ستعرف أسعار زيوت المائدة انخفاضا في الأسواق المغربية بداية من مستهل شهر يناير المقبل، على أن تحدد نسبة هذا الانخفاض في غضون الشهرين المقبلين، بعد استقرار أسعار المواد الأولية في الأسواق العالمية، علما بأن سعر هذه المواد الأولية انخفض من 1500 دولار للطن الصيف الماضي، إلى أقل من 800 دولار للطن حاليا. أحمد رحو، الرئيس المدير العام لشركة لوسيور كريسطال، الذي أعلن عن هذا الانخفاض المرتقب، رفض تحديد نسبته، موضحا أن ذلك مرتبط بتحديد سعر المواد الأولية الذي يمكن اعتباره ممثلا للسوق العالمية. - لماذا لم تخفضوا من سعر زيت المائدة في السوق المغربي رغم الانخفاض الكبير المسجل في الأسواق العالمية؟ < الأثمنة في السوق المغربي مرتبطة، بشكل كبير، بالأسواق العالمية لأن مجموع الزيوت التي تباع في الأسواق المغربية مستوردة أساسا من الخارج، بنسبة 98 بالمائة، أي أن الارتباط بالخارج . لكن ما يجب معرفته أن هذه العلاقة ليست لحظية، أي بمجرد ما يطرأ التغيير في السوق العالمي ينعكس على السوق المغربي. - كيف ذلك? < الأمر يفسر بشيئين: الأول هوكون السوق المغربي يتم تموينه كل شهر تقريبا وبكميات مهمة، لأن البواخر التي تحمل الزيوت الخام من الأرجنتين والبرازيل تتطلب تكلفة كبيرة، وهذه التكلفة تنخفض مع ارتفاع الكمية المستوردة، وهوما يدفعنا إلى التفكير في التموين أسابيع قبل وقوع الحاجة. أضف إلى ذلك أن المدة التي يستغرقها تحميل الباخرة وعبورها للمحيط ووصولها إلينا وتصفية الزيت وتعبئته في القنينات، كل ذلك يستغرق وقتا يتراوح بين شهر وشهر ونصف، علما بأننا نحتفظ باحتياطي من هذه المواد باعتبارها مادة أساسية. وتقدر كمية هذا الاحتياطي بما يكفي لشهر تقريبا، تفاديا لحدوث خصاص في حالة وقوع عطب في إحدى البواخر مثلا، أوتأخرها أوكما حدث في الصيف الماضي عندما حدث إضراب في الأرجنتين على مستوى بائعي الزيوت الخام ومجموع المنتجين للمواد الأولية الفلاحية، وهذا ما أدى إلى خلل كبير في العالم من حيث التزويد بزيوت الصوجا من أبريل إلى غاية شهر يوليوز. إذن، فباحتساب المدة بين مرحلة التخزين كاحتياطي والاستيراد المسبق والتصنيع والإعداد، نكون أمام مدة تناهز ثلاثة أشهر تفصل بين شراء المواد من السوق العالمية وتسويقها في المغرب. وبناء على ذلك، لا يظهر أثر التغيير في الأسواق العالمية على السوق المغربي إلا بعد شهر على أقل تقدير وهوما لا يقع، وقد يصل إلى ثلاثة أشهر. - وما هو التفسير الثاني? < التفسير الثاني لهذا التباين بين السوق العالمي والسوق المغربي، يهم حجم التغيرات التي تطرأ. فعندما يقع ارتفاع في الأسعار العالمية لمدة شهر مثلا، ثم تعود إلى مستواها السابق، لا نقوم نحن بعكس هذا الارتفاع على السوق المغربي خلال شهر ثم نتراجع عن ذلك... - هل تقومون بالشيء نفسه إذا وقع انخفاض؟ < طبعا فالأمر يحدث في الاتجاهين، وبالتالي فأي تغيير في السوق العالمي لا يمتد على المدى البعيد، لا يسجل داخليا. علما بأننا نستورد جل حاجاتنا من السوق العالمي ولا بد لأي تغيير أن يؤثر علينا داخليا. لكننا نتعامل مع تلك التغيرات من خلال دراسة ما إذا كانت ستدوم لمدة طويلة أم أنها طارئة. فإذا اتضح أنها دائمة نقوم بتطبيقها، أما إذا كانت ظرفية فإننا لا نطبقها. في السنتين الماضيتين، مثلا، سجلنا زيادة مهمة في الأسعار، لكنها لم تنعكس على السوق المغربي بشكل مفاجئ، فرغم أن الارتفاع بدأ في نهاية 2006، فإنه لم ينعكس داخليا إلا بداية من ماي 2007؛ لأننا كنا نتوفر على مخزون اشتريناه بسعر أقل، ثم لأننا فضلنا الانتظار لمعرفة ما إذا كانت تلك الزيادة المسجلة عالميا ظرفية أم دائمة، والنتائج التي سجلتها الشركة عام 2007 تبين أننا فضلنا تسجيل هامش ربح أقل في انتظار التأكد من دوام تلك الارتفاعات. وعندما بدأنا في تطبيق الزيادة قمنا بذلك بشكل تدريجي حتى يتقبلها المستهلك... - حتى نعود إلى الحديث عن الانخفاض المسجل حاليا في الأسواق العالمية، تشير الأرقام المتوفرة إلى أن سعر المواد الأولية انخفض بحوالي 50 بالمائة منذ شهر مارس... < الانخفاض الأول الذي تحدثت عنه وقع خلال شهر واحد، أي بين شهري مارس وأبريل، لتعود الأسعار إلى الارتفاع إلى مستوى 1500 دولار خلال الصيف أي انطلاقا من يونيو؛ وهذا ما يعني أن الانخفاض من 1500 إلى 1300 لا يعني شيئا كبيرا، علما بأننا خلال شهر مارس كنا نطبق أسعارا توازي سعر 1100 دولار لكون مخزوناتنا كانت قد اقتنيت بهذا السعر. وتدريجيا أصبحت مقتنياتنا ترتبط بالأسعار التالية، أي 1300 ثم 1500 خلال الصيف. الانخفاض بدأ مجددا خلال يوليوز، والجزء الهام منه حدث خلال شهر أكتوبر الحالي. ونحن نعرف أن هذا الانخفاض ناتج عن الأزمة المالية العالمية التي أثرت على سعر جميع المواد الأولية بما فيها البترول، وهذا الأخير يجسد مثالا جيدا، فهل نستطيع أن نحدد أثمان المحروقات بناء على سعر 65 دولارا للبرميل؟ الشيء نفسه ينطبق على الزيوت، رغم أن جل المحلليين متفقون على أننا لن نعود إلى سعر 1500 دولار للطن ولا حتى 1300 دولار، وأغلب الظن أن الكميات التي ستدخل السوق المغربي في الشهور المقبلة، ستكون أقل من هذا السعر... - أي أن سعر زيت المائدة سينخفض في السوق المغربي بداية من أي تاريخ؟ < انطلاقا من مستهل سنة 2009... - يناير 2009؟ < نعم ابتداء من يناير 2009، وسنعلن عن الانخفاض في الأول من يناير... - ما نسبة هذا الانخفاض؟ < لا يمكنني أن أعطيك نسبة محددة، لأننا نحتاج إلى الانتظار مدة كافية، لنعرف بدقة، ما هوالثمن الذي يمكننا اعتبار أنه يمثل السوق، هل هو1000 دولار للطن أم 800 دولار... سننتظر التحليلات التي سيجريها الملاحظون على الصعيد العالمي، ومن خلالها سنعتمد مستوى معينا للأسعار خلال عام 2009. فهدفنا هوالوصول إلى أسعار لا نحتاج إلى تغييرها بعد ذلك بمدة قصيرة، سواء في اتجاه الارتفاع أوالانخفاض. فأنا أؤكد أن الانخفاض سيحصل لكنني أفضل تحديد نسبته أواخر شهر دجنبر... - يمكننا أن نتحدث عن نسبة تقريبية على الأقل.. < لا فالأمر يبقى صعبا، وهذا السؤال كان يطرح علي حتى في مرحلة الارتفاع في الأسواق العالمية، ولم أكن أحدد نسبة الزيادة المرتقبة قبل أن نتأكد من دخول المشتريات إلى السوق المغربي، وعلى أساسها نضبط الثمن. فعندما يكون التغيير في اتجاه واحد يسهل ضبطها، لكنها عندما تكون متذبذبة في الاتجاهين يصعب علينا تحديد السعر المناسب، والإقدام على تغييرات كثيرة على المستوى الداخلي، إذ ستؤدي إلى كثرة المضاربات وقد تصل درجة المساس بوفرة المنتوج في الأسواق، وهوما لم يحدث نهائيا. فلم يسبق لأي مغربي حتى في القرى النائية، أن بحث عن قنينة زيت في يوم من الأيام ولم يجدها. فنحن نقوم بمراقبة حتى بائعي الجملة، ونتجنب الوقوع في حالات احتكار أوخصاص أواحتفاظ بالمنتوج عوض بيعه. ونقوم أسبوعيا بمراقبة خمسين ألف نقطة بيع، رغم أننا لا نتحكم في سعر البيع، لكننا نسهر على معرفة ما إن كانت الأسعار مناسبة. - هل تقتصر مهمتكم على ضبط هذه العلاقة بين السعر في الأسواق العالمية والسعر داخل المغرب؟ لماذا لا تفكرون في وسيلة لخفض التكلفة عبر توفير المواد الأولية داخليا..؟ < يمكننا أن نلاحظ أن ميدانين مشابهين هما السكر والحليب، ينتج فيهما المغرب حوالي 50 بالمائة من الحاجيات من السكر وأكثر من 80 بالمائة من الحليب، لذلك نلاحظ أن التغييرات في الأسعار لا تظهر بشكل كبير، بينما في مجال الزيوت نحن نستورد أكثر من 98 في المائة من حاجاتنا، مما يفرض علينا أن نرتبط بالسوق العالمي لأن المواد الخام تصل إلى 60 في المائة من قيمة إنتاجنا. وحتى إذا تحكمنا في كلفة الإنتاج في المراحل التي ننجزها داخليا فإن ذلك لن يؤثر على الأسعار. والوسيلة الوحيدة تبقى تنمية الإنتاج الفلاحي المغربي، والمشكل الذي يطرح هنا كون إنتاج بعض المواد الأولية النباتية الخاصة بالزيت يبقى مستحيلا لارتفاع تكلفته واستهلاكه الكبير للمياه. وفي ما يخص زراعة عباد الشمس، فنحن في طور مناقشة تنميتها مع وزارة الفلاحة. وحتى على افتراض تحقيق ذلك، فإنها لن تستطيع تغطية أكثر من 30 في المائة من حاجاتنا، على أكبر تقدير... - 30 بالمائة تبقى أفضل من 2 بالمائة.. < نعم تبقى أفضل، وهدفنا هوبلوغ هذه النسبة، رغم أن هدفنا نحن ليس هوتخفيض أورفع الأسعار، بل إن هدفنا هوتصنيع هذه المواد والحصول على هامش الربح الذي يناهز حاليا 6 أو7 في المائة، والذي يبقى عاديا بالنسبة إلى منتوج صناعي. وإذا توفر لدينا منتوج وطني، سيفيدنا أكثر من منتوج مستورد. إلا أن مردودية هذه الإنتاجات الفلاحية تبقى ضعيفة، وتكلفة إنتاج عباد الشمس، مثلا، تضاعف تكلفتها في الأرجنتين وبعض البلدان الأخرى... - لماذا؟ < نظرا إلى المساحات المزروعة ووفرة المياه واستعمال البذور المختارة التي لا يتوفر الفلاح المغربي على الإمكانيات اللازمة لاقتنائها. فعندما سينتج هذا الفلاح المغربي، لا يمكنه أن يبيع منتوجه بالخسارة، ويجب على طرف ما أن يتحمل هذا الفارق بين السعر العالمي والتكلفة الداخلية. ولا يمكننا أن نتوفر على هذه الفلاحة في تقديري، إلا بعد عشر سنوات، شريطة تدعيمها من طرف الدولة، كما هوالشأن مع فلاحة الشمندر السكري. - لكن المستهلك المغربي لاحظ، في لحظة معينة، أن منتوجا أجنبيا دخل الأسواق وبأسعار جد منخفضة بينما تتحدثون عن أسعار تفرضها الأسواق العالمية على الجميع، قبل أن يتدخل مجلس المنافسة في أول خروج له ويوقف تسويق ذلك المنتوج.. < لا يتعلق الأمر بمنتج توصل إلى طريقة لينتج بسعر أقل مقارنة بالصناعيين المغاربة، وهوما لا يعتبر ممنوعا لكون السوق حر للإنتاج وحتى للاستيراد. ويمكنك أن تلاحظ أن الزيوت تعتبر من المواد القليلة جدا التي لا تدخل إلى السوق المغربي عن طريق التهريب لأن الأثمنة في المغرب منخفضة، وإذا ذهبت إلى إسبانيا والجزائر، ستجد نفس الأثمنة المطبقة في المغرب. - بينما الزيت تم تحريره. ألا تفكرون من منطلق المسؤولية الاجتماعية للمقاولات، في دعم بعض الجهود من أجل تخفيض التكلفة عوض الاكتفاء بمنطق السوق وعكس الأسعار العالمية داخليا؛ وذلك بتخصيص نسبة من مداخيلكم لتطوير البحث العلمي، مثلا؟ < هذا موجود، وقد أعلنا سابقا أننا خصصنا 80 مليون درهم لاستقطاب آليات تجعل تكلفة الإنتاج أقل لاقتصادها في استهلاك الطاقة، لكن يبقى أن 60 بالمائة من ثمن التكلفة هوالزيت الخام. والجزء الآخر من الإنتاج بدوره يحتاج إلى استيراد بعض المواد، ثم إننا نرفع من الأجور سنويا... - بعض المحللين يقولون إن مؤسستكم كانت تسجل عجزا في نتائجها قبل هذه السنة... < لا لم يكن لدينا عجز، بل كنا نحقق هامش ربح أقل وصل إلى 2 بالمائة عوض 8 بالمائة، نظرا إلى المنافسة التي كانت تواجهنا؛ وهي المنافسة التي كانت ترمي إلى الاستحواذ على حصة من السوق عن طريق بيع بالخسارة لمدة طويلة؛ وهذا الأسلوب في إقصاء المنافسين وإخراجهم من السوق ممنوع في الولاياتالمتحدة، مثلا. وعندما انتهى هذا المشكل عاد هامش الربح إلى مستواه... - كم بلغ هذا الهامش؟ < 6 في المائة أعتقد. - هل يعود هذا الارتفاع في هامش الربح إلى انسحاب هذا المنافس أم أيضا إلى الزيادات في الأسعار التي قمتم بها؟ < لا لأننا راقبنا هذا الأمر، وسهرنا على عدم استعمال هذه الزيادات لرفع الأثمان لدى الباعة، وحرصنا على أن يبقى هامش الربح في مستوى 6 بالمائة.. - لماذا لم تفكروا في التضحية بجزء من هامش الربح عندما عرفت الأسواق ارتفاعا كبيرا في الأسعار؟ < لقد ضحينا في أوائل 2007 لأن الزيادات في الأسعار العالمية كانت قد بدأت، لكننا لم نقم بتطبيقها على أمل تراجع تلك الأسعار، أي أننا فضلنا التخلي عن جزء من هامش الربح حتى لا يتضرر المستهلك.