لم يكن حكم الحسن الثاني مرحبا به في الكثير من المحطات، خصوصا تلك التي أعقبت توليه العرش وما رافق ذلك من اعتقالات واختطافات، ستنتهي بالإعلان الرسمي عن حالة الاستثناء التي وضع الملك بعدها كل السلط في يده. لذلك تعرض لأكثر من محاولة انقلاب تحدث البعض عن كونها قاربت العشرين محاولة، لم يكتب لأي منها النجاح. وبين انقلاب الصخيرات في 1971 ومهاجمة الطائرة الملكية في غشت 1972، وقع توافق كبير بين إرادتي الجنرال أوفقير، الذي كان يردد أنه يريد أن يسحق الحسن الثاني، وإرادة الزعيم الاتحادي عبد الرحيم بوعبيد، المكتوي بنار الملك الذي استحوذ على الحكم وأصبحت كل السلط مركزة بين يديه، لإنهاء حكم الملك. انضاف إليهما كل من المقاوم حسن صفي الدين الأعرج، والمستشار الملكي ادريس السلاوي. هذا الرباعي الذي رتب لانقلاب من نوع خاص لن تطلق فيه أي رصاصة، ولن يسقط فيه ضحايا كما حدث في الانقلابات السابقة. سيرة الانقلاب، والترتيبات التي سبقته، والتي تعيد «المساء» تركيب حلقاتها في هذه السلسلة، كانت تهدف إلى اختطاف الملك الحسن الثاني بواسطة طائرة مروحية، ثم تشكيل مجلس وصاية إلى أن يصل ولي العهد إلى سن الرشد، على أن يتولى مستشاره ادريس السلاوي مهمة رئاسة الدولة. سيعترف عبد الرحيم بوعبيد، في تصريحات صحافية مباشرة بعد انقلاب الصخيرات، أن ما حدث هو ترجمة لعدم الاستقرار الذي يعيشه البلد. أما لتفادي تكرار مأساة العاشر من يوليوز من سنة 1971، يضيف بوعبيد، فيجب إعادة الثقة في الشعب أمام تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. لذلك لا بد من إعطاء الكلمة للشعب لبناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية، مع إعادة النظر في عدد كبير من فصول الدستور. أما ما عدا ذلك، فيمكن أن تقع مغامرات أخرى. هل كان عبد الرحيم بوعبيد يخفي في هذا التصريح ما كان يخطط له أربعة أشهر بعد هذا الانقلاب؟ اليوم حينما نعيد قراءة بعض فقرات هذا الكلام الذي صدر عن واحد ممن خططوا لمحاولة انقلاب الثالث من مارس من السنة الموالية، لا بد أن نكتشف أن الرجل لم يكن مقتنعا بما قاله الحسن الثاني تعليقا على الانقلاب عليه. ولذلك يكون قد فهم أن نفس الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وواقع الفساد الذي كان مستشريا في البلد، لن يجدي معه غير إبعاد الحسن الثاني عن العرش من خلال عملية صعوده للطائرة واختطافه إلى باريس، قبل تكوين مجلس وصاية يرأسه مستشاره إدريس السلاوي، في انتظار أن يصل ولي العهد لسن الرشد. وعلى الرغم من أن الانقلابات التي تعرض لها الحسن الثاني لم يعرف منها غير انقلابي الصخيرات في 1971 وانقلاب الطائرة في 1972، إلا أن واحدا ممن شاركوا في واحد من الانقلابين وهو أحمد رامي، الذي قال إنه انخرط في القوات المسلحة فقط من أجل إسقاط نظام الحسن الثاني. قبل أن يضيف أنه استقى معلومات من أوفقير والدليمي تقول إن ما تعرض له الحسن الثاني من محاولات انقلابية، خصوصا حينما كان لا يزال وليا للعهد، كانت فقط من صنع السلطة لضرب خصومه، وإبعاد العناصر المعارضة التي كانت تشكل خطرا على النظام، إما بطردها أو دفعها إلى المنفى أو رميها في السجون وتعيين المقريبين من القصر، أو الدائرين في فلكه على رأس قيادات الأحزاب المعارضة. بل وفبركة أحزاب أخرى معارضة تسير من طرف القصر. وبتعبير آخر فما كان الحسن الثاني يسميه بالمؤامرة التي ادعى أنها استهدفته كولي للعهد أو كملك من طرف المعارضة المدنية، لم تكن في الحقيقة إلا مؤامرات دبرها الحسن الثاني نفسه لقتل المعارضة السياسية والمدنية لاستمرار نظام حكمه على النهج الذي يوافقه. وحدهما محاولتا الصخيرات 1971 و16 غشت 1972 العسكريتين، اللتان وصلتا إلى مرحلة التنفيذ العملي. أما قبلهما وما بينهما، يقول أحمد رامي في أكثر من حوار صحافي، فقد جرى تحضير سبعة مخططات عسكرية للإطاحة بالنظام لكنها، لأسباب وأخرى، لم تصل إلى مستوى التنفيذ، ولم يكن الأمر في أي من هذه المخططات أو المحاولات يتعلق بمجرد «اغتيال» الملك، بل كان الهدف المشترك هو الإطاحة بالنظام الملكي، وإقامة نظام جمهوري ديمقراطي. شهادة رامي، تعيدنا مرة أخرى للحديث عن محاولة انقلاب الثالث من مارس. فالرجل يتحدث عن انقلاب 1971 و1972 وما بينهما. وما كان بينهما هو تاريخ اختطاف الملك عبر مروحية إلى باريس. يحكي أحمد رامي عن عدد المحاولات الانقلابية التي خرج منها الملك سالما، ومنها مناورة تازة التي كانت أول خطة للإطاحة بالنظام الملكي، والتي كانت تقضي بأن يلقى القبض على الحسن الثاني خلال مناورات عسكرية قرب مدينة تازة، إذ كان مقررا أن يزورها، كما كان مقررا مشاركة مدرسة أهرمومو ضمن هذه المناورات. وفعلا تم الاتفاق على أن تجرى هذه العملية في شهر أكتوبر سنة 1969، سيما أننا لم نكن نتوفر على نظام ومؤسسات كما هو متعارف عليه، وإنما السائد آنذاك كان هو طغيان حكم فردي ودولة يتملكها شخص واحد. وكانت كل عناصر الخطة تستهدف وضع اليد بشكل من الأشكال على الملك، باعتباره القائم على هذا النظام الفردي، لإخبار الناس بأنه لم يعد موجودا، وذلك للقضاء على هاجس الخوف الذي أصاب الشعب المغربي بالشلل. غير أن الملك الحسن لم يأت لحضور المناورات العسكرية في آخر لحظة، وهكذا تقرر تأجيل كل شيء في انتظار فرصة أخرى. أما المحاولة الثانية، كما يقول أحمد رامي، فهي محاولة الصخيرات المعروفة والتي فشلت. وبعد هذه المحاولة دبرت مخططات أخرى لم يكتب لها النجاح، منها محاولة 16 غشت لسنة 1972. وبعد هذا الفشل قام الضباط الأحرار بالاتصال بالجنرال الدليمي، الذي أصبح يقوم بنفس الدور الذي كان يقوم به الجنرال أوفقير، الذي انضم إلى تيار التغيير. وحينما جرى التحضير لخطة الإطاحة بالملك الحسن الثاني ونظامه، قام الموساد والمخابرات الأمريكية، كما قال رامي، بإخبار الملك بسبب تسريب بعض المعلومات، مما أدى إلى تصفية الدليمي. تضعنا المعطيات التي كشف عنها انقلاب الصخيرات في 1971، سواء من خلال التصريحات التي أطلقها الحسن الثاني معلقا على ما حدث، أو ما رافق الهجوم على الطائرة الملكية في غشت من السنة الموالية، أمام حقائق تفيد بأن نظام الحسن الثاني كان غير مرغوب فيه، ليس فقط من قبل رجال السياسة الذين وجدوا أن الملك وضع كل السلط بين يديه، وقام بإبعاد كل الذين دافعوا عن عودة الملك الى عرشه، بعد أن زج بخصومه في السجون. ولكن الرفض سيمتد إلى ضباطه في الجيش الذين رتبوا للانقلاب الأول والثاني. أما بينهما، فقد أصبح التنسيق ضروريا بين الطرفين من أجل هدف واحد هو رأس الحسن الثاني. ولذلك كان لا بد أن يضع عبد الرحيم بوعبيد ثقته في الجنرال أوفقير، وهما ينسقان لانقلاب يوم عيد العرش بمشاركة صفي الدين الأعرج، والمستشارالملكي إدريس السلاوي، الذي ظل هو محور كل العملية باعتباره أولا مقربا من الملك الراحل الذي يعرف تفاصيل برنامجه اليومي، وباعتباره ثانيا رجل ثقة الجنرال محمد أوفقير، الذي اشتغل رفقته في قطاع الأمن الوطني على عهد الغزاوي، وباعتباره ثالثا أحد المقربين من عدد من قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بقيادة عبد الرحيم بوعبيد. لذلك لم يكن غريبا أن يرشحه الانقلابيون لمهام رئاسة مجلس الوصاية، وبالتالي مجلس الدولة.