في مسيرة الرباط المنددة بتصريحات الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، أكد الشعب المغربي، من جديد، للعالم أن أهم ورقة رابحة تمتلكها البلاد في معركتها ضد خصومها هي بالضبط هذا الإجماع الوطني الحقيقي حول مغربية الصحراء. التذكير بهذا الكلام أواستحضاره للحديث عن المسيرة الشعبية ليوم أمس بالعاصمة، ليس قولا نمطيا أو للتكرار الفج، وإنما هو معطى حقيقي راسخ منذ عقود، ولا يستطيع أحد تجاهله أو تجاوزه. النظام العسكري الجزائري لم ينجح طيلة تاريخ الصراع مع المغرب، وبالرغم من كل جهوده ومناوراته، في إقناع الشعب الجزائري باعتبار هذه القضية قضيته الوطنية الخاصة أو تملكها بشكل كامل، وذلك عكس الشعب المغربي، بمختلف أحزابه ونقاباته وفئاته، الذي تعتبر قضية الصحراء مسألة وجود بالنسبة إليه، وهي تعني السيادة الوطنية والوحدة الترابية و... الكرامة. قبل المسيرة الشعبية التي حج إليها أمس عشرات الآلاف من مختلف الجهات، كرست الجلسة البرلمانية أول أمس ذات الصورة، وكانت الدلالة واضحة وبليغة لما وقف كل البرلمانيين، مباشرة بعد كلمة رئيس الحكومة، مرددين النشيد الوطني للمملكة بصوت واحد وبشعور واحد، وقد غابت حينها كل الاختلافات بين فرق الأغلبية وفرق المعارضة، وحضرت وحدها (تامغرابيت). المغرب اليوم يخاطب بان كي مون، وعبره العالم برمته، من خلال جبهة وطنية متراصة تنطق بموقف واحد ولسان واحد، وهذه هي الصخرة التي ما فتئت تتكسر عليها كل مناورات خصوم الوحدة الترابية للمملكة . إن مسيرة الرباط وجلسة البرلمان يجب أن يؤسسا اليوم لتحول حقيقي في الديبلوماسية المغربية المتعلقة بملف وحدتنا الترابية، وهذا التحول يجب أن يبدأ فورا تجاه مجلس الأمن والأمم المتحدة على خلفية تصريحات الأمين العام الأممي، واستعدادا للتقرير المرتقب لمجلس الأمن، كما يجب أن يبرز بشكل واضح وقوي تجاه مختلف الأطراف عبر هجومية ديبلوماسية وحقوقية وسياسية وإعلامية تقوم على صرامة الموقف والمعجم، ومن خلال مبادرات ناجعة واستباقية يتولاها ديبلوماسيون وسياسيون وفاعلون أكفاء في الخطاب والأسلوب والترافع، ويمتلكون المصداقية والمعرفة والشرعية... من جهة ثانية، لا بد أيضا من إعمال تغيير حقيقي وملموس داخل الأقاليم الجنوبية، على الأرض وفي السياسات العمومية وفي العلاقة مع السكان ومع الفعاليات المحلية من أبناء هذه الأقاليم، أي الإصرار على إنجاز وإنجاح النموذج التنموي الاقتصادي المعلن عنه من لدن جلالة الملك لفائدة السكان ومتابعة تنزيل برامجه في أقرب وقت، وتطوير الدينامية الجهوية، عمليا ومؤسساتيا على الأرض، بالإضافة الى محاربة الريع، وتمتين المشاركة الفعلية لنخب وأطر الأقاليم الجنوبية في التفكير والدفاع عن الوحدة الترابية ضمن السقف الوطني المتمثل في مقترح الحكم الذاتي... الجبهة الوطنية الداخلية المتضامنة باستمرار للدفاع عن مغربية الصحراء، هي جبهة ذات دينامية ولها المصداقية والتاريخ والشرعية، بما يجعلها مناضلة من أجل وحدة البلاد وأمنها واستقرارها وسلامة أراضيها وشعبها، وأيضاً من أجل التنمية الاقتصادية والتقدم والعدالة الاجتماعية وتوسيع الديموقراطية وتحقيق الحرية والمساواة واحترام حقوق الإنسان في كافة مناطق البلاد ولفائدة كل المواطنات والمواطنين، وإن كسب كل هذه الرهانات وتعزيز تفرد النموذج الديموقراطي والتنموي للمملكة على صعيد المنطقة هو ما يكسب المغرب الانتصارات، ويجعل موقفه الوطني يحوز على مصداقية بمختلف المحافل. إن كل هذه الملايين من المغربيات والمغاربة الذين نزلوا إلى وسط العاصمة أمس، منددين باستفزازات بان كي مون اللفظية في حق وطنهم، هم يعتبرون المس بالمغرب خطا أحمر لا يمكن لأحد تجاوزه، وهذه رسالة شعبية وسياسية من المستحيل أن يغفلها أي تحليل أو تخطيط يهم النزاع المفتعل في أقاليمنا الجنوبية، ولهذا لا بد أن تشكل هذه الرسالة القوية والواضحة من الجبهة الشعبية والسياسية الداخلية مرجعا رئيسيا لسياسة جديدة بشأن ملف وحدتنا الترابية. العمل يبدأ اليوم، أي بعد مسيرة الرباط. هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته