من بين أهم الأعمال الفلسفية التي خلفها لنا ماكس ويبر كتابه الشهير «العالِمُ والسياسي». وماكس ويبر هذا واحد من بين أكبر الحداثيين الليبيراليين الألمانيين الذين صاغوا نقدا رصينا للحداثة في القرنين التاسع عشر والقرن العشرين... وسيظل كتابه هذا مرجعا لا يُستغنى عنه للدارسين في مجال الحداثة، منظورا إليها من زاويتها السوسيولوجية. وإذا كان ماكس فيبر بَحًاثَةً مشهودا له بالفضل في مجال السوسيولوجيا، تأسيسا وإسهاما، وهو ما اشتهر به، فإن التاريخ يحتفظ له بما لم يشتهر به وهو مشاركته في العمل السياسي ممارسة وتنظيرا. صحيح أن الطلاب والدارسين لا يُعنون كثيرا بهذا الجانب من أنشطة ماكس فيبر، غير أنه لا يمكن للمفكر ألا يلتفت إلى إسهامه القَيِم في المناقشات التي صاحبت تأسيس دستور «جمهورية فيمار». وهو واحد من بين الذين أسهموا في صياغته. وللعلم فإن التكوين الأصلي لفيبر ليس السوسيولوجيا بل القانون. ( لم يعرف أي بلد عربي، ولا مغاربي، المسار الذي عرفته تلك المناقشات ولا المنحنيات صعودا ونزولا الذي طبع الجدالات الفكرية والفلسفية والقانونية باستثناء بلد المدرسة الصادقية ، تونس التي أطلقت شرارة ما بات يصطلح عليه بثورة الربيع الديمقراطي). انكب ويبر في كتابه « العالم والسياسي»، على دراسة نزعة ومهنة العالِم، فدرسها من الناحية الإبستيمولوجية أو قل من زاوية إبستيمولوجيا العلم، وعلاقة ذلك بمَلَكَة الحُكم الأخلاقي، وصلة هذا وذاك بمنظومة القِيَم، القيم الأخلاقية تحديدا . فقد لاحظ ويبر أن نمو الرأسمالية الألمانية يتمطط ليشمل المجال العلمي إلى درجة أن صاحب النزعة العلمية يجد نفسه مقطوع الصلة مع وسائل إنتاجه وهو ما يُسْقِطُهُ في نوع من الفقر والخصاص العلميين. ذلك أن العالم يستوحي نظرياته بالاعتماد على جنس خاص أحسن من ذلك العمل الفني الناجح. إذ الأمر يتعلق بوجهات نظر، وبأذواق، أذواق فنية متنافية تحكمها تكوينات ثقافية قد تكون متقاربة مثلما تكون متباعدة. إنه لا يمكن المفاضلة بين الأعمال الفنية الراقية ، تلك التي تخلب العقول وتخلخل الأذواق. لا يمكننا أن نقول مثلا إن أعمال تولستووي أفضل من أعمال دوستوويفسكي أو إن أعمال رامبو أحسن من أعمال بودلير، ولا أعمال المتنبي أحسن من أعمال أبي تمام أو إن أدونيس أشعر من نزار قباني . لكن في المقابل نجد قيمة عمل العالِم إنما تكمن في الأسئلة التي تثيرها على اعتبار أن كل عمل علمي هو مرشح لأن يتجاوزه عمل علمي يليه، فهو أرقى منه من زاوية كونه يقدم العلم ويدفع به إلى الأمام دائما. لقد تجاوز غاليلي كوبرنيك مثلما تجاوز نيوتن غاليلي و نيوتن تجاوز هذا الأخير...فمهما يطل الزمن بنظرية علمية ما، لا مندوحة من أن تأتي نظرية علمية جديدة تزحزحها من القمة التي احتلتها لفترة ما، أو لحقبة ما أو للحظة ما من التاريخ الممتد للعلم. وعلى هذا النحو فإنه لا يمكن المقارنة بين العلم والفن. فكل بحث يُوَلِد علامات استفهام جديدة تنتج عنها أبحاث جديدة. على هذا النحو يتقدم العلم وبهذه الصورة تتجاوز هذه النظرية تلك النظرية الأخرى...بل يمكن القول إن النظرية في العلم إنما هي نظرية في العلم بسبب من كونها تطلب دائما تجاوزها. والأمر يبدو كما لو كان لعبة لممارسة حِذْقِ التجاوز الأبدي. هكذا يَخْلُدُ العلم بالتجاوز الذي تأتي الفلسفة لتغذي روحه، وذلك بمساءلة مسلماته التي تدفع بها إلى أقصى حد ممكن... أما في ما يرجع لذي النزعة السياسية، فإن ماكس فيبر يميز بين أسلوبين لممارسة السياسة : أسلوب رجال محترفين للسياسة يتعيشون منها، وأسلوب رجال سياسة مناسباتيون لا يرتبطون بها لا معيشيا ولا ماديا ولا حتى معنويا. أسلوبان لممارسة السياسة، أسلوب الذي يرتزق منها مثلما يرتزق من مهنته كل ذي مهنة، إنها بالنسبة لهم حرفة ككل الحرف، عليها يقوم مصدر رزقهم، وبها يتوسلون لقضاء أغراضهم وتحقيق حاجاتهم في كل متطلباتها، ثم أسلوب الذي يعيش من أجل السياسة ، يجعل منها هدفا لحياته، وغاية لوجوده. وهكذا نستنتج أن ماكس فيبر يضع للتمييز بين الأسلوبين معايير مالية. وهو يرى بهذا الخصوص أنه يتعين على رجل السياسة أن يكون مستقلا اقتصاديا عن العائدات التي يدرها عليه نشاطه السياسي. وغير ذلك يقود ليس إلى الديمقراطية بل يقود إلى « البْلوتُوكْرَاطيًة « أي إلى التسلطية، تسلط الأثرياء على السياسة أو قل بلغتنا اليوم خدمة السياسة للمال، والحرص كل الحرص على الغيرة على مصالح ذوي الشأن والجبروت الاقتصادي.