يؤكد جهاد بلوط أن الدعوة إلى الدارجة في الإعلام دعوة زائفة، مبرزا فشلها في لبنان، حيث برزت وترعرعت أول الأمر. وأضاف أن بلوط أن قناة بي بي سي عربي بصدد إعادة النظر في خريطتها البرامجية، كي تصبح أكثر تنوعا، حيث سيتم التركيز على مواضيع طبية وعلمية وثقافية، وتخصيص مناطق معينة في العالم العربي بنشرات أخبار خاصة، وأوضح بلوط ان قناة بي بي سي عربي لم تفشل، ولا يمكن تشبيبهها بقناة الحرة، لأنها امتداد لإذاعة بالعربية تعمل منذ 72 سنة، وفيما يلي نص الحوار. إلى أي حدّ استطاعات قناة ققك عربي أن تفرض نفسها وسط سيل من القنوات العربية المتنافسة؟ المنافسة ايجابية جدا للمتلقي العربي مستمعا كان أم مشاهدا، لأن التنافس وفق الأسس المهنية يحفز الإعلامي على الإبداع وهو ما يمنح المتلقي العربي مزيدا من الخيارات، وتتضح الصورة عنده، ويستطيع أن يختار وينتقي. هذا مبدئيا. والبي بي سي ظلت تمثل جزء أساسيا من الحراك الإعلامي العربي منذ ما يزيد عن 72 سنة... قبل سنوات كانت هنا لندن تكاد تملء سمع كل عربي لكن اليوم انقلب الاتجاه نحو الدوحة؟ أنت تتكلم عن الإذاعة، لكن سمعة القناة بينت على الاحترام الذي حققته الإذاعة، وإن كانت القناة لم تتجاوز في عمرها السنتين، فهي لا زالت طفلة، وبالتالي نحاول أن نلحق بركب الذين كانوا قبلنا. ولكن هذه الطفلة لا بد أن تستفيد من تراث الإذاعة؟ هذا بالضبط ما نفعله. لكن المتتبع يلاحظ أن هناك تعثر، فالقناة لم تكمل السنة والنصف حتى عادت تصحح من إستراتيجيتها؟ واحدة من مزيات البي بي سي أنها تخضع نفسها لنقد شبه مستمر، وبالتالي ثمة أشياء وجدنا أنها بحاجة إلى تغيير، السكون والوقوف ليس صحيا، فهو ضد الطبيعة، لابد من البحث عن الأصح، وبالتالي لا مانع من البحث عن إستراتيجية جديدة إذا كانت الإستراتيجية السابقة لا تفي بالغرض قليلا، وهذه مسائل مشروعة. ما هي العناوين الكبرى التي تمت مراجعتها؟ لا أخفيكم أن ثمة أزمة مالية عالمية تحتم على الجميع إعادة رسم الخطط وفق التحديات الجديدة، في باديء الأمر قمنا بإعادة هيكلة إدارة القناة، في اتجاه أن تكون أكثر ليونة ومطواعية في التعامل مع المستجدات. وفي المرحلة الثانية أعدنا النظر في الخريطة البرامجية ككل، لأن هذه الأخيرة قلنا إنها لا تفي بالهدف المطلوب، وبالتالي يقوم الزملاء منذ إعادة أسابيع بإعادة النظر في الدورة البرامجية، من أجل إعادة تقطير ما كان يكرر باستمرار وطرح أفكار جديدة، قد يكون هناك شيء طبي وعلمي وثقافي ونشرات إخبارية موجهة، أي خاصة بمنطقة جغرافية معينة، قد تكون منطقة المغرب وحده، أو المنطقة المغاربية. بمعنى هناك استفادة من قنوات أخرى؟ من دون شك، فالعالم أصبح صغيرا، ويسمح بذلك. محدودية انتشار البي بي سي وتعثرها ألا يمكن أن يرجع إلى نظرة الشارع العربي للقناة كإحدى وسائل إعلام غربية لا فرق بينها وبين الحرة؟ طالما كانت البي بي سي في الغرب، لم تبدأ منذ سنة أو سنتين، فهي ظلت تخاطب المتلقي العربي منذ ,1938 بمعنى أنها ليست جديدة كليا على المشاهد العربي. ومع احترامي لالحرة، فغن البي بي سي طالما كانت على اعتبار أنها تحرص على استقلالية قرارها التحريري، ويمكنني أن أذكر لك العشرات من المرات التي دخلت فيها القناة في صراع مع الحكومات البريطانية المتعاقبة، التي حاولت لاعتبارات سياسية ظرفية أن تفرض نفسها على استقلالية القرار داخل القناة. لكن المتتبع لكيفية تغطية القناة للقضية الفلسطينية يلاحظ التمييز والتدخل في الخلاف الفلسطيني وتغليب طرف على آخر؟ أنا أخالفك الرأي كليا في هذا الموضوع، نحن لا نتعامل مع الشأن السياسي وهذا معروف عن البي بي سي، نحن نتعاطى مع الشأن الإعلامي، ولا شك في هذا، وقد لا تكون تغطيتنا مثل تغطيات الآخرين، وهذا ما يميزنا عن الآخرين. ونحن لا نأخذ السياسة في الحسبان. وهل يمكن الفصل بين السياسة والإعلام اليوم؟ بالنسبة للبي بي سي عربي الفصل موجود، لاعتبارات بديهية، نحن نتعامل مع الخبر كخبر بمعنى ليس لديكم خط تحريري؟ لا، الخط التحريري موجود، لكن ليس لدينا خط سياسي. وما الخط التحريري إلا جزء من خط سياسي؟ هذا غلط، لأنه عندما تدخل السياسة إلى الخط التحريري، عندها لا نعود إعلاميين محايدين، هذه نقطة دقيقة ومهمة، أنت تعلم أن تدخل السياسة في الإعلام العربي طوال 15 سنة التي مضت، هو الذي جعل الإعلامي مطية، بل ويفتقد إلى الاحترام في بيئته العربية، لأنه يكون تابعا من السلطة السياسية والأمنية أو غيرها. لكن عندما تحرر من هذه القيود عبر هذه القنوات زاد احترامهم لأنه اعتمد المهنية في عمله وليس السياسية. أنا لا أنكر على زملائي أن يكونوا مسيسين، هذا شأنهم لأنهم يتوجهون إلى فئة معينة من المشاهدين، أما أنا فصحفي بالدرجة الأولى، وبالتالي أتبع نهجا صحفيا قوامه الحياد، المهنية، التوازن، ثم المصداقية والموضوعية، هذا هو ميثاقي مع نفسي ومع الآخرين، لكن أنا لا أنكر على الآخرين الذين يحولون الوسيلة الإعلامية إلى وسيلة تجييش، هذا شأنهم. أما البي بي سي فهي تسعى إلى توسيع المعرفة بعيدا عن الضغوط السياسية أو الاقتصادية. السؤال ليس هو الانخراط في العمل السياسي، لكن القصد هو الانحياز في عمل البي بي سي لاتجاه دون آخر؟ دعني أقول لك أن البي بي سي والجزيرة وحدهما اللذين لهما مكتبين في غزة، أعتقد أن هذا كاف ليدحض أن قناة بي بي سي عربي تتعاطى مع اتجاه دون آخر، كما لدينا مكتبين آخرين في القدس وفي رام الله، ولا نغيب عن الحدث الفلسطيني، ليس لأننا مسيسين بل لأن القضية الفلسطينية تأتي في مقدمة اهتمام المشاهد العربي. ولذلك نحرص على التعاطي معها بحساسية مفرطة، ونأخذ في هذا الاعتبار بعدها المحلي والإقليمي والدولي. قد تكون هناك انتقادات، وأنا أتفق، فجلّ من لا يخطيء، والعمل الصحفي 24/24 ساعة مرهق، ونحن تأتينا انتقادات، وعندما تتعلق بما نعتبره أرضية صلبة وأساسية فيما يتعلق بمهنيتنا هذا موضوع آخر. عندما تدخل الانترنيت تجد سيل كبير من الانتقادات، دعني أسأل عن التعتيم والتجاهل، قصد الإضعاف والتهميش، أذكر هنا الإشهار الذي رفضته القناة لأنه كان لصالح غزة، وما أثاره من جدل، أجوبتكم لم تكن مقنعة حينها، هل من توضيحات أخرى؟ فعلا، هذا موضوع أثار جدلا واسعا، بل جدلا نظريا حول دور الإعلام، السؤال: كيف يستقيم الوضع عندما تعلن مؤسسة إعلامية أن ها ليست متحيزة، و ليس لها توجه سياسي، وعالمية التوجه، ثم تجدها تقوم ببث ماراتوني لإشهار يدعو العالم لجمع الأموال لصالح ضحايا غزة؟، من منظور سياسي سوف يضعها أنها في موقف أنها منحازة. لا أخفيك سرّا أن هذا الموضوع خضع لنقاش واسع داخل البي بي سي عربي، ولم يتخذ القرار فيه بسهولة، بل تم بحثه على كافة الزوايا، هذا لا يعني أنه غاب عنّا مشاعر الأسى على ما جرى في غزة، لكن هذا شيء، وما توصلنا إليه كان إجابة عن سؤال هو: ما المصلحة التي نجنيها كقناة إذا تم بث الإعلان؟ الجواب كان عدم بث الإعلان. وقد كان بإمكاننا أن نستغل مشاعر الأسى في العالم العربي. هناك وجه آخر للسؤال، إن قولك بأن هناك من الصحفيين داخل القناة بكوا غزة، فإن هذا لا يلغي كون أن المؤسسة لم تبكي؟ أقول إن القرار اتخذ بناء على اعتبارات مهنية بحتة، حفاظا على مصداقية بي بي سي عربي، شخصيا أنا جد مقتنع بأن صديقك هم من صدق القول وليس من صدّقك، وبالتالي فمصداقية البي بي سي على المدى الطويل ذات فائدة أعم للمتلقي العربي. عوض أن ننخرط مثل الذين ذرفوا دموع التماسيح. المسألة التي طرحت تخص ظرف إنساني بحت، وليس المطلوب انخراط سياسي، خاصة وأن الإعلان كان محكوم بظرفية معروفة، والمصداقية في ذلك الظرف كانت تقتضي انخراط القناة في اتجاه تلبية تطلعات المشاهد العربي الذي وقف مع غزة ضد العدوان عليها، عدم انخراط القناة طرح مدى مصداقية القرار داخل القناة عند المشاهد العربي.. دعني أوضح الصورة، قد يكون الموضوع إنساني بحت لكن نتاج صراع سياسي، ليس نتاج بركان أو فيضانات أو سقوط طائرة، موضوع غزة هو نتاج صراع سياسي مزمن. باعتقادي أن الإعلام يمكن أن يستدرج الجمهور بسيره في الركب العربي، هذه قد تكون مرحلية في رأي. لكن سياسة المؤسسة لم تخضع لسياسة الحكومة التي تمولها، فكيف يمكن أن تخضع للوبي صهيوني أو غيره، هذا كاف ليدحض المزاعم التي يروجها البعض إزاء البي بي سي. نحن لدينا قناعة تأكدت خلال سنوات طويلة، مفادها أن الاستثمار الفعلي هو أن نحافظ على كيان إعلامي مستقل، ويستطيع أن يتخذ قراراته وفق رزمة قيم واضحة ومعلنة. وبالتالي ارتأينا أن الانخراط لن يكون لا في مصلحة القناة ولا في مصلحة متلقي البي بي سي، بل في مصلحة من جرّها لخوض تجربة بعيدة عن الإعلام. هذا الموقف ألم يكن له تأثير سلبي على القناة لدى المشاهد العربي؟ ليس في ذلك شك، وتلقينا ذلك برحابة صدر، وبالحوار مع المنتقدين، وتوضيح الموقف بأننا صحفيون أولا، بغض النظر عن تعاطفنا الإنساني مع ضحايا غزة. ليس لدي أرقام الآن للتأثر، لكن الذين حاورناهم اقتنعوا أن وراء الموقف منطق مهني بحث، حتى ولو لم يتفقوا معنا. القرار كان صعب جدا، وفي النهاية تحملنا نتائجه. ارتفعت أخيرا أصوات تدعو إلى استخدام الدارجة في الإعلام، ما هو موقفكم من هذا الدعوة؟ شخصيا، أنا ضد الدارجة في الإعلام، ربما بدأت هذه الدعوة في لبنان أول الأمر، لكن أظن أنها فشلت، فهي دعوة زائفة ولا يمكن أن تحقق شيئا للإعلام العربي، الوطن العربي توحده اللغة، الدارجة تفرق، لذلك أنا ضد.