سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
مدونة المحاكم المالية تحول دون أن تعرف تقارير الميداوي طريقها إلى القضاء المدونة تقتضي انتظار وزير العدل مراسلات الوكيل العام للمجلس الأعلى للحسابات قصد تحريك المتابعة
كشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات الجديد عن العديد من التجاوزات والاختلاسات داخل مؤسسات عمومية وجماعات حضرية وقروية. هذا التقرير تزامن مع إحداث غرف جديدة للجرائم المالية وهبوب رياح التغيير على المغرب التي طالبت بإسقاط الفساد والاستبداد. ورغم تفعيل بعض قرارات المجلس الأعلى للحسابات التي تعود إلى سنتي 2008 و2009، كاعتقال عبد الحنين بنعلو، المدير العام للمكتب الوطني للمطارات، واقتراب إحالة ملف الفساد المالي الذي عرفه القرض العقاري والسياحي على القضاء في عهد مديره العام خالد عليوة، لازالت مدونة المحاكم المالية تطرح إشكالا عويصا في تحريك المتابعة ضد المتورطين في قضايا الفساد والاختلاس والغدر... محمد الطيب الناصري، وزير العدل السابق، أشار بعد تعيينه سنة 2010 في تدخله أمام أعضاء البرلمان إلى أنه لا يمكنه إحالة جميع ملفات الفساد التي أنجزها المجلس الأعلى للحسابات على النيابة العامة، «إلا برسالة مكتوبة من الوكيل العام لدى هذا المجلس»، وهو ما أثار ضجة من قبل عدد من البرلمانيين حول مدونة المحاكم المالية، التي ترى بأن تحريك المتابعة يتطلب «انتقاء» من قبل الوكيل العام لدى المجلس الأعلى، وهو ما أثار إشكالا قانونيا حول «اختيار الملفات»، التي تعرض على وزير العدل بصفته رئيسا للنيابة العامة، ويستطيع إحالة الملف مباشرة على الوكلاء العامين للملك بمحاكم الاستئناف، حيث يتكلف قاضي التحقيق بالاستماع التفصيلي إلى المتورطين. وقد اعتبر محمد المسكاوي، نائب المنسق الوطني للهيئة الوطنية لحماية المال العام، في تصريح ل«المساء» أن «العائق الكبير» الذي سيواجهه مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات، في تفعيل قرارات المجلس الأعلى وإرضائه للشارع المغربي والمطالبين بمحاكمات رموز الفساد، هو «انتظاره قرارات الوكيل العام للمجلس الأعلى للحسابات»، لكون هذا الأخير يلعب دورا رئيسيا في إحالة الملفات على وزارة العدل والتحقيق مع المتورطين، ويتم الاطلاع عليها قبل أن تأخذ طريقها نحو العدالة. واعتبر المتحدث ذاته أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات الجديد فرصة للمغاربة قصد الاطلاع على الاختلالات التي تقع داخل مؤسساتهم العمومية، وبأنه تزامن مع مرحلة جديدة تقتضي تحريك جميع الملفات التي وردت في التقرير، في ظل الدستور الجديد الذي صادق عليه المغاربة في فاتح يوليوز الماضي. وعلى الرغم من تأسيس أربع محاكم مالية في كل من الرباط ومراكش وفاس والدارالبيضاء للبت فيها من قبل حوالي 50 قاضيا تلقوا جزءا من تكوينهم بفرنسا خلال السنة الماضية، يستحيل بتاتا أن تنظر هذه المحاكم في جميع الملفات المتعلقة بالفساد، وهو ما سيجعلها، يقول المسكاوي، «حبرا على ورق» كما وقع في السنوات الماضية، إذا «لم يقع تغيير في مدونة المحاكم المالية» قصد منح وزير العدل مباشرة تحريك الملفات التي ترد في تقارير المجالس الجهوية للحسابات دون العودة إلى الوكيل العام لهذا المجلس. وأوضح المسكاوي أنه إذا تغير هذا الشرط سيكون هناك تغيير جذري في طريقة التعامل مع الملفات الفساد وقضايا الاختلاس والغدر.وأكد المتحدث ذاته على أن قرار وزير العدل يجب أن يتخذ مباشرة بعد صدور التقرير في الجريدة الرسمية، وإحالة الملفات على المحاكم المالية الجديدة، واستدعاء المتورطين من قبل الجهات الأمنية المختصة في الموضوع. المسكاوي أكد أن اختيار بعض الملفات من قبل الوكيل العام لدى المجلس الأعلى واستثناء ملفات أخرى، ربما تكون ذات أهمية أكبر من حيث الفساد الذي طبعها، يتنافى مع «دولة المؤسسات والحق والقانون»، حيث تجد البلاد نفسها أمام متابعات قضائية لمتهمين في ملفات الفساد، بينما آخرون ينعمون بالحرية، على الرغم من ارتكابهم معا فسادا داخل مؤسسات عمومية في البلاد، وهو ما يتنافى، يضيف المسكاوي، مع الحق في المساواة. رئيس الحكومة عبدالإله بنكيران قال بعد تعيينه في هذا المنصب إن الحكومة الجديدة تعول على محاربة الفساد قصد ضخ الموارد المالية التي كانت تختلس في المؤسسات العمومية في ميزانية الدولة خلال المرحلة المقبلة، وهو ما سيوفر للحكومة الجديدة مردودا ماليا مهما قدره بنكيران أثناء التصريح الحكومي ب20 مليار درهم سنويا. ويعتبر المسكاوي في هذا السياق أن الجمعيات التي تدافع عن محاربة الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة والتقارير التي تنشر في الصحافة ستوفر 15 بالمائة من الموارد المالية للحكومة الجديدة، إذا تم تحريك المتابعات القضائية في حق المتورطين، وعبرت الحكومة الجديدة عن جدية في التعامل مع قضايا محاربة الفساد والاستبداد، وقامت باسترجاع الأموال المنهوبة. وعلى الرغم من الدور الذي أنيط بالمجلس الأعلى للحسابات منذ أكثر من عقد، في مراقبة المال العام وطرق صرفه، لازالت الميزانية المخصصة لهذا المجلس ضعيفة جدا، بالمقارنة مع الدور الذي أنيط بالمجالس الجهوية للحسابات، حيث منحها الدستور الجديد صلاحيات مهمة، من شأنها أن تساهم في محاربة الفساد والاستبداد الذي كان مطلب الشارع المغربي بعد هبوب رياح التغيير على البلاد.