وزير خارجية فرنسا يجدد دعم بلاده لسيادة المغرب على الصحراء أمام البرلمان الفرنسي    إسرائيل تواصل حرب إبادتها بلا حدود.. يوم آخر دامٍ في غزة يؤدي بحياة 112 شهيدا وسط صمت ولا مبالاة عالميين    حادثة مروعة بطنجة.. شاب يفقد حياته دهساً قرب نفق أكزناية    "أشبال U17" يتعادلون مع زامبيا    التعادل السلبي يحسم مواجهة المنتخب الوطني المغربي لأقل من 17 سنة أمام نظيره الزامبي    العقوبات البديلة .. وهبي يكشف آخر التفاصيل    محاكمة صاحب أغنية "بوسة وتعنيكة وطيحة فالبحر... أنا نشرب الطاسة أنا نسكر وننسى"    ثلاثي مغربي ضمن أفضل الهدافين في الدوريات الكبرى عالميا لعام 2025    مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم متعلق برواتب الزمانة أو الشيخوخة التي يصرفها ال"CNSS"    المفوضة الأوروبية دوبرافكا سويكا: الاتحاد الأوروبي عازم على توطيد "شراكته الاستراتيجية"مع المغرب    العيون: مجلس المستشارين وبرلمان الأنديز يثمنان المسار المتميز للعلاقات البرلمانية بين الطرفين (إعلان مشترك)    فرنسا تجدد دعمها لسيادة المغرب على صحرائه    حادثة سير وسط الدريوش تُرسل سائقين إلى المستشفى    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بالتعليم المدرسي    سطات: إحداث مصلحة أمنية جديدة لمعاينة حوادث السير    طنجة.. النيابة العامة تأمر بتقديم مغنٍ شعبي ظهر في فيديو يحرض القاصرين على شرب الخمر والرذيلة    طقس الجمعة.. تساقطات مطرية مرتقبة بالريف وغرب الواجهة المتوسطية    العثور على جثة دركي داخل غابة يستنفر كبار مسؤولي الدرك الملكي    الإمارات تدعم متضرري زلزال ميانمار    سقوط 31 شهيدا على الأقل بضربة إسرائيلية على مركز للنازحين في غزة    صابري: الملك يرعى الحماية الاجتماعية    الترخيص لداني أولمو وباو فيكتور باللعب مع برشلونة حتى نهاية الموسم    المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.. تسليم السلط بين الحبيب المالكي و رحمة بورقية    المغرب يعتبر "علاقاته الاستراتيجية" مع الولايات المتحدة سببا في وجوده ضمن قائمة "الحد الأدنى" للرسوم الجمركية لترامب    ارتفاع حصيلة ضحايا الزلزال في ميانمار إلى 3085 شخصا    الاتحاد الاشتراكي المغربي يندد ب"تقويض الديمقراطية" في تركيا ويهاجم حكومة أردوغان !    إطلاق نسخة جديدة من Maroc.ma    تقرير.. هكذا يواصل مستوردو الماشية مراكمة ملايير الدراهم من الأموال العمومية في غياب أثر حقيقي على المواطن ودون حساب    الجسد في الثقافة الغربية -27- الدولة : إنسان اصطناعي في خدمة الإنسان الطبيعي    أعلن عنه المكتب الوطني للمطارات ..5.4 مليار درهم رقم معاملات المطارات السنة الماضية و13.2 مليار درهم استثمارات مرتقبة وعدد المسافرين يصل إلى 32,7 مليون مسافر    سفارة السلفادور بالمغرب تنظم أكبر معرض تشكيلي بإفريقيا في معهد ثيربانتيس بطنجة    نقابي يكشف السعر المعقول لبيع المحروقات في المغرب خلال النصف الأول من أبريل    الوداد يعلن حضور جماهيره لمساندة الفريق بتطوان    هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي تطلق برنامج "EMERGENCE" لمواكبة التحول الرقمي في قطاع التأمينات    المنتخب المغربي يرتقي إلى المركز ال12 عالمياً في تصنيف الفيفا    المجر تعلن انسحابها من المحكمة الجنائية بالتزامن مع زيارة نتنياهو    جماعة أكادير: حقّقنا فائضا ماليا يُناهز 450 مليون درهم    بورصة الدار البيضاء تخسر 0,45 بالمائة    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن        مجلس المنافسة يوافق على استحواذ مجموعة أكديطال على مؤسستين صحيتين في العيون    اجتماعات تنسيقية تسبق "الديربي"    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الخميس    الصين: عدد مركبات الطاقة الجديدة في بكين يتجاوز مليون وحدة    قمر روسي جديد لاستشعار الأرض عن بعد يدخل الخدمة رسميا    النسخة ال39 لجائزة الحسن الثاني الكبرى للتنس.. تخصيص يوم للأطفال رفقة لاعبين دوليين    بين الحقيقة والواقع: ضبابية الفكر في مجتمعاتنا    مهرجان كان السينمائي.. الإعلان عن مشاريع الأفلام المنتقاة للمشاركة في ورشة الإنتاج المشترك المغرب -فرنسا        دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    بلجيكا تشدد إجراءات الوقاية بعد رصد سلالة حصبة مغربية ببروكسيل    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحج والعمرة دورة تربوية تدريبية نادرة
نشر في التجديد يوم 22 - 09 - 2015

الحج والعمرة عبادتان اثنتان، تختلفان في الاسم كما تختلفان في الحكم. ويمكن أداء حج دون عمرة أو عمرة دون حج. ولكن– رغم هذا– فإن بينهما من التلازم والتشابه والتداخل ما يسمح باعتبارهما شيئا واحدا وعبادة واحدة، وخاصة حين النظر والبحث في مقاصدهما.
أما التلازم فحسبنا منه أن العمرة لم تذكر في القرآن الكريم إلا مقترنة بالحج. قال تعالى" وأتموا الحج والعمرة لله" ثم قال" فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ..."(1) وفي موضع آخر قال سبحانه" فمن حج البيت أو اعتمر..."(2).
وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد عبر عن العلاقة الاندماجية بين الحج والعمرة بقوله:"دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة"(3)
وبهذا الدخول أو التداخل يصح عند كثير من العلماء الإحرام بالحج ثم تحويله إلى عمرة، وهو ما يسمى عند الفقهاء" فسخ الحج إلى العمرة ". وبهذا التداخل يمكن أيضا أداء المناسك المشتركة بين الحج والعمرة بعمل واحد لها معا، كما في الطواف والسعي في حالة القِران. ومن هذا التداخل أيضا أن كل الحجاج تقريبا يؤدون عمرتهم مع حجتهم في موسم واحد. وكما هو معلوم فإن أعمال العمرة كلها توجد في الحج، ويزيد الحج بأمور ليست في العمرة. ومن هنا يطلق على العمرة" الحج الأصغر".
إذا كان الأمر على هذا بين الحج والعمرة، وأنهما في الجوهر عبادة واحدة ذات أداءين أحدهما أكبر والآخر أصغر، أو أن إحداهما إعادة مزيدة أو إعادة مختصرة عن الأخرى، فإن الحديث عن مقاصدهما لا يمكن أن يكون إلا واحدا. وفيما يلي بيان لأهم المقاصد الشرعية المتوخاة من مناسك الحج والعمرة، حسبما دلت عليه نصوصهما وأحكامهما.
الحج قصد و نية وتهيؤ للرحيل
النية الخالصة لله تعالى أساس كل عبادة و كل عمل تعبدي. فلا تصح عبادة ولا يقبل عمل إلا بهذه النية. ولكن النية والقصد في الحج أكثر أهمية وأشد لزوما من أي عبادة أخرى. حتى إن اسم"الحج" نفسه يتضمنها، ذلك أن الحج معناه"التوجه والقصد إلى شيء". و القصد أيضا هو توجه الإرادة و الرغبة والعزيمة. ولذلك لا يكون الحج حجا حتى يكون قصدا ونية وتوجها. والحج هو القصد إلى بيت الله والهجرة الفعلية إليه. هذا هو ظاهره، ولكنه في عمقه وحقيقته قصد إلى الله ، وهجرة إليه مما سواه ، فشد الرحال والارتحال إنما هو في الحقيقة إلى رب البيت لا إلى ذات البيت. فلذلك وجب على الحاج أن يعتقد أنه متوجه بقلبه و نيته، ورغبته وشوقه، و بهمته وإرادته إلى ربه. يقول الإمام الغزالي رحمه الله: "وليتحقق أنه لا يقبل من قصده و عمله إلا الخالص. وإن من أفحش الفواحش أن يقصد بيت الله و حرمه، و المقصود غيره"(4)
والمؤمن يتوق و يشتاق إلى لقاء ربه في الدار الآخرة، وهو طيلة حياته يعمل لكي يلقاه وهو راض عنه، في المحشر والحساب والثواب. والحج من مقاصده التذكير بالله والوقوف بين يدي الله ، والتذكير بفراق الدنيا والرحيل إلى الدار الآخرة. فمشاهد الحج التي تبلغ ذروتها في ذلك الموقف المهيب والمشهد الرهيب بعرفات، إنما هي تجسيد مصغر لمشاهد الحشر والوقوف بين يدي الله يوم القيامة.
فعلى الحاج وهو يستعد لسفره ويتزود لرحلته، ويفارق أهله وماله وبلده،أن يتذكر انه عما قريب يفارق أهله وماله وبلده إلى غير رجعة، وأن عليه أن يتزود أكثر فأكثر لسفره الأكبر ومرحلته الأخطر. فليتعلم من رحلته إلى الحج و تزوده لها ومفارقته من يحب وما يحب، أنه لابد مرتحل ومفارق، و أن لكل ارتحال زادا واستعدادا وأن زاد الآخرة هو التقوى والعمل الصالح: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى). (5)
ومن أهم لوازم التقوى التي يتزود بها الذاهب إلى ربه، أن يبرئ ذمته من المظالم وحقوق العباد. فيرد منها ما يمكن رده،و يستسمح ممن يمكن الاستسماح منه، ويستغفر الله ويتوب إليه مما لا يعلمه ولا يستطيع رده ولا التحلل منه، حتى لا يكون في سفره مثقلا ومكبلا بالمظالم وآثامها.
الحج ذكر ودعاء دعاء
مما يلفت الانتباه بسرعة وبقوة عند النظر في النصوص والأحكام المتعلقة بالحج والعمرة، ذلك الإلحاح المتكرر كثيرا على ذكر الله في كافة مراحلهما ومناسكهما.
قال تعالى في سورة البقرة " فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين. ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم. فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا(6)" ثم قال "واذكروا الله في أيام معدودات..."(7)
وفي سورة الحج نقرأ" ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات"،
ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام"،
"فاذكروا اسم الله عليها صواف"،
" كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم" (8)
فالأمر بذكر الله تعالى والحث عليه والتذكير به هو أمر ملازم كما نرى لكل أعمال الحج ومحطاته. ومن المعلوم أن افتتاح أعمال الحج والعمرة يكون بالتلبية وهي ذكر. وهذه التلبية تستمر وتتكرر حتى تصبح شعارا للحج والحجاج. كما أن وقوف يوم عرفة –الذي هو أعظم أيام الحج وأعظم أعماله– إنما هو يوم ذكر ودعاء. وإذا كان الحديث الشريف يقول "الحج عرفة" (9) فمعناه "الحج ذكر ودعاء".
ويتأكد هذا المقصد الأعظم من مقاصد الحج والعمرة إذا لاحظنا كذلك أن سائر أعمال الحج تكون مصحوبة بالأدعية والأذكار. وليس الجديد الخاص بالحج هو الذكر والدعاء، فهذا قد يتحقق في حياة المسلم كلها وفي عباداته جميعا أو في كثير منها، ولكن الذي يمتاز بهالحج هو هذه الكثافة وهذا التتابع في أيام معلومات وأيام معدودات، وفي أماكن مهيبة ومشاهد خاشعة، تجعل الحاج المعتمر ذاكرا لله في حالة انقطاع وتجرد وتفرغ واستغراق...
الحج أشمل العبادات وأعمقها المشاعر المقدسة
لقد أكرمنا الله تعالى وشرفنا بعبادات متعددة ومتنوعة، حتى يجد كل الناس –على اختلاف ظروفهم وأحوالهم وقدراتهم– فرصتهم ونصيبهم ومجال قوتهم منها. وأيضا حتى يجد كل مكلف أنواعا من العبادات تتسع لكل ما فيه وما لديه من جسم وعقل وروح ومال ووقت. فالصلاة عبادة لروحه وعقله وبدنه، والصيام عبادة أخرى لبدنه ولنفسه، والزكاة عبادة لماله ونفسه، والجهاد عبادة لبدنه، أو لماله، أو للسانه، والذكر عبادة لقلبه وعقله ولسانه..
ولكن الحج يجمع كل هذا ويزيد عليه. فالحاج يعطي غير قليل من وقته في رحلته ومناسكه، وهو يضحي بماله الذي ينفقه وبماله الذي يتركه أو يفوته كسبه. والحاج يجاهد ويعاني ببدنه وكافة حواسه. وهو ينهمك في حجه بقلبه وروحه ويلبي ويذكر ويدعو بقلبه ولسانه، ويمشي بقدميه ويرمي بيديه.
وهكذا، فالحج عبادة تستغرق من الحاج كل كيانه وكل ما يملك. ففي الحج نصب وتعب ومجاهدة ومعاناة، وفيه صلاة ودعاء، وفيه ذكر وفكر وحلم وصبر، وفيه نفقات وصدقات. وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه "جهاد لا قتال فيه"(10)
ومن جهة أخرى فالعبد يبلغ في عبادات الحج أقصى درجات التعبد والعبودية، حتى إنه ليأتي أفعالا وتصرفات لا يعقل لها معنى ولا يدرك لها مغزى، سوى أن الله تعالى أمره بها، فهو يمتثل أمر ربه تعبدا وعبودية. حتى لقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خاطب الحجر الأسود بقوله: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.
ويقول الإمام الغزالي مقارنا عبادات الحج مع غيرها من العبادات :"... وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية: فإن الزكاة إنفاق، ووجه مفهوم وللعقل إليه ميل. والصوم كسر للشهوة التي هي آلة عدو الله وتفرغ للعبادة بالكف عن الشواغل. والركوع والسجود في الصلاة تواضع لله عز وجل بأفعال هي هيئة التواضع، وللنفوس أنس بتعظيم الله عز وجل، فأما ترددات السعي ورمي الجمار وأمثال هذه الأعمال فلا حظ للنفوس ولا أنس فيها ولا اهتداء للعقل إلى معانيها، فلا يكون في الإقدام عليها باعث إلا الأمر المجرد وقصد الامتثال للأمر من حيث إنه أمر واجب الاتباع فقط(...) فإن كل ما أدرك العقل معناه مال الطبع إليه ميلا ما، فيكون ذلك الميل معينا للأمر وباعثا معه على الفعل فلا يكاد يظهر به كمال الرق والانقياد (...) وإذا تفطنت لهذا فهمت أن تعجب النفوس من هذه الأفعال العجيبة مصدره الذهول عن أسرار التعبدات"(11)
لا رفث ولا فسوق ولا جدال لارفث ولا فسوق
إذا كان الحج عبادة مركبة من عدة عبادات، بل هي دورة تعبدية شاملة، فهو أيضا تربية ودورة تربوية تدريبية نادرة.
قال الله عز وجل:( الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج. وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب) (12)
وفي الحديث النبويالشريف:"من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"( 13) . ومجمل ما دلت عليه الآية والحديث أن الحج يمنع فيه منعا جازما حاسما الاستجابة لشهوة الفرج وكل ما يتصل بها ويمهد لها أو يحركها، من قول أو عمل أو إشارة. وهذا هو الرفث. كما يتأكد فيه النهي والزجر عن أي مخالفة شرعية، سواء تعلقت بالرفث نفسه، أو بغيره من الأقوال والأفعال. وإذا كان النهي مؤكدا والزجر مشددا كان الإثم في ذلك مضاعفا. فإن المعاصي والمخالفات يعظم إثمها بعظم حرمة زمانها ومكانها، وبمقدار التشديد والتوكيد في النهي عنها. فعلى الحاج أن يلتزم في أثناء مدة حجه بأعلى درجات الطاعة والانضباط بحدود الله تعالى وأحكام شريعته. وإذا كان الشرع قد أمعن في كف الحجاج عن عدد من المباحات الجائزة في غير الحج كالجماع وما يتصل به والصيد واللباس والتطيب، فكيف لا يكف الحاج نفسه عما هو محرم ومنهي عنه من أصله كالكذب والسباب وأذى المسلمين وأخذ حقوقهم أو ارتكاب محرمات وفواحش؟
كما نهى الله تعالى في الآية عن الجدال، والجدال في غالب الأحيان إنما هو مضيعة للوقت الذي يكون الحاج في أمس الحاجة لاستغلاله والاستفادة منه في الذكر والعبادة والمناسك، كما أن الجدال في الغالب أيضا يكون سببا للمشاحنات ومقدمة للخصومات والمنازعات. فالحجاج إذن يجب أن يكونوا على درجة عالية من حسن الخلق ومن الرفق واللين والتسامح . وأن يعتبروا أن الحج فرصة نادرة لترويض النفس وتدريبها على التواضع والهدوء والخشوع والبر والعفو والحلم. فكل هذه أخلاق ضرورية لكي يكون الحج مبرورا وناجحا ومقبولا. وبهذا يعود الحاج على غير الحالة التي ذهب عليها، ويعود كيوم ولدته أمه، يعود وقد أصبح من الكاظمين الغيظ ومن العافين عن الناس، يعود وقد أصبح يدرأ بالحسنة السيئة ويدفع بالتي هي أحسن، يعود وقد ألزم نفسه بكف الأذى عن الناس، بل أصبح يتغاضى عن أذاهم ويقابله بالحلم والغفران.
أما من ذهب على من كان عليه من سوء الخلق وفظاظة الطبع و كثرة الجدال والخصام والأذى.. ثم بقي هناك وعاد على ما كان عليه، فما استفاد من حجه، وما ضمن حجا مبرورا متقبلا.
أدب الضيف عند مضيفه الأدب
قال الله تعالى: (ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه) (14)
إن الحاج وهو في حرم الله وفي بيت الله، يعد ضيفا من ضيوف الرحمان ويكون في بيت الضيافة الربانية. ونحن إذا كنا ضيوفا عند غيرنا من الناس، نكون على غاية ما يمكن من الأدب والهدوء والانضباط واللياقة. فكيف بمن يكون في بيتالله وفي ضيافة الله وكيف إذا كان المضيف في غاية الإكرام والتنعيم لضيفه ونزيل بيته؟ وكيف إذا كان معه ضيوف من كل فج عميق، ضيوف من كل الأقطار ومن كل الأجناس، كلهم ضيوف الرحمن؟ إن الإساءة في مثل هذا المقام تكون جريمة وفضيحة، فهي إساءة إلى المضيف و بيته وحرمه، وإلى ضيوفه ونزلائه، وهي فضيحة تسير بذكرها الركبان، ويتحدثون بها في مختلف الشعوب والبلدان.
فاحذر أيها الحاج أن تسيء إلى ربك ومضيفك، وتسيء إلى قومك وبلدك، أو تسيء إلى إخوانك ورفقائك. واعلم أنك ستسيء بذلك إلى نفسك وحجك ومقامك.
ليشهدوا منافع لهم لبيك
يقول الله تبارك وتعالى: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) (15)
لقد ذكر الله سبحانه أن حجاج بيته الحرام يأتون ليشهدوا منافع لهم، وهذه المنافع لم يحددها، فبقيت مطلقة مفتوحة، مما يدل على أن منافع الحج كثيرة متنوعة وغير محصورة. ولا شك أن العبادات والفضائل العظيمة المذكورة من قبل هي من أعظم منافع الحج ، إذا أحسن الحاج تحصيلها والمحافظة عليها . كما أن لقاء المسلمين القادمين من كل فج عميق، هي فرصة عظيمة غنية بالعبر و المنافع.
فليتأمل الحاج في عظمة الإسلام الذي جعل ملايين الناس تقبل– كل سنة خ على بيت الله حاجين معتمرين،من غير أن يأتي بهم أحد، ومن غير أن يضغط عليهم أحد. يأتون طائعين راغبين مشتاقين. تهوي أفئدتهم إلى بيت الله الحرام، وإلى زيارة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وإلى لقاء إخوانهم المسلمين من مختلف أصقاع الدنيا.
وهكذا تتاح لك أيها الحاج فرصة لا مثيل لها لتلقى المسلمين من كل أرجاء المعمور، لتستفيد منهم وتتعرف عليهم وعلى أحوالهم، في محبة وأخوة لا يمنعها اختلاف الألوان والملامح والألسنة. وقد أصبح الحج الفرصة الوحيدة التي تتجلى فيها الوحدة الكاملة للأمة الإسلامية بكافة شعوبها وأعراقها وأقطارها. فهي فرصة لكل حاج لكي يجسد هذه الوحدة ويستمتع بها ولو لبضعة أيام أو أسابيع، فيعمق شعوره بها، ويوثقها بحسن التعارف والتآلف، وبحسن التعامل والمعاملة، ويتبادل الأخبار والآراء والمعلومات. كما أن الحج فرصة علمية وثقافية. وقد كانت الرحلات والأسفار إحدى وسائل التعلم والتثقيف عند أسلافنا. فرحلة الحج من أولها إلى آخرها ينبغي أن تكون رحلة علمية ثقافية، بذهابها ورجوعها، وبإقامتها وتنقلاتها. فمشاهدة البلدان وأهلها، ومجالسة العلماء والمثقفين، وحضور الدروس والمحاضرات، وزيارة المواقع والمآثر الإسلامية، وعلى رأسها مواقع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته،التي شهدت بزوغ فجر الإسلام وسطوع نوره على الأرض...كل ذلك علم وثقافة، وتفقه وخبرة، لا ينبغي للحاج أن يضيعها أو يقلل من شأنها، لأنها من المنافع التي دعانا الحق سبحانه لأجل شهودها وتحصيلها باعتبارها من مقاصد الحج وثماره.
الهوامش:
1 — سورة البقرة 195
2 — سورة البقرة 158
3– الحديث رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي
4 — إحياء علوم الدين 1⁄316
5 — سورة البقرة 196
6 — سورة البقرة 197⁄199
7 — سورة البقرة 201
8– سورة الحج الآيات 3526
9 — الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة
10 — رواه أحمد وابن ماجة
11– إحياء علوم الدين1/ 315
12 — سورة البقرة 196
13– الحديث متفق عليه
14– سورة الحج 28
15 — سورة الحج 2524 .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.