ذات يوم، ترك سيد يمني يسمى تُبع بلاده في اتجاه الشرق. فمر من يثرب حيث كان يعيش اليهود القادمون من الشمال. فما كان منه إلا أن استبقى ابنه في المدينة، وتابع طريقه صوب سورية ثم العراق. في طريقه، علم أن ابنه قتل غدرا، فعاد على أعقابه، مصمما على تدمير مدينة يثرب، ونزع نخيلها وقتل رجالها وسبى نساءها وأطفالها. فلما وصل إلى سفح جبل أحد، توقف، وحفر بئرا ثم بعث رسولا إلى أشراف يثرب. فلما دخل الرسول المدينة، وأخبر أهلها برسالة تبع، اجتمع الأشراف للنظر في أمرهم. لكن أحيحة، سيد الأوس، قال: - الويل، ليس له نوايا طيبة، فلنحذره. ثم خرج الجميع للقاء تبع. فانعزل عنهم أحيحة، وحمل معه قينة وخباء وخمرا. كان لديه الوقت الكافي لينصب الخباء ثم ترك داخلها القينة والخمر، قبل أن يمثل أمام الملك. هذا الأخير دعاه للجلوس إلى جانبه على زربية من الصوف، فتحادثوا في ما بينهما في أمور مختلفة، ثم سأله تبع عن أملاكه، فجعل يخبره عنها، وجعل تبع كلما أخبره عن شيء منها يقول: - كل ذلك على هذه الزربية.. فأيقن أحيحة أن تبع يريد أن يقتله ويستولي على ثروته، فخرج من عنده ودخل خباءه ثم جلس يحتسي الخمر ويقرض الشعر وطلب من قينته أن تغني له، فامتثلت وصارت تغني إلى ساعة متقدمة من الليل، فلما نام آخر العسس من حولهم، قال للجارية: - إني ذاهب إلى أهلي فشدي عليك الخباء، فإذا جاء رسول الملك فقولي له: هو نائم؛ فإذا أبوا إلا أن يوقظوني فقولي: قد رجع إلى أهله وأرسلني إلى الملك برسالة. فإن ذهبوا بك إليه فقولي له: يقول لك أحيحة: «اغدر بقينة أو دع». ثم انطلق في اتجاه يثرب في جوف الليل، ولاذ بحصنه في الفيحان. بعد ذاك بوقت قصير باغت رجال تبع الأزد فقتلوهم، ثم توجهوا إلى خيمة أحيحة ليقتلوه بدوره، ولما نادوه باسمه، خرجت إليهم القينة قائلة: - هو راقد. فابتعدوا لحظة ثم عادوا ليتلقوا الجواب نفسه: - هو راقد. في المرة التالية، هددوها: - لتوقظنه أو لندخلن عليك عنوة. فقالت لهم الخادمة: -فإنه قد رجع إلى أهله، وأرسلني إلى الملك برسالة. فساروا بها إلى هذا الأخير الذي سألها عن أحيحة. فردت عليه: - هذه رسالة أحيحة إليك. يقول لك اغدر بقينة أو دع». فأرسل تبع كتيبة من جنده لتعقب أحيحة، فوجدوه قد تحصن داخل حصنه فحاصروه. فكان أحيحة يقاتلهم نهارا برميهم بالنبال والحجارة، لكنه في الليل كان يرميهم بالتمر. فلما مرت ثلاثة أيام عادوا إلى تبع، وقالوا له: لقد أرسلتنا إلى رجل يقاتلنا نهارا ويطعمنا ليلا. أنذاك، أمر الملك تبع برفع الحصار وإحراق نخيل أحيحة. ولما بدأوا في تنفيذ الأمر، هب أهل يثرب لمنعهم. وشبت الحرب بين أهل المدينة، أوسها وخزرجها ويهودها، وبين جند تبع الذي زاد إصرارا على إبادتهم وتدمير مدينتهم. فخرج حبران من أحبار اليهود لملاقاة تبع، فلما مثلا بين يديه قالا: -أيها الملك انصرف عن هذه البلدة فإنها محفوظة، وإنا نجد اسمها كثيراً في كتابنا، وأنها مهاجر نبي من بني إسماعيل اسمه أحمد، يخرج من هذا الحرم من نحو البيت الذي بمكة، تكون داره وقراره، ويتبعه أكثر أهلها. فأعجبه ماسمع منهما، فأمر رجاله بوقف المعركة، وكف عن الذي أراد بالمدينة وأهلها، وآمنهم. ولما قرر تبع العودة إلى اليمن، حمل معه الحبرين. وصادف في طريقه جماعة من بني هذيل، فقالوا له: - اجعل لنا جعلا وندلك على بيت مال فيه كنوز من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد والذهب والفضة ، ليست لأهله منعة ولا شرف. فوعدهم تبع أن يكافئهم إذا دلوه على المكان، وإذا كان يتوقر على كل تلك الكنوز التي تحدثوا عنها. فقالوا له: إنه البيت الذي تحجه العرب بمكة. فتوجه تبع في الحال إلى مكة. فأخذته ظلمة مفاجئة منعته من السير. فدعا الحبرين ليسألهما، فسألاه عن أسباب توجهه إلى مكة.