء وانتهاء ثم مع الآخرين. ومُعتقدنا على منهج السلف (ولا فخر) أن عذاب المنافق في نار جهنم أشد من عذاب الكافر؛ على الأقل لأن الكافر مبدئي في كفره على عكس المنافق الذي يضع نفسه بيْنَ بيْن لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك.. فكن من تكون، ولكن كن فقط مبدئيا.