الخطوط الملكية المغربية والموريتانية للطيران تبرمان اتفاقية شراكة استراتيجية    خبراء "نخرجو ليها ديريكت" يناقشون موضوع انتشار الوسطاء والشناقة داخل الأسواق    "عار عليك"... موظفة تقاطع مسؤولا بمايكروسوفت احتجاجا على دعم الإبادة بغزة    اوكرانيا في حداد على 18 شخصا قتلوا بضربة صاروخية روسية    توقعات أحوال الطقس ليوم السبت    لجنة دعم المهرجانات والتظاهرات السينمائية تدعم 29 مهرجانا وتظاهرة بمبلغ 6 ملايين و770 ألف درهم    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    تحت الرئاسة المغربية: مجلس السلم والأمن الإفريقي يعتمد بالاجماع الموقف المشترك بشأن هيكل الأمم المتحدة لبناء السلام    ماذا بعد استقبال مجلس الشيوخ الفرنسي لحكومة جمهورية القبائل؟    النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة (أونكتاد)    اتحاد طنجة يحذر جماهير فارس البوغاز من "الأخبار الزائفة"    الركاني: من يدعم فلسطين توجه له تهم جاهزة وعواقب وخيمة ستلاحق كل من تواطئ لجعل غزة مسرحا للجريمة    حصيلة الزلزال في بورما تتجاوز 3300 قتيل    حالة انتحار أخرى والضحية أربعيني من بني صالح بشفشاون    تعزيز السياحة الثقافية بمنصة رقمية لاقتناء تذاكر المآثر التاريخية    الدرهم ينخفض بنسبة 0,2 في المائة مقابل الدولار    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    سفير السلفادور .. المغرب أفضل بوابة لولوج إفريقيا    مغاربة يطالبون بإلغاء الساعة الإضافية (فيديو)    إسبانيا.. العلاقات مع المغرب من بين "الأقوى عالميا" ولا تقارن إلا بالعلاقات الأمريكية البريطانية    بيل غيتس: 3 مهن ستصمد في وجه الذكاء الاصطناعي    معاناة مهاجرين مغاربة في مليلية.. شتات على الأرصفة وحقوق تنتهك بصمت    المغرب يعزز جاهزيته الأمنية لتنظيم كأس العالم 2030 وكأس إفريقيا 2025    عاملة نظافة ضحية "استغلال بشع" بأجر 250 درهم شهريا    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    كأس العرش.. ثلاثة أندية من البطولة الاحترافية مهددة بالخروج مبكرا    بوابة إعلامية بريطانية: أشرف حكيمي.. أيقونة كرة القدم والثقافة    الرباط تحتضن إقصائيات العصبة الإفريقية لكرة السلة "البال"    الرئيس الإيراني يقيل نائبا له بسبب "رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي"    مولر يعلن الرحيل عن بايرن ميونيخ    كيوسك السبت | الحكومة معبأة لتنزيل القانون المتعلق بالعقوبات البديلة خلال غشت المقبل    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    فشل محاولة ''حريك'' 3 لاعبين من المنتخب الأوغندي للفتيان خلال إقامتهم بكأس إفريقيا بالجديدة    جانح يهشم زجاج 06 سيارات بحي القلعة بالجديدة .    بورصة وول ستريت تهوي ب6 بالمائة    مشاركة مغربية بصالون الفرانكفونية    شراكة ترتقي بتعليم سجناء المحمدية    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    أسود القاعة ضمن الستة الأوائل في تصنيف الفيفا الجديد    ترامب يبقي سياسته الجمركية رغم الإجراءات الانتقامية من الصين    المغرب فرنسا.. 3    تعادل أمام زامبيا في ثاني مبارياته بالبطولة .. منتخب للفتيان يقترب من المونديال ونبيل باها يعد بمسار جيد في كأس إفريقيا    على عتبة التسعين.. رحلة مع الشيخ عبد الرحمن الملحوني في دروب الحياة والثقافة والفن 28 شيخ أشياخ مراكش    الإعلان عن فتح باب الترشح لنيل الجائزة الوطنية للثقافة الأمازيغية برسم سنة 2024    أمين الراضي يقدم عرضه الكوميدي بالدار البيضاء    النيابة العامة تقرر متابعة صاحب أغنية "نضرب الطاسة"    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    بلجيكا تشدد إجراءات الوقاية بعد رصد سلالة حصبة مغربية ببروكسيل    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أحمدي نجاد في حلقات التاريخ
نشر في السند يوم 07 - 11 - 2010

الواقع لا يبقى واقعا، والقوي لا يبقى قويا، كما أن الضعيف لا يبقى بالضرورة ضعيفا، والتاريخ في حالة تغير مستمر. لقد تحدث المؤرخون مطولا عن مراحل التاريخ وعدم استقرارها على نمط معين، وأوضح فلاسفة السياسة صراع المتناقضات وصراع الأضداد قائلين بأن كل واقع يحمل في الداخل نفيه، أو أن لكل مقولة مقولة مضادة تصارعها، فينتج عن الصراع وضع جديد يحمل في داخله نفيه أو تحديا لاستمراره.
وقد ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات الكريمة التي تتحدث عن سنن الأولين والهزات التي تعرضت لها وغيرتها بصورة جذرية. ويتحدث القرآن الكريم عن الصراع بين الحق والباطل والذي يستمر إلى يوم الدين، وهو صراع يكشف في النهاية المزيد من الحقائق التي تؤثر في الواقع فتغيره.لا تشذ المنطقة العربية الإسلامية عن سيرة التاريخ، ولعل هذا ما يفسر ارتفاع وتيرة الصراع الداخلي في العديد من المجتمعات والدول العربية والإسلامية. حالة الوعي بالمرحلة التاريخية من مختلف زواياها الاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية تتصاعد في انتشارها وكثافتها، ولا مفر إلا أن تعبر عن نفسها بهذه الطريقة أو تلك، وكلما واجهت سدا منيعا يحول دون هذا التعبير، تغلب العنف على طابع الصراع بين ما هو قائم وبين قوى التغيير.
الثبات ليس من سمات التاريخ، وحركة التغيير لا بد أن تأخذ دورها وتدور عجلتها، وإن لم تكن أنت الذي يحركها، فإن غيرك يحركها، وإن لم تكن معجبا بما يقوم به غيرك، فما عليك إلا أن تندب حظك لأن العجلة ستأخذك في طريقها.
قوى التغيير متصاعدةعلت في المنطقة العربية الإسلامية بعد الحرب العالمية الثانية أصوات الوحدة والتغيير والتقدم، واعتلى العروش حكام تحدثوا بآمال الناس وطموحاتهم، ومنهم من استطاع أن يستقطب العقول والقلوب على أمل أن يرفع من المستوى الحضاري للأمة، ويحقق لها ما وعدها به.
لكن هذه المرحلة اندثرت تحت وطأة الهزائم متعددة الأشكال والألوان، فظهر جيل جديد يعيد التفكير في الأساليب والوسائل السابقة، ويفكر بوسائل ومقاربات جديدة من أجل تغيير الوضع القائم. هناك من ضحوا وطحنتهم الأنظمة العربية والإسلامية، وهناك من تراجعوا محبطين يائسين، وهناك من فشلوا، وهناك من استمروا في محاولاتهم.
كانت حركة الإخوان المسلمين على رأس تلك القوى التي استمرت بعمل دؤوب بطيء، وما زالت على أمل تغيير الواقع بسلاسة ودون إراقة دماء، أما الحركات القومية فأصيبت بضربات قاسية ما زالت تحد من قدراتها على النهوض. أما المقاومة الوطنية الفلسطينية ففشلت ووصلت إلى درجة القبول بالواقع كما هو، والحركات الوحدوية انكفأت.
ولد الفشل مراجعات للمقاربات والوسائل والأساليب، فظهر تنظيم القاعدة الذي صنع أحداثا أدت في النهاية إلى حروب كبيرة في المنطقة العربية، وأجبر الدول الغربية على اتباع سياسات داخلية وخارجية أثرت على مجمل النشاطات الاقتصادية والعسكرية والأمنية والتحالفات الخارجية.
وظهرت حركات جهادية في أفغانستان غيرت الوضع السياسي القائم، وتطورت طالبان التي ما زالت تقاتل حتى الآن دولة عظمى، وظهرت المقاومة العراقية التي أفسدت على أميركا مشاريعها الاستعمارية. والمسألة هنا لا تتعلق بتقييم الشخص لهذه التنظيمات وما إذا كانت على صواب أو على خطأ، وإنما بقدرتها على صناعة التاريخ، وبدور القمع والاستبداد والاستغلال والاستعباد في ظهورها وتزايد قواها والمؤيدين لها.
على مستوى الدول، هناك من بقي غير مرتاح للوضع العربي والإسلامي مثل العراق في عهد صدام حسين، وسوريا الآن والسودان وماليزيا، لكن دون تصاعد عدم الارتياح إلى درجة التحدي، وذلك لأسباب لا ضرورة للخوض بها هنا.
فقط إيران هي التي شهدت تطورات كبيرة تتميز بروح التحدي للقوى التقليدية الحاكمة في المنطقة العربية الإسلامية، والمهيمنة على المستوى العالمي. ولهذا كان تقديري عام 1979، وكما ورد في كتابي المعنون "سقوط ملك الملوك"، أن إيران ستتعرض لتآمر وحروب بهدف إسقاط نظام حكمها الجديد، والعودة بعقارب الساعة إلى الوراء، وذلك لأن القوى المهيمنة والمسيطرة داخليا وخارجيا لا تأذن بالتغيير، ولا تسكت على التحدي.
هذه هي سيرة التاريخ: تتمسك القوى المستفيدة بالواقع القائم، ولديها الاستعداد لشن حروب وسفك دماء من أجل أن يبقى الوضع القائم قائما. وبالفعل تعرضت إيران لحروب وحصار، وما زالت تتعرض لحصار تتصاعد شدته، وتتعرض للتهديد بالحرب بما فيها الحرب النووية.
نتيجة للدعم الإيراني، نشأ تنظيم حزب الله في لبنان الذي اتبع أساليب تنظيمية وأمنية وعسكرية جديدة لم تعهدها المنطقة من قبل، واستطاع أن يقلب المعادلة اللبنانية عامي 1983 و 1984، وأن يطرد الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، وأن يصمد أمام الجيش الإسرائيلي عام 2006، ويحول دون تحقيق أهداف إسرائيل.
من الناحية التاريخية، لا قيمة في النهاية لمواقف الحب والكراهية لإيران أو لحزب الله، وتنبع الأهمية التاريخية فقط من القدرة على صناعة الحدث وإحداث التغيير على أرض الواقع. هل حزب الله قادر على التحدي وصناعة التاريخ أم لا؟ هل إيران قادرة على صناعة التاريخ أم لا؟ الجواب بالتأكيد متوفر لدى القوى التي تقاتل من أجل إبقاء الماضي حاضرا ومستقبلا، وهو ظاهر في سياساتها الموجهة نحو إلغاء الحاضر والسير بالمستقبل باتجاه الماضي.
وإذا كان هناك من يرى في إيران وحزب الله عدوين فعليه أن يطور أساليبه ووسائله ليكون قادرا على وأد تطورهما، وعلى الذي يرى فيهما خيرا أن يلحق بركبهما.الرئيس نجاد في لبنانلم تكن زيارة الرئيس الإيراني للبنان عادية أو تقليدية، وإنما كانت عبارة عن حلقة من حلقات صراع الأضداد الواعي، وصراع المتناقضات الواعي في المنطقة. إنه صراع الأضداد من حيث إن قوى في المنطقة تعمل عن وعي على تغيير واقعها ووفقا لرؤية واضحة لا تتناسب مع القوى التقليدية الحاكمة، وصراع متناقضات من حيث أن قوى خارجية تتناقض تماما مع فكرة استقلال المنطقة ككل أو كأجزاء.
واضح أن الرئيس الإيراني كان يتعمد التحدي، وأراد إيصال رسالة بأن مرحلة التحفظ والتردد قد انتهت، وأن إرادة التغيير متوفرة تماما ومدعومة بقوة مادية ظاهرة للعيان. ويمكن تحديد هذا التحدي بالنقاط التالية:
1- الزيارة هي للبنان التي تعد حلقة إستراتيجية في ميزان القوى الإقليمي، والذي تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل وأنظمة عربية على حسمها لصالحها على مدى سنوات طويلة. تشكل لبنان ميدان تفاعلات ثقافية وفكرية وأمنية وعسكرية وسياسية هامة لمختلف القوى الإقليمية منذ أقيمت كدولة، وهي ما زالت تحتفظ بمكانتها، وتستقطب الصراعات المتنوعة الدموية وغير الدموية.
تعرضت لبنان الرسمية لضغوط كبيرة من أجل عدم إتمام هذه الزيارة، لكن ضغط القوى الساعية إلى التغيير والمدعومة من إيران ماديا أو معنويا تغلب على رغبات الفريق الآخر. وهذه نقطة كبيرة سجلها الرئيس الإيراني لصالحه في ميدان الصراع.
2- حمل الرئيس الإيراني معه جهازا علميا خاصا بأبحاث النانو في إشارة واضحة منه إلى أن إيران قد بلغت من التقدم العلمي والتقني ما يجعلها في مصاف الدول المتطورة علميا وتقنيا. ومن يستطيع تطوير هذا الجهاز يكون قد بلغ من أمر التطوير العلمي والتقني مستوى رفيعا يؤهله لمختلف الصناعات الإلكترونية العسكرية والمدنية، ويمكنه من تطوير أسلحة قادرة على التصدي لأسلحة الدول الغربية.
ويبدو أن الرئيس الإيراني قد اكتفى بهذا الجهاز عوضا عن حمل الصواريخ والدبابات والأسلحة الإشعاعية. أساتذة الفيزياء والسياسيون الواعون للحركة العلمية العالمية يعرفون تماما قيمة هذا الجهاز الإستراتيجية.
3- (لو) كانت إيران ضعيفة، لأتى الرئيس الإيراني إلى لبنان في زيارة أرنبية (من سلوك الأرنب) متسمة ببعض المراسيم وحفلات الطعام البروتوكولية والفذلكات الخطابية. وإذا كان له أن يزور جنوب لبنان لفعل ذلك مثل الخروف الوديع الذي يبحث عن عشب يتلهى به. أخذت زيارته لجنوب لبنان بعدا شعبيا، واستقبلته الجماهير التي تشعر بوحدتها معه وجدانيا وسياسيا، وامتازت بخطاب غير تقليدي موجه ضد إسرائيل التي اكتفت بإطلاق النفوخات (البالونات) الخاوية.
هناك من لام الرئيس الإيراني أو انتقده بسبب ما وُصف بتجاوز السيادة اللبنانية والخروج عن أصول زيارات رؤساء الدول. من الناحية الإستراتيجية، هذا لوم أو انتقاد لا قيمة له، لأن الزيارة عبر عن جزء لا يتجزأ من الجدل التاريخي الذي لا يمكن أن يتنحى لصالح مراسيم موسيقية وحرس شرف. ذلك عدا عن أن الحديث عن السيادة لا معنى له في ظل أوضاع عربية متدهورة تفتقر إلى حرية الإنسان وسيادة الدول.
استياء أنظمة عربيةاستاءت أنظمة عربية عدة من زيارة الرئيس الإيراني، واستاء معها من يدور في فلكها من الناس، ووجهت وسائل الإعلام قذائفها الإعلامية على إيران ورئيسها، ولم يبخل كتاب عرب بانتقاد الزيارة وتصوير ما رأوا أنه بشاعة وهجمة شيعية على أهل السنة.
هذا أيضا لا قيمة له من ناحية الصراع الإستراتيجي لأن أغلب الأنظمة العربية معلقة بذيل القوى الغربية المتنفذة تقليديا. توجه الزيارة رسائل لأهل الغرب وليس لأنظمة عربية لا تستطيع الاستمرار دون الدعم الأمني والعسكري والاقتصادي والمالي الإسرائيلي والأميركي. وإذا قررت أميركا غدا التعاطي مع إيران والجلوس معها على طاولة التفاهم بشأن المنطقة فإن هذه الأنظمة العربية لن تكون إلا مجرد جوقة لتبجيل الأميركي.
أمام الأنظمة العربية أن تدرس الزيارة وأن تقرر فيما إذا كانت تريد السير بركب التغيير، أو المساعدة في كبح الجماح والمحافظة على الوضع القائم. إذا قررت السير في ركب التغيير فإنها تحكم على نفسها بالإعدام لأنها تمثل الماضي ولا علاقة لها بالمستقبل، وإن أرادت أن تبقى ذيلا فعليها أن تستمر في استنزاف الطاقات العربية لصالح القوى الأجنبية مما يعزز قدرة إيران على استقطاب الجماهير العربية. وكيفما كان خيارها فإنها خاسرة، وهذا هو شأن كل من لا يملك إرادة حرة.
وحيث إن قوى التغيير في المنطقة العربية الإسلامية ضاغطة، فإن قوى المحافظة على الوضع القائم تعمل جاهدة على وقف عجلة التاريخ. هذا واضح في محاولات صناعة فتنة مذهبية بين السنة والشيعة من قبل أميركا وإسرائيل وأنظمة عربية وبعض رجال الدين من شيعة وسنة.
الفتنة مهمة جدا من الناحية التكتيكية لأنها لا توقف عجلة التاريخ فقط، وإنما تعيد العجلة إلى الوراء قرونا عديدة. على المسلمين سنة وشيعة أن يعودوا إلى معارك الجمل وصفين وكربلاء لتصفية حساباتهم الداخلية، وبذلك يتخلفون بالمزيد عن المستويات الحضارية التي وصلها العالم الآن على كل المستويات. طبعا الأنظمة العربية لا تنتمي للحاضر، وهناك من المسلمين سنة وشيعة من لا يزال يعيش في لجج التاريخ، ويرى أن التقدم لا يتأتى إلا بالسير إلى الخلف.
اللجوء إلى فكرة الفتنة المذهبية يشكل خطرا على جمهور الناس، لكن قيادات التغيير سواء على المستوى الإيراني أو العربي واعية تماما لهذه المسألة وتحاول دائما تجنب الصدام الفتنوي لما فيه من مخاطر كبيرة على الأمة، ومن فائدة ضخمة لإسرائيل وأميركا. فضلا عن أن الفتنة لا تنفع إلا في حالات غياب الوعي، وظاهر أن المنطقة قد تجاوزت هذا الغياب، وأن الوعي هو المحرك الأساسي لقوى التغيير.
نزيف الدمهناك من يحاول أن يكون "عقلانيا" في تحليله فيقول إن الدم الفلسطيني ما كان لينزف لولا المقاومة الفلسطينية، وإن الدم العراقي ما كان لينزف لولا المقاومة العراقية. ويضيف أن إيران تقود المنطقة إلى حالة عدم الاستقرار الدموي.
والمعنى أن محاولات التغيير مكلفة جدا، ومن الأفضل القبول بالواقع كما هو، مع محاولات إقناع الأقوياء بحقوق الضعفاء. هذا هو جدل التابعين للقوى المسيطرة والمستفيدة عادة من الناحيتين المادية والمعنوية.
هذا جدل ساقط تاريخيا لأن القوي لا يمارس الظلم من أجل إقامة العدل، وعصا الظالم لا يكسرها استجداء. من الصعب على عاقل أن يجيز إراقة الدماء، لكن عجلة التاريخ لا بد أن تستكمل سيرها. وإذا كان هناك من يحزن على دم يسيل، فعليه أن يحزن أيضا على أمة تعيش خنوع الذليل الواقع لا يبقى واقعا، والقوي لا يبقى قويا، كما أن الضعيف لا يبقى بالضرورة ضعيفا، والتاريخ في حالة تغير مستمر. لقد تحدث المؤرخون مطولا عن مراحل التاريخ وعدم استقرارها على نمط معين، وأوضح فلاسفة السياسة صراع المتناقضات وصراع الأضداد قائلين بأن كل واقع يحمل في الداخل نفيه، أو أن لكل مقولة مقولة مضادة تصارعها، فينتج عن الصراع وضع جديد يحمل في داخله نفيه أو تحديا لاستمراره. وقد ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات الكريمة التي تتحدث عن سنن الأولين والهزات التي تعرضت لها وغيرتها بصورة جذرية. ويتحدث القرآن الكريم عن الصراع بين الحق والباطل والذي يستمر إلى يوم الدين، وهو صراع يكشف في النهاية المزيد من الحقائق التي تؤثر في الواقع فتغيره.لا تشذ المنطقة العربية الإسلامية عن سيرة التاريخ، ولعل هذا ما يفسر ارتفاع وتيرة الصراع الداخلي في العديد من المجتمعات والدول العربية والإسلامية. حالة الوعي بالمرحلة التاريخية من مختلف زواياها الاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية تتصاعد في انتشارها وكثافتها، ولا مفر إلا أن تعبر عن نفسها بهذه الطريقة أو تلك، وكلما واجهت سدا منيعا يحول دون هذا التعبير، تغلب العنف على طابع الصراع بين ما هو قائم وبين قوى التغيير.الثبات ليس من سمات التاريخ، وحركة التغيير لا بد أن تأخذ دورها وتدور عجلتها، وإن لم تكن أنت الذي يحركها، فإن غيرك يحركها، وإن لم تكن معجبا بما يقوم به غيرك، فما عليك إلا أن تندب حظك لأن العجلة ستأخذك في طريقها.قوى التغيير متصاعدةعلت في المنطقة العربية الإسلامية بعد الحرب العالمية الثانية أصوات الوحدة والتغيير والتقدم، واعتلى العروش حكام تحدثوا بآمال الناس وطموحاتهم، ومنهم من استطاع أن يستقطب العقول والقلوب على أمل أن يرفع من المستوى الحضاري للأمة، ويحقق لها ما وعدها به. لكن هذه المرحلة اندثرت تحت وطأة الهزائم متعددة الأشكال والألوان، فظهر جيل جديد يعيد التفكير في الأساليب والوسائل السابقة، ويفكر بوسائل ومقاربات جديدة من أجل تغيير الوضع القائم. هناك من ضحوا وطحنتهم الأنظمة العربية والإسلامية، وهناك من تراجعوا محبطين يائسين، وهناك من فشلوا، وهناك من استمروا في محاولاتهم. كانت حركة الإخوان المسلمين على رأس تلك القوى التي استمرت بعمل دؤوب بطيء، وما زالت على أمل تغيير الواقع بسلاسة ودون إراقة دماء، أما الحركات القومية فأصيبت بضربات قاسية ما زالت تحد من قدراتها على النهوض. أما المقاومة الوطنية الفلسطينية ففشلت ووصلت إلى درجة القبول بالواقع كما هو، والحركات الوحدوية انكفأت. ولد الفشل مراجعات للمقاربات والوسائل والأساليب، فظهر تنظيم القاعدة الذي صنع أحداثا أدت في النهاية إلى حروب كبيرة في المنطقة العربية، وأجبر الدول الغربية على اتباع سياسات داخلية وخارجية أثرت على مجمل النشاطات الاقتصادية والعسكرية والأمنية والتحالفات الخارجية.وظهرت حركات جهادية في أفغانستان غيرت الوضع السياسي القائم، وتطورت طالبان التي ما زالت تقاتل حتى الآن دولة عظمى، وظهرت المقاومة العراقية التي أفسدت على أميركا مشاريعها الاستعمارية. والمسألة هنا لا تتعلق بتقييم الشخص لهذه التنظيمات وما إذا كانت على صواب أو على خطأ، وإنما بقدرتها على صناعة التاريخ، وبدور القمع والاستبداد والاستغلال والاستعباد في ظهورها وتزايد قواها والمؤيدين لها.على مستوى الدول، هناك من بقي غير مرتاح للوضع العربي والإسلامي مثل العراق في عهد صدام حسين، وسوريا الآن والسودان وماليزيا، لكن دون تصاعد عدم الارتياح إلى درجة التحدي، وذلك لأسباب لا ضرورة للخوض بها هنا.فقط إيران هي التي شهدت تطورات كبيرة تتميز بروح التحدي للقوى التقليدية الحاكمة في المنطقة العربية الإسلامية، والمهيمنة على المستوى العالمي. ولهذا كان تقديري عام 1979، وكما ورد في كتابي المعنون "سقوط ملك الملوك"، أن إيران ستتعرض لتآمر وحروب بهدف إسقاط نظام حكمها الجديد، والعودة بعقارب الساعة إلى الوراء، وذلك لأن القوى المهيمنة والمسيطرة داخليا وخارجيا لا تأذن بالتغيير، ولا تسكت على التحدي. هذه هي سيرة التاريخ: تتمسك القوى المستفيدة بالواقع القائم، ولديها الاستعداد لشن حروب وسفك دماء من أجل أن يبقى الوضع القائم قائما. وبالفعل تعرضت إيران لحروب وحصار، وما زالت تتعرض لحصار تتصاعد شدته، وتتعرض للتهديد بالحرب بما فيها الحرب النووية.نتيجة للدعم الإيراني، نشأ تنظيم حزب الله في لبنان الذي اتبع أساليب تنظيمية وأمنية وعسكرية جديدة لم تعهدها المنطقة من قبل، واستطاع أن يقلب المعادلة اللبنانية عامي 1983 و 1984، وأن يطرد الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، وأن يصمد أمام الجيش الإسرائيلي عام 2006، ويحول دون تحقيق أهداف إسرائيل.من الناحية التاريخية، لا قيمة في النهاية لمواقف الحب والكراهية لإيران أو لحزب الله، وتنبع الأهمية التاريخية فقط من القدرة على صناعة الحدث وإحداث التغيير على أرض الواقع. هل حزب الله قادر على التحدي وصناعة التاريخ أم لا؟ هل إيران قادرة على صناعة التاريخ أم لا؟ الجواب بالتأكيد متوفر لدى القوى التي تقاتل من أجل إبقاء الماضي حاضرا ومستقبلا، وهو ظاهر في سياساتها الموجهة نحو إلغاء الحاضر والسير بالمستقبل باتجاه الماضي.وإذا كان هناك من يرى في إيران وحزب الله عدوين فعليه أن يطور أساليبه ووسائله ليكون قادرا على وأد تطورهما، وعلى الذي يرى فيهما خيرا أن يلحق بركبهما.الرئيس نجاد في لبنانلم تكن زيارة الرئيس الإيراني للبنان عادية أو تقليدية، وإنما كانت عبارة عن حلقة من حلقات صراع الأضداد الواعي، وصراع المتناقضات الواعي في المنطقة. إنه صراع الأضداد من حيث إن قوى في المنطقة تعمل عن وعي على تغيير واقعها ووفقا لرؤية واضحة لا تتناسب مع القوى التقليدية الحاكمة، وصراع متناقضات من حيث أن قوى خارجية تتناقض تماما مع فكرة استقلال المنطقة ككل أو كأجزاء. واضح أن الرئيس الإيراني كان يتعمد التحدي، وأراد إيصال رسالة بأن مرحلة التحفظ والتردد قد انتهت، وأن إرادة التغيير متوفرة تماما ومدعومة بقوة مادية ظاهرة للعيان. ويمكن تحديد هذا التحدي بالنقاط التالية:1- الزيارة هي للبنان التي تعد حلقة إستراتيجية في ميزان القوى الإقليمي، والذي تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل وأنظمة عربية على حسمها لصالحها على مدى سنوات طويلة. تشكل لبنان ميدان تفاعلات ثقافية وفكرية وأمنية وعسكرية وسياسية هامة لمختلف القوى الإقليمية منذ أقيمت كدولة، وهي ما زالت تحتفظ بمكانتها، وتستقطب الصراعات المتنوعة الدموية وغير الدموية.تعرضت لبنان الرسمية لضغوط كبيرة من أجل عدم إتمام هذه الزيارة، لكن ضغط القوى الساعية إلى التغيير والمدعومة من إيران ماديا أو معنويا تغلب على رغبات الفريق الآخر. وهذه نقطة كبيرة سجلها الرئيس الإيراني لصالحه في ميدان الصراع.2- حمل الرئيس الإيراني معه جهازا علميا خاصا بأبحاث النانو في إشارة واضحة منه إلى أن إيران قد بلغت من التقدم العلمي والتقني ما يجعلها في مصاف الدول المتطورة علميا وتقنيا. ومن يستطيع تطوير هذا الجهاز يكون قد بلغ من أمر التطوير العلمي والتقني مستوى رفيعا يؤهله لمختلف الصناعات الإلكترونية العسكرية والمدنية، ويمكنه من تطوير أسلحة قادرة على التصدي لأسلحة الدول الغربية. ويبدو أن الرئيس الإيراني قد اكتفى بهذا الجهاز عوضا عن حمل الصواريخ والدبابات والأسلحة الإشعاعية. أساتذة الفيزياء والسياسيون الواعون للحركة العلمية العالمية يعرفون تماما قيمة هذا الجهاز الإستراتيجية.3- (لو) كانت إيران ضعيفة، لأتى الرئيس الإيراني إلى لبنان في زيارة أرنبية (من سلوك الأرنب) متسمة ببعض المراسيم وحفلات الطعام البروتوكولية والفذلكات الخطابية. وإذا كان له أن يزور جنوب لبنان لفعل ذلك مثل الخروف الوديع الذي يبحث عن عشب يتلهى به. أخذت زيارته لجنوب لبنان بعدا شعبيا، واستقبلته الجماهير التي تشعر بوحدتها معه وجدانيا وسياسيا، وامتازت بخطاب غير تقليدي موجه ضد إسرائيل التي اكتفت بإطلاق النفوخات (البالونات) الخاوية.هناك من لام الرئيس الإيراني أو انتقده بسبب ما وُصف بتجاوز السيادة اللبنانية والخروج عن أصول زيارات رؤساء الدول. من الناحية الإستراتيجية، هذا لوم أو انتقاد لا قيمة له، لأن الزيارة عبر عن جزء لا يتجزأ من الجدل التاريخي الذي لا يمكن أن يتنحى لصالح مراسيم موسيقية وحرس شرف. ذلك عدا عن أن الحديث عن السيادة لا معنى له في ظل أوضاع عربية متدهورة تفتقر إلى حرية الإنسان وسيادة الدول.استياء أنظمة عربيةاستاءت أنظمة عربية عدة من زيارة الرئيس الإيراني، واستاء معها من يدور في فلكها من الناس، ووجهت وسائل الإعلام قذائفها الإعلامية على إيران ورئيسها، ولم يبخل كتاب عرب بانتقاد الزيارة وتصوير ما رأوا أنه بشاعة وهجمة شيعية على أهل السنة. هذا أيضا لا قيمة له من ناحية الصراع الإستراتيجي لأن أغلب الأنظمة العربية معلقة بذيل القوى الغربية المتنفذة تقليديا. توجه الزيارة رسائل لأهل الغرب وليس لأنظمة عربية لا تستطيع الاستمرار دون الدعم الأمني والعسكري والاقتصادي والمالي الإسرائيلي والأميركي. وإذا قررت أميركا غدا التعاطي مع إيران والجلوس معها على طاولة التفاهم بشأن المنطقة فإن هذه الأنظمة العربية لن تكون إلا مجرد جوقة لتبجيل الأميركي.أمام الأنظمة العربية أن تدرس الزيارة وأن تقرر فيما إذا كانت تريد السير بركب التغيير، أو المساعدة في كبح الجماح والمحافظة على الوضع القائم. إذا قررت السير في ركب التغيير فإنها تحكم على نفسها بالإعدام لأنها تمثل الماضي ولا علاقة لها بالمستقبل، وإن أرادت أن تبقى ذيلا فعليها أن تستمر في استنزاف الطاقات العربية لصالح القوى الأجنبية مما يعزز قدرة إيران على استقطاب الجماهير العربية. وكيفما كان خيارها فإنها خاسرة، وهذا هو شأن كل من لا يملك إرادة حرة.وحيث إن قوى التغيير في المنطقة العربية الإسلامية ضاغطة، فإن قوى المحافظة على الوضع القائم تعمل جاهدة على وقف عجلة التاريخ. هذا واضح في محاولات صناعة فتنة مذهبية بين السنة والشيعة من قبل أميركا وإسرائيل وأنظمة عربية وبعض رجال الدين من شيعة وسنة.الفتنة مهمة جدا من الناحية التكتيكية لأنها لا توقف عجلة التاريخ فقط، وإنما تعيد العجلة إلى الوراء قرونا عديدة. على المسلمين سنة وشيعة أن يعودوا إلى معارك الجمل وصفين وكربلاء لتصفية حساباتهم الداخلية، وبذلك يتخلفون بالمزيد عن المستويات الحضارية التي وصلها العالم الآن على كل المستويات. طبعا الأنظمة العربية لا تنتمي للحاضر، وهناك من المسلمين سنة وشيعة من لا يزال يعيش في لجج التاريخ، ويرى أن التقدم لا يتأتى إلا بالسير إلى الخلف.اللجوء إلى فكرة الفتنة المذهبية يشكل خطرا على جمهور الناس، لكن قيادات التغيير سواء على المستوى الإيراني أو العربي واعية تماما لهذه المسألة وتحاول دائما تجنب الصدام الفتنوي لما فيه من مخاطر كبيرة على الأمة، ومن فائدة ضخمة لإسرائيل وأميركا. فضلا عن أن الفتنة لا تنفع إلا في حالات غياب الوعي، وظاهر أن المنطقة قد تجاوزت هذا الغياب، وأن الوعي هو المحرك الأساسي لقوى التغيير.نزيف الدمهناك من يحاول أن يكون "عقلانيا" في تحليله فيقول إن الدم الفلسطيني ما كان لينزف لولا المقاومة الفلسطينية، وإن الدم العراقي ما كان لينزف لولا المقاومة العراقية. ويضيف أن إيران تقود المنطقة إلى حالة عدم الاستقرار الدموي. والمعنى أن محاولات التغيير مكلفة جدا، ومن الأفضل القبول بالواقع كما هو، مع محاولات إقناع الأقوياء بحقوق الضعفاء. هذا هو جدل التابعين للقوى المسيطرة والمستفيدة عادة من الناحيتين المادية والمعنوية.هذا جدل ساقط تاريخيا لأن القوي لا يمارس الظلم من أجل إقامة العدل، وعصا الظالم لا يكسرها استجداء. من الصعب على عاقل أن يجيز إراقة الدماء، لكن عجلة التاريخ لا بد أن تستكمل سيرها. وإذا كان هناك من يحزن على دم يسيل،
فعليه أن يحزن أيضا على أمة تعيش خنوع الذليل


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.