الخط : إستمع للمقال حين يعجز المسؤولون، يتدخل القائد. وحين يصمت الجميع، يتحدث من يحمل همّ الأمة. وحين يصبح المواطن مجرد رقم في معادلات حكومة فاشلة، ينبري جلالة الملك ليعيد له كرامته، وليؤكد أن رعاية الدولة لرعاياها ليست شعارًا سياسيًا، بل التزام أخلاقي وسيادي لا يمكن التخلي عنه. لقد جاءت الرسالة الملكية السامية حول موضوع عدم القيام بشعيرة ذبح أضحية العيد، في لحظة كان فيها المواطن المغربي منهكا تحت وطأة الغلاء، ومثقلا بتكاليف الحياة اليومية، ليضع جلالة الملك حدا لعبث السوق، وجشع المضاربين، وصمت الحكومة التي وقفت عاجزة عن اتخاذ أي خطوة حقيقية لحماية القدرة الشرائية للمغاربة. ولم يكن القرار الملكي مجرد توجيه ديني استثنائي، بل كان إعلانا صريحا بأن الدولة لا يمكن أن تسمح بأن يكون المواطن المغربي هو الضحية الدائمة لفشل السياسات الاقتصادية وسوء التدبير الحكومي. "وسنقوم إن شاء الله تعالى بذبح الأضحية نيابة عن شعبنا وسيرًا على سنة جدنا المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، عندما ذبح كبشين وقال: هذا لنفسي وهذا عن أمتي." بهذه الكلمات، عبّر جلالة الملك، بصفته أميرا للمؤمنين، عن قربه من شعبه، وتحمله لمسؤولياته تجاههم في هذا الظرف الاستثنائي، حيث لم يكن هذا القرار مجرد بادرة رمزية، بل كان تعبيرا عن إحساس قائد يرى في نفسه مسؤولا عن كل فرد من أفراد شعبه، وحريصا على أن لا يشعر أي مغربي بالحرج في هذه المناسبة الدينية العظيمة. وفي الوقت الذي غابت فيه "حكومة أخنوش" عن لعب دورها في ضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية، أرسل جلالة الملك رسالة واضحة مفادها أن الدولة الحقيقية هي التي تتواجد إلى جانب مواطنيها في لحظات الشدة، لا أن تتركهم فريسة للأزمات والمضاربات. وفي معرض رسالته السامية، لم يكتفِ جلالة الملك بمخاطبة المغاربة حول قرار عدم القيام بذبح الأضحية هذه السنة، بل قدم رؤية واضحة للأزمة الاقتصادية والظروف المناخية التي زادت من حدّتها، حيث قال: "إن الاحتفال بهذا العيد ليس مجرد مناسبة عابرة، بل يحمل دلالات دينية قوية، تجسد عمق ارتباط رعايانا الأوفياء بمظاهر ديننا الحنيف وحرصهم على التقرب إلى الله عز وجل وعلى تقوية الروابط الاجتماعية والعائلية، من خلال هذه المناسبة الجليلة. إن حرصنا على تمكينكم من الوفاء بهذه الشعيرة الدينية في أحسن الظروف، يواكبه واجب استحضارنا لما يواجه بلادنا من تحديات مناخية واقتصادية، أدت إلى تسجيل تراجع كبير في أعداد الماشية." إن ما جاء في الرسالة الملكية السامية يضع النقاط على الحروف بشأن الأزمة التي يعاني منها المغاربة اليوم، ويكشف حقيقة الوضع الذي حاولت الحكومة التهرب منه أو التقليل من خطورته. فالتحديات المناخية وتأثير التضخم الدولي كانت اختبارا حقيقيا لمدى نجاعة السياسات الحكومية في حماية الأمن الغذائي للمغاربة، وهو الاختبار الذي فشلت فيه "حكومة أخنوش" بشكل واضح. إن التغيرات المناخية ليست جديدة، والمملكة عرفت على مدار العقود الماضية سنوات جفاف متكررة، لكن الحكومات السابقة وضعت سياسات لحماية القطاع الفلاحي وتأمين القطيع الوطني. أما اليوم، فبدل أن تواجه الحكومة الحالية هذا التحدي بإجراءات ملموسة، اكتفت بالصمت والتبرير، وكأن الأزمة أمر واقع لا مفر منه. حين أشار جلالة الملك إلى "التراجع الكبير في أعداد الماشية"، كان يوجه رسالة واضحة بأن غياب التخطيط الحكومي الرشيد وعدم اتخاذ التدابير اللازمة لضمان استدامة الموارد الفلاحية هو أحد الأسباب المباشرة للأزمة، حيث كيف يمكن لبلد أنفق مئات الملايير على المخطط الأخضر، أن يجد نفسه اليوم عاجزا عن توفير احتياجاته الأساسية من اللحوم، ويترك السوق عرضة للمضاربة؟ لقد كشفت التقارير الوطنية منذ سنوات فشل المخطط الأخضر في تحقيق وعوده، حيث أشار تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2019 إلى أن المخطط لم يحقق أهدافه الأساسية، إذ لم يتمكن من تقليص الفوارق بين الفلاحين، ولم يساهم في خلق طبقة فلاحية متوسطة، بل زاد من استنزاف الموارد المائية لصالح الزراعات التصديرية على حساب الإنتاج المحلي. كما كشف التقرير أن معظم المشاريع الكبرى التي كانت ضمن المخطط لم تنفذ بالكامل، حيث لم يتم تحقيق سوى 22% من الأهداف المسطرة، ما جعل المخطط الأخضر وسيلة لاستنزاف المال العام دون نتائج ملموسة. بالإضافة إلى ذلك، أشارت تقارير دولية إلى أن المغرب أصبح أكثر اعتمادا على الاستيراد بدل تحقيق الاكتفاء الذاتي، مما يعكس فشل الاستراتيجيات الزراعية السابقة التي تم الترويج لها باعتبارها الحل السحري لضمان الأمن الغذائي. إن المسؤولية السياسية عن هذا الفشل تتحملها الحكومة الحالية، وعلى رأسها عزيز أخنوش، الذي كان هو مهندس هذا المخطط منذ 2008، ثم أصبح اليوم رئيسا للحكومة، متحملا كل تبعاته. وإذا كان المخطط قد فشل في تحقيق أهدافه، فمن الطبيعي أن يتحمل المسؤول عنه مسؤوليته السياسية، ويتخذ القرار الصائب الذي يمليه عليه الواجب الوطني والأخلاقي، وهو تقديم استقالته، حيث إن الشجاعة السياسية والمروءة الأخلاقية تقتضيان الاعتراف بالخطأ وتحمل التبعات، لا الاختباء خلف التبريرات الواهية. لقد قدم جلالة الملك مرة أخرى نموذجا في القيادة الحكيمة، وبيّن كيف يجب على الدولة أن تتعامل مع الأزمات بروح المسؤولية والالتزام تجاه المواطنين. كما أثبت جلالة الملك، مرة أخرى أنه قريب من شعبه، وجّه رسالة واضحة مفادها أن الأزمة الاقتصادية ليست قدَرا محتوما، بل يمكن معالجتها بالقرارات الصائبة والتخطيط السليم، وهذا ما غاب عن الحكومة التي ظلت تبرر الفشل بدل مواجهته بحلول حقيقية. فهل ستستمر الحكومة في تجاهل هذا الواقع، أم أن الوقت قد حان لتقديم استقالتها، ووضع حد لمرحلة من الفشل والتخبط، والبحث عن نموذج جديد يعيد الاعتبار لأولويات المغرب الحقيقية، ويضع الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في قلب السياسات الوطنية؟ الوسوم أخنوش عزيز استقالة الحكومة المغرب الملك محمد السادس