كلما حلت ذكرى المولد النبوي تدفقت قلوب المؤمنين المحبين، وغدت صدورهم شلالات تموج فيها عبرات وعبارات الثناء والمدح، وتثور بداخلها أسنى وأسمى معاني الشوق والحب والتعظيم والإجلال والارتباط. إنه جيشان عام يعلو عالم الأشباح ليعانق عالم الملكوت والأرواح. فلا تبقى روح طيبة، ولا سريرة سليمة، ولا نفْس على فطرة إلا وشاقت وتطلعت بشكل يتجاوز كل حسابات العقل والحس نحو جمال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وذاته الشريفة. إن حبه صلى الله عليه وسلم أشبه ببذرة سماوية تسكن كل قلوب الموحدين، منهم من يعتني بها، ويستفرغ ويستقصي كل الجهد والوقت لسقايتها، والاعتناء بها حتى تنمو وتنغرس جذورها في كل كيانه فتمتلكه بالكامل. ويصير ذلك الحب هو جنته التي لا تقترب منها كل جنات الدنيا جمالا وبهجة وإشراقا وسعادة. ومنهم من تبقى البذرة في جوفه بذرة ساكنة سكون همته وعلمه وإرادته، وبالأساس صحبته، " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ." أكيد أن الصلاة على الجناب الأعظم عند أهل الاختصاص والسلوك والدراية تعد من أجل وأقدس الأذكار، خصوصا إذا استحكمت وترسخت في قلب الذاكر، وانجمع بهمته عليها، وغدت لحظاتها مجلسا تتحرر فيه روحه من علائق الدنيا الواهية الواهنة، بل من كل العلائق، وتنتصر وتعلو وتسمو وتنجذب نحو ذات المصطفى صلى الله عليه وسلم تدبرا وتفكرا، ثم إجلالا وحضورا. لا قيمة للفرح هنا، ولا وزن للحبور، ولا معنى للسرور. الأذواق والأحاسيس والمعاني هنا تتجاوز كل المألوفات. هذه الكينونة، والصلة، والوصلة الروحية القلبية مع روح نبينا صلى الله عليه وسلم هي تجل محدود ومتناه جدا جدا لذلك التجلي العظيم الذي بشر به القرآن الكريم في قوله تعالى :" وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا ." إن الأمر أشبه بومضة من سراج أرضي تشير وتذكر بنور أهل الله وخاصته من عباده وهم في عالم الخلود بمعية أزكى وأطيب روح خلقها الكريم الوهاب؛ روح شفيع الأنام نبينا محمد صلى الله عليه. عن سيدنا علي كرم الله وجهه قال : لم يبعث الله عز وجل نبيا، آدم فمن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد :لئن بُعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، ويأمره فيأخذ العهد على قومه، فقال :" وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ." حبيب قلوبنا دائما هناك، حيثما كان التفاضل فهو الأفضل، وهو الأكمل، وهو الأجمل، وهو الأرحم، وهو الأعظم، وهو الأسمى، وهو الأزكى، وهو الأنور، وهو الأشرف، وهو الأكرم، وهو السيد والمحمود، صاحب الوسيلة والفضيلة والمقام المُمَجَّد عند الرب الماجد سبحانه. لو سألت الملايين من المولعين الولهين الموفقين على الدوام للصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجاربهم في الصلاة على الحبيب لوجدت في أجوبتهم ما يحير الألباب بخصوص ما يتنزل على قلوبهم وأرواحهم، وحتى أجسادهم وعقولهم من واردات وهبات وأرزاق وعطايا وعلوم وفهوم معنوية وعلمية وتربوية فريدة لا يحدها حد، ولا يحصيها إحصاء، ولا يعدها عد. إن كل السالكين من أكابر هذه الأمة الذين أصبحوا سلاطين وأطباء في ميزان التربية الروحية القلبية الخلقية كانت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم مفتاحا ونبراسا وسراجا ومعراجا نحو الأعالي والمعاني في مدارج الإحسان ومعرفة الله. وكيف لا يتحقق لهم ذلك وقد استجابوا للنداء العلوي المجيد :" إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ." آية من لدن عزيز حكيم تكفي وتروي، وتقنع وتشبع ..حجة وبينة قرآنية لا حدود لمعانيها وأسرارها وعلومها لأنها فوق الشهود والمُتَخيّل، امتزج فيها الغيب بالشهادة، والمجرد بالمحسوس، واللانهائي بالنهائي، والسرمدي الأزلي بالعابر الفاني. آية هي الأصل والفصل لرفع الأستار والحجب حتى يعلم الأولون والآخرون منزلة المحبوبية، ومقام العبودية، ودرجة التشريف التي توج بها الودود الكريم عبدا من عباده سماه أحمد ومحمودا ومحمدا. ويبقى السؤال الفردي والجماعي : كيف نتحقق من كمال محبة رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم ؟ كيف نحبه حب جهاد لا حب قعود، حب ذكر لا حب غفلة، حب اقتداء لا حب فطرة ساذجة، حب رجولة وجندية وعزيمة لا حب انكفاء ودروشة وخمول ؟ حبا جماعيا نصنع به قوة اقتحامية لا حبا فرديا يمحي ظلمة محدودة، ويعتق رقبة فردية ؟ إن لحبه والصلاة عليه شأنا أبلغ وأعظم وأعمق وأوسع مما نتوهمه أحيانا، لهذا كان الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله يعلمنا كيف نصلي على نبينا فيوصينا باستحضار جنابه الشريف، استحضاره في مختلف أحواله : قائما يصلي ويتهجد، قائما يطوف بالكعبة، قائما على فرسه ليجاهد، قائما يدعو الناس إلى نور التوحيد ومدارج الإيمان، قائما يحمل الحجر مع أصحابه لبناء المسجد، قائما يخدم أهله ويصل رحمه ويخسف نعله، قائما باكيا خاشعا يناجي ربه، قائما يعلم ويربي أصحابه. أحوال ومقامات تعبر عن الإخبات والتبتل والإنابة والإحسان والذكر والعبودية والأدب مع المولى الكريم سبحانه، وأحوال ومقامات تذكر بجهاده ودعوته ومخالطته للناس لإقامة الحجة وتبيان المحجة وبناء العمران ومواساة المستضعفين وإعلاء كلمة الله. إن المحبة والصلاة بهذا المعنى تربية تقول للمصلي المحب : قم للاقتداء، والاتباع والتأسي ! قم للعمل، والتبليغ، والتعليم، والنصح، والتواصل، والتدافع والاقتحام ! قم لمحو الغربة عن الدين وأهله وأنصاره ! قم غيرة على رسالة حبيبك ونبيك التي تتلاعب بها وتدنسها أيادي الخيانة والفجور ! قم لتمتطي جواد همتك مع الأصحاب - صابرا مصابرا مثابرا محتسبا - لتواجه الأحداث الكواسر والفتن والشدائد وشوكة الاستئصال ! قم وابذل ما في الوسع لتزكية الأمة من الغثائية والأمية والحثالة، وتحرر رقبتها ممن برهنوا جهارا أنهم معدن الخذلان، وعجينة الاستبداد ! قم ! فلا راحة للمؤمن قبل لقاء الله، وسيادة شرع الله، وعودة منهاج الله لتسود رحمة الله. اللهم صَل على حبيبك محمد صلاة تكون رباطا على قلوبنا عند الممات، ونورا في قبورنا وبعثنا وحشرنا، وشفاعة ونحن على الصراط، لا إله إلا أنت الحي الْقَيُّوم الكريم الودود.