هي المرة الأولى بعد دستور 2011 التي يصدر فيها بلاغ للديوان الملكي يشيد من خلاله الملك بعمل إحدى مؤسسات الحكامة. ويتعلق الأمر ببلاغ يوم السبت الماضي الذي حمل تنويه محمد السادس بمقاربة وفحوى التقارير الموضوعاتية التي تتعلق بمساهمات المجلس الوطني لحقوق الإنسان في بعض الإصلاحات التشريعية ذات الصلة بتفعيل مقتضيات الدستور الجديد. بلاغ يحمل رسالة سياسية كبيرة إلى باقي مؤسسات الحكامة التي تمت دسترتها مؤخرا إلى جانب المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ويتعلق الأمر على وجه الخصوص بكل من مجلس المنافسة والهاكا ومجلس الوقاية من الرشوة ومجلس الجالية والوسيط، والتي تعيش حالة من التيه المؤسساتي وهي تحاول أن تتعايش مع هذه المرحلة الانتقالية في انتظار صدور قوانين جديدة تنظمها كما هو مقرر لها دستوريا وكما هو مبرمج في المخطط التشريعي لحكومة بنكيران خلال السنوات الأربع القادمة.
وحده المجلس الوطني لحقوق الإنسان من نجح ولو نسبيا، خلال هذه المرحلة، في احتلال واجهة الأحداث من بين كل هذه المؤسسات في ممارسة مهامه وخاصة في خلق نوع من التوازن مع العمل الحكومي. فمنذ صعود حكومة بنكيران واليزمي ورفيقه الصبار، أصبحا يسابقان الزمن للقطع مع سياسة "الكرسي الفارغ" التي كان المجلس في بعض الأحيان يلتجا إليها عندما كان استشاريا على عهد حرزني، فوقعا على مجموعة من الخرجات المؤسساتية والإعلامية في ملفات حقوقية سواء في علاقة مع الحكومة أو البرلمان أو حتى مع المنظمات الدولية. أكبرها كان الرأي الذي أبداه المجلس لحكومة بنكيران حول قانون حصانة العسكريين والتي اعترض فيه على مادته السابعة المتعلقة بالحصانة والثي أثارت الكثير من الجدل، بطريقة خاصة جدا عندما دعم شرعية رأيه بندوة دولية حول الموضوع. أو تعامله مع الزيارة التي قام بها إلى المغرب خوان مانديز المحقق التابع لمنظمة الأممالمتحدة حول التعذيب. ثم بعد ذلك التقرير الذي أصدره مؤخرا حول السجون المغربية والذي أحرج كثيرا المندوب بنهاشم. بالإضافة إلى تقريره حول المحكمة الدستورية المتضمن لمساهمات المجلس المتعلقة بتنظيم وسير المحكمة الدستورية، ووضعية أعضائها والمسطرة المتبعة أمام هذه المحكمة العليا المكلفة بالسهر على احترام الدستور وسلامة الانتخابات التشريعية. ثم التقرير المتعلق بإصلاح المحكمة العسكرية، حيث يتضمن مقترحات المجلس الخاصة بملائمة النصوص السارية المفعول مع مقتضيات الدستور الجديد والالتزامات الدولية للمملكة.
في المقابل لازالت مؤسسات الحكامة الأخرى، لم تتفاعل بعد مع الارتقاء الدستوري بها إلى مؤسسات حكامة، مصرة على البقاء في مناطق الظل المؤسساتي. إذ لا زالت تستمتع بمعركة البحث عن الاستقلالية عن السلطة التنفيذية بنفس القدر الذي تستمتع فيه بالاكتفاء بإصدار المقترحات والتوصيات وتنظيم الندوات واللقاءات دون أن يكون لذلك أي تأثير مؤسساتي ملموس لا على المنافسة الشريفة بين المقاولات، ولا على تخليق الحياة العامة ولا على تعزيز الوساطة بين المجتمع والدولة ولا على تطوير المنتوج السمعي البصري. ربما يكون مرد ذلك إلى كون مجالات تدخلات هذه المؤسسات تتقاطع مع البرنامج الحكومي لبنكيران الذي تعد الحكامة كلمته المفتاح، كما أنها مجالات تقابلها حقائب وزارية يحملها حزب العدالة والتنمية، كبوليف واعمارة والرميد والشوباني والخلفي. وبالتالي تجد هذه المؤسسات المعينة صعوبة في سرقة الأضواء المؤسساتية في هذه المجالات من حكومة منتخبة، أو على الأقل في الحفاظ على النضج الذي وصف به الملك محمد السادس أداءها عند افتتاح الدورة التشريعية الحالية شهر اكتوبر 2012.