ما تزال الفنانة اللبنانية نضال الأشقر تحافظ على طراوتها وعلى صولتها المعروفة وهي تلوح بالآمال دون أن تنقطع عن إعلان حبها الكبير والأبدي لأب الفنون، المسرح. وفي معرض الكتاب -حيث حضرت مكسورة اليد رفقة «زميلتها» في ليالي الخشبات الوزيرة ثريا جبران، بعد أن سلمت قدمها، لكن قلبها المحب للمسرح ظل وفيا لتلك الشعارات الكبيرة التي حملها مسرح الستينيات وأحلام السبعينيات- أعلنت عن قيامها من جديد بإحياء إطار «الممثلون العرب». قال المسرحي المغربي الدكتور عبد الرحمان بن زيدان، أثناء تقديمه ومحاورته للفنانة اللبنانية نضال الأشقر، إن هذه الفنانة الكبيرة علامة أساسية في سماء المسرح اللبناني والعربي على الإطلاق وإنها وسمت، رفقة جيل من المسرحيين العرب، الممارسة المسرحية في الكوكب العربي، مختصرة تجربة حياة ومسرح، تلازم فيها الألم والأمل، فالكل يتذكر أعمالها الكبيرة «كارت بلانش» أو «إضراب الحرامية» أو «مجدلون» أو الأعمال التاريخية من قبيل « طقوس الإشارات والتحولات» أو «ألف ليلة في سوق عكاظ» أو «ثلاث نسوان طوال»، ومن أعمالها التلفزيونية «زنوبيا» و»شجرة الدر» وغيرها من الأعمال الكبيرة التي قدمتها فنانة من عيار ثقيل. لكن أهم تجربة لها في مسيرتها الفنية، كما أشار إلى ذلك بن زيدان، هي ارتباطها بالمختبر المسرحي الذي دشنه «مسرح المدينة» في بيروت والذي استطاعت أن تعيد إليه الحياة بعد طول توقف بسبب الحرب الأهلية وظروف لبنان الداخلية، مما دمر الكثير من البنيات الثقافية وحجر الحياة الثقافية والفنية في منطقة اعتبرت على الدوام منارة ثقافية في خارطة البلاد العربية. نضال الأشقر، البهية المناضلة في الحرم الفني، مخلصة في انتمائها إلى اللحظات المضيئة في الممارسة الفنية الواعية والجادة، وحين كانت تمضي قدما مع زمرة الأصدقاء والفنانين وتفتح مسرحها في وجه التجارب المسرحية العربية الطليعية، تجارب الشباب الذين تخرجوا من مدراس أوربا الشرقية التي تؤمن بحضور الجسد على الركح، وبأفق التجريب باعتباره الأفق الوحيد الممكن أمام الفن الجاد. في عملها « الأجنحة المتكسرة»، عادت إلى الأسطورة الجبرانية وإلى ولهها العميق بالشعر والدفاع عن الانتماء إلى الحرية في الوطن الحر. من هذا المنطلق، اعتبرت نضال الأشقر أن المسرح هو عملها الوحيد والممكن، وأنها ظلت على حافة السؤال الفني والإبداعي، مخاطرة بالعودة إلى النصوص الكبيرة التاريخية من أجل إضاءة الحاضر وفهم مشكلاته، وقالت بلغة متألمة: «نحن نمارس مهنة الهاوية»، مؤكدة على أن المسرح لا يمكن أبدا أن ينفصل عن السياسي وعن توقيع هوامش على الحياة السياسية والتعليق على اليومي، لأن ذلك هو جزء من عمل المسرح ومن لغته ومن استحقاقاته التي ينجزها على مدار تاريخه الطويل ورسالته من سوفوكل إلى الآن. في مسيرتها المسرحية، جسدت نضال الأشقر وجوها متعددة للمرأة العربية، وفي التقاطها لنماذج من نساء التاريخ، كانت تنتمي أكثر إلى المرأة النبيلة القوية العارفة التي تتجاوز جسدها والعرف الاجتماعي إلى ما يحررها، نساء منتفضات ضد سطوة المجتمع وهيمنة الذكورة، متحررات، تقول عن ذلك: «المساواة والمرأة والحرية مطالب أساسية للمجتمع العربي، وهي مطالب أو تعبيرات وجدت نفسها أكثر في المسرح الذي أقوم به والذي أقدمه للناس، وأعتقد أن هذا العمل هو جزء من أفعال المسرح، في ظل الشروط العامة التي نعيشها في العالم العربي، إننا نحتاج إلى المسرح باعتباره صوت من لا صوت لهم، صوت المقموعين والمحتجين والمنبوذين. ففي غياب العدالة، تقع كل أشكال الحيف والظلم، ولعل المسرح هو الوحيد القادر على أن يقوم بهذا الفعل الحضاري، الفعل الاحتجاجي المنتمي إلى الإنسان». من خلال تجربتها الطويلة، أصبح لنضال الأشقر أسطرلاب إبداعي لا يخطئ المرافئ، وفي ذائقتها الفارهة أعادت الحياة نصا وصوتا ومشهدية إلى الكثير من عيون الشعر العربي ومن أسمائه الكبيرة ومن شخصياته او شخوصه ومن عوالم حكاياته أعادت تأسيس اللحظة الشعرية الممسرحة وإذكاء حماس الروح حتى لتنبثق مثل وهج حارق من قصائد الماضي. لقد أحبت نضال الأشقر شعر المعتمد بن عباد وأحبت، بالخصوص، اعتماد الرميكية وهالتها التجارب القوية للشواعر العربيات من أمثال الخنساء وولادة بنت المستكفي وزرقاء اليمامة وعدد من الشخصيات النسائية من ذوات الأدب والحلم والجمال والمقام الرفيع. لذلك قدمت الكثير من «العروض» الشعرية في مدن عربية مختلفة وفي عواصم غربية نصوص هؤلاء الشواعر التليدات في ديوان الشعر العربي. انتماء إلى المرأة وإلى قضاياها تعتبره نضال الأشقر ضروريا في ظل الوضع العام الذي تعيشه المرأة العربية، وكذلك في سياق مقاومة قرون من طحن الكائن الأنثوي واسترقاقه. تعتبر الأشقر أن الشعر يقول ولا يبوح، لذلك فإن إنشاده في المحفل العام ومسرحته هو جزء من العملية الإبداعية التي تروم إخراجه من الأشكال الكلاسيكية التي درج الجمهور عبرها على استقبال ديوان العرب وكذلك فتح فجوات جديدة في تلقي الشعر وتيسير وصوله إلى القارئ. في اللقاء المفتوح الذي جمعها مع جمهور المعرض، أكدت نضال الأشقر على أهمية المسرح في حياتنا، وعلى دفاعها من جديد لإحياء رابطة «الممثلون العرب» التي ساهمت في الماضي في إنجاز أعمال من قيمة عالية، في إشارة منها إلى تجربة مهمة أسست لفرقة عربية جالت مختلف العواصم. لعبت في الستينيات والسبعينيات دوراً أساسياً في تحريك الحركة المسرحية اللبنانية والعربية، بهدف تجديد رؤاها ولغتها وأدواتها. وأسست مع مجموعة من الفنانين «محترف بيروت للمسرح» فترة تألق الحركة المسرحية الطليعية التي عرفها لبنان آنذاك. كما أسست انطلاقا من عمّان فرقة «الممثلون العرب»، وهي أول فرقة عربية تجول العالم العربي. كما ساهمت، من خلال عشرات الأعمال المسرحية، في إخراج المسرح اللبناني من نجوميته إلى مجاله الشعبي بتحد أكسب هذه الأعمال مواصفات متقدمة ومغامرة ومتجددة.