"شوهة" بنكيران في الإليزيه مرت سنتان على تولي عبد الإله بنكيران رئاسة الحكومة ولم يتعلم من فن "الإتيكيت" سوى لبس ربطة العنق، أما الباقي فليس له فيه حظ، وكان استقباله بقصر الإليزيه "شوهة" بكل مقاييس البروتوكول، ومن شاهد رئيس حكومة عموم المغاربة يدخل إلى مقر رئاسة فرنسا لا يفرق بين هذا الاستقبال وبين دخوله أحد الأسواق الشعبية. نسي بنكيران انه يدخل قصرا له تاريخ ورمزية قبل أن يكون مقرا للحكم. فهناك مراسيم بروتوكولية لعبور البساط الأحمر، وهي مراسيم تختلف من جمهورية لأخرى وصولا إلى الجمهورية الخامسة لكنها تبقى في الجملة ضاربة جذورها في تاريخ فرنسا وثقافتها. فالمراسيم دقيقة في رئاسة الجمهورية الفرنسية وليست ديكورا زائدا. فالتقاليد الفرنسية ضاربة جذورها في التاريخ ويتم احترامها بالتفاصيل الدقيقة. وكنا نظن أن بنكيران شاهد مراسيم تولي فرنسوا هولاند رئاسة الجمهورية الفرنسية. وعندما وصل إلى القصر وجد في استقباله ساركوزي الرئيس الذي قام بصورة خاصة بإطلاع الرئيس الجديد على الإجراءات المتعلقة بالسلاح النووي وشفرة هذا السلاح، ثم جرى حفل التنصيب حيث ألقى بعده هولاند كلمة مع إطلاق 21 طلقة مدفعية. ويقضي التقليد بعدها أن يعبر الرئيس الجديد شارع الشانزلزيه في سيارة مكشوفة وصولا إلى قوس النصر، حيث يحيي الشعلة عند ضريح الجندي المجهول. وقد عبره فرنسوا هولاند في جو ممطر. اسمع يا بنكيران : فالأمر ليس شعبوية ولكن احترام تام لتقاليد الجمهورية التي أصبحت تسمى اليوم الخامسة مع النهج الديغولي. وقام هولاند، وفق التقاليد المرعية للجمهورية الفرنسية، بتكريم ذكرى جول فيري الذي جعل المدرسة العلمانية إلزامية ومجانية وماري كوري المولودة في بولونيا والحائزة على جائزتي نوبل في الكيمياء والفيزياء مطلع القرن العشرين، تأكيدا منه على اثنتين من أولويات رئاسته : التعليم والاندماج. وقصد فرانسوا هولاند بعد ذلك بلدية باريس. لكن بنكيران بعد تعيينه رئيسا للحكومة مكلفا بتشكيلها لم يعمل سوى على زيارات مملة لبعض الزعماء ولشقيق عمر بنجلون الذي تتهم الشبيبة الإسلامية باغتياله والذي وصفه بنكيران بالكلب الأجرب. وهي دلالة على أننا دخلنا عصرا من "الدوبل فاص" خطير. فمراسيم التعيين وما يليها دالة دلالة واضحة على اهتمامات رئيس الحكومة. فأول عمل قام به بنكيران بعد تشكيل حكومته في صيغتها الثانية هو اللقاء الصحفي الشهير، الذي بدا فيه مكشرا ومقطبا حاجبيه مستعدا للنزال. يعني أنه لن يتكلم إلا قليلا وإذا تكلم "سيجرح" الناس. جئنا على ذكر هذا الحوار لنبين أن بنكيران لم يتغير. فالرجل قضى وقتا طويلا في الحكومة ورئيس الحكومة "قشابتو واسعة" لكن يتميز بالرزانة. فعندما ذهب إلى قصر الإليزيه كان ممثلا لجلالة الملك، والملكية في المغرب ذات تقاليد، وكان ممثلا لعموم المغاربة الذين يترأس حكومتهم. وبالتالي ليس من حقه أن يخرج عن السطر. وكان عليه أن يحترم البروتوكول. وهناك مصلحة خاصة بهذا المجال في رئاسة الحكومة. وإذا لم تعجبه هذه المصلحة يوظف مكلفا بمهمة متخصصا في فن الإيتكيت. ولسنا نلوم بنكيران عن تصرفاته لما يحضر الأعراس والعقيقات والجنائز و"تركيب الخواتم" ويخطب كما يشاء ويأكل كما يشاء ويجلس كما يشاء ويضحك كما يشاء، لكن ليس من حقه ذلك إذا كان يمثل المغرب.