بعض الشعوب تتصدى لحكوماتها المتماطلة بالتصويت العقابي عبر الفنانين الساخرين. ففي بداية الثمانينيات من القرن الماضي، عبّرت نسبة 16 في المائة من النّاخبين الفرنسيين عن نيتها التصويت لصالح الفنان الساخر «كولوش» Coluche (الذي رحل عن دنيانا الفانية) وتنصيبه رئيسا يقود مصير الجمهورية الخامسة؛ وفي إيطاليا، أرض «الكوميديا ديلا رتي»، يعتبر السياسيون سخرية الفنان «بيبّي كرييُّو (Pepe Grillo) بمثابة درس يومي في المعارضة القوية التي لا تكون سجينة الحسابات الظرفية والسياسوية. (ماهو رأي سّي خالد الناصري، وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم مجهول معلوم؟)؛ وهذه الأيام، عبر الشعب الألماني بنسبة 18 في المائة من الناخبين عن النية في التصويت لفائدة الفنان الساخر «هانس بيتر كيركولينغ» (Hans- Peter Kerkeling) وتنصبيه في أسمى منصب في ألمانيا كمستشار خلفا ل«المرأة الحديدية» أنجيلا ميركل. الفنان «كيركولينغ» لم يتقدم بترشيحه وإنما سخر في أحد سكيتشاته من الوعود الواهية التي يقدمها المرشحون كطعم لاصطياد الناخبين السذج، لكن نسبة كبيرة من الشعب الألماني اعتبرت ذلك السكيتش الهزلي بمثابة ترشيح رسمي ودعوة للفنان إلى المرور إلى السرعة القصوى بترجمة هزله إلى جد ومعقول كتعبير شعبي بليغ عن إصابة الشعب بالملل واليأس من خطب السياسيين المحترفين؛ فهناك بعض السيّاسيين الذين يصرون على إظهار أنفسهم خلال حملتهم الانتخابية بمظهر الجدية والصرامة، وفي الأخير يضحكون على أذقان النّاخبين. وهاذ الماركة من المرشحين عندنا منها بزاف في المغرب. نعود إلى ألمانيا التي كانت فيها النوايا الشعبية قد أحدثت زلزالا كبيرا في أوساط الأحزاب المتبارية، واعتبرت نوايا الناخبين سابقة في تاريخ ألمانيا وضربة موجعة لطموحاتها. ورد عليها الفنان «كيركولينغ» بأن «الناخبين ليسوا أغبياء، ويعرفون حقَّ المعرفة أن وعود رؤساء الأحزاب غير قابلة للتحقيق بنفس المستوى الذي يستحيل معه تحقيق «الوعود الانتخابية» الساخرة التي تقدمت بها شخصيا». وكان «كِيرْكُولينْغْ» قد «وعد» الناخبين بأنه سيفرض مجانية إجراء عمليات التجميل الجراحية، وسيعمل على إلغاء الغرامات المالية التي تُفْرض على السائقين المتهورين الذين يخالفون قوانين السير، وتوفير قاعات بالمجان ل«البْرُونْزَاجْ» بالأشعة ما فوق البنفسجية حتى يتوهم المواطنون الألمان أنهم قضوا عطلهم تحت شمس الجزر السياحية خارقة الجمال. هذا الفنان الساخر حصل تقريبا على كل الجوائز التي يمنحها القطاع السمعي البصري في ألمانيا للفنانين، مكافأة له على معاركه العديدة التي هدفت إلى إيقاظ الألمان الذين استهلكوا الحبوب السياسية المنومة المروَّجة من طرف السياسيين لحرايفية بكل مشاربهم. وبعد ترشيحه الوهمي، أصبح «كِيرْكولينغْ» مَحَلَّ متابعة يومية من وسائل الإعلام، وشرعت القنوات التلفزية في النقل المباشر لعروضه الفنية أو التجمعات المختلفة التي يحضرها، وهو ما حجب الأَضواء عن المرشحين الحقيقيين للانتخابات التشريعية التي ستجري يوم 27 سبتمبر الحالي. فكما يقول أستاذنا و«معاصرنا» الجاحظ كم من هزل تحول إلى جدّ، وتوج مقولته قبل عصرنا الحالي بقرون بنشر «رسالة الجدّ والهزل» عبرة لِمَنْ يَعْتَبِر. وكان أحد الحكماء أبلغنا أنه «صار جِدّا ما مَزحتََ بهِ، رُبَّ جِدٍّ ساقه اللَّعب». ولتعِشْ ولتَدُمْ لنا الديمقراطية على الطريقة المغربية.