في بهو أحد فنادق الدارالبيضاء، المتواجد في مركز المدينة، اجتمع مؤخرا لفيف من الأدباء والصحفيين المغاربة والأجانب احتفاء بالعرض الجميل الذي جادت به علينا الشاعرة وداد بنموسى، مازجة في سمفونية بديعة ما بين الشعر والتصوير، فأنتجت لوحات بديعة تتغنى بالحياة في بعدها العميق، هنا تحتفي الصورة بالأصالة في تفاصيلها الباذخة، مدينة الشاون حاضرة بقوة، تطل على الزائر من خلال أبوابها ونوافذها وأزقتها، و ناسها رجالا ونساء، بأزيائهم التقليدية المائزة وجزء من طبيعتها الخلابة. لقد اختارت الفنانة -في التفاتة جميلة ومعبرة- أن تعنون كل لوحة من لوحاتها بعنوان ديوان شعري لأحد الشعراء المغاربة، فتجاورت الأجيال الشعرية والحساسيات المختلفة، هنا نجد عبد الكريم الطبال مجاورا لوفاء العمراني، و ترى عبدالدين حمروش يحتل مكانا بارزا بالقرب من شاعرة فاس الصوفية أمينة المريني، ولا يمكن لإدريس الملياني إلا أن يطل بمحياه الجميل، ملاصقا لسعيد كوبريت وصلاح بوسريف وحسن نجمي وزهرة المنصوري، في هذا العرس الإبداعي الجميل تأبي وداد إلا أن تحتفي بالذاكرة الشعرية، فتستحضر أسماء، حركت مشاعرنا ذات لحظة شعرية موغلة في الزمن بجميل القول وسيده، وخلفت في الذاكرة الفردية والجماعية ذكرا حسنا، يبرز اسم الشاعر أحمد بركات جنبا إلى جنب مع عبد الله زريقة في نوع من الوفاء الأثير، يتوسطهم عبداللطيف اللعبي مذكرا إيانا بموجة الالتزام التي تألق عطاؤها في فترة من فترات تاريخ المغرب الشعري، وتسلبك الصور التي استقرت في أعماق الإطارات البديعة، فيطل عليك من تلافيف المشاهد المنتقاة ياسين عدنان متأبطا أحد دواوينه يسوقه السفر والحنين سوقا نحو شاعر آخر تأبى الغربة إلا أن تحضنه في أكنافها إنه الشاعر سعد سرحان، ولا تقف الشاعرة عند القصيدة الفصيحة فنجد للعامية مواطئ قدم في المعرض ممثلة بالشاعر المتألق أحد المسيح وآخرين.. تغدغك المشاعر، تحملك على ذبذباتها وتسيح بك في دروب الجمال، متساوقة مع المعاني الباذخة، التي تنهمر مدرارا في يوم مطير، يجود بمائه على مرمى بصر من قاعة العرض، تهيم في ملكوت الإبداع مرتشفا قطرات الجمال، فتلمح في طريقك الشاعر عبد الكريم الطبال، تحييه ثم تمضي، وتستوقفك للحظات الشاعرة أمل الأخضر، تلقي التحية وتسير الهويني، يكبل خطواتك هذا السحر المتضوع من جنبات المكان، تلقي السلام على يحيى عمارة حييا، غير بعيد عن فاطمة الزهراء بنيس.. تفاجئك آلة تصوير بضوئها النرجسي، يجتذبك نحوه إلى حين، ثم ما تلبث أن تخوض في خضم هذا العطاء المتفاني الذي يرج حواسك رجا، ويخلخلها، كلما انشغلت بصورة وتسمرت أمامها أكثر مما ينبغي، تذكرت أنك في حضرة شعراء يستوجبون الزيارة، تستميلك الشاعرة إكرام عبدي، تراها تتطلع إلى الأفق البعيد هناك حيث كانت شاعرة أخرى تحتضن خجلى لوحتها، إنها الشاعرة ثريا مجدولين، محاذية للشاعر محمد الخمار الكنوني، تستمر في طريقك تتأمل الجدران البيضاء الحائل لونها، التي أبدعت الشاعرة الفنانة في التقاطها، غير متغافلة عن مهرجان الألوان، الذي يشكل فسيفساء مدن الشمال عموما ومدينة الشاون خصوصا، الزرقة هنا لها معني الامتداد والأمل واللامتناهي، تدل حينا على البحر، ذلك المدى الأزرق الغاوي، وحينا آخر على الامتداد السماوي بكل معانيه الواقعية والميتافيزقية، التي لا شك تغترف منها الشاعرة مواضيعها شعرا وتصويرا. شكرا لك وداد لقد خلخلت بحق حواسنا، وعلمتنا بكثير من التواضع أن الأدباء ما زالوا قادرين على حب بعضهم البعض، والاحتفاء بإبداعات زملائهم بأجمل الطرق الممكنة وأبهاها. * كاتب مغربي