كشفت الانتخابات الجزئية، التي جرت مؤخراً بالمغرب أن نسبة العزوف تتطور، وهي الظاهرة التي اتسمت بها الانتخابات التشريعية، التي جرت في السابع من أكتوبر 2017، مما يلقي على الدولة والحكومة وكل الفاعلين السياسيين، مسؤولية إعادة النظر في المنظومة الانتخابية برمتها. حوالي عشرة ملايين مواطن مغربي، في سن التصويت، غير مسجلين في اللوائح الانتخابية، وأكثر من نصف المسجلين قاطع الانتخابات التشريعية الأخيرة، وتضاعفت هذه المقاطعة أكثر في الانتخابات الجزئية، لتؤكد أن هذا المنحى يسير نحو الانحدار، لو استمرت الأوضاع السياسية، كما هي عليه اليوم. ليست هناك وصفة جاهزة لتجاوز الوضع الحالي، لكن ما يمكن ملاحظته هو أن هناك عدة مؤشرات سلبية، تطغى على الساحة، ويمكن أن تتمحور حولها الحلول الممكنة، من أهمها الخلطة السياسية التي يعيش في ظلها المشهد العام، والتي تجعل الناس حائرين في اختيار توجهاتهم، حيث تراجعت إلى الخلف التقاطبات الطبيعية، التي تميز عادة الخريطة السياسية، بالإضافة أيضاً إلى ضعف النقاش حول الأوضاع العامة، في ظل شبه جمود للتفكير في بدائل حقيقية للنموذج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي السائد، وهناك كذلك ما يعرفه الواقع المغربي من نفور في المشاركة، بسبب النظرة السلبية لما يطلق عليه بالنخبة السياسية. العرض السياسي السائد، المقدم حالياً، لا يستجيب لمتطلبات تطور الوعي الديمقراطي، إذ يتراوح بين التيارات الذي جعلت من الجمعيات الإحسانية والدعوية، بشبكاتها الزبونية، خلفيتها الرئيسية، وبين التيارات التي تعيد إنتاج نفس النموذج الزبوني، بشبكات أخرى نفعية ومصلحية، بينما التيارات الأخرى، التي لا تلجأ إلى هذه الأساليب، مهمشة، مع بعض الاستثناءات القليلة التي نجحت في تجاوز هذه الصورة. مسلك العزوف يخدم بشكل واضح مخطط الشبكات الزبونية، ولا يمكن تجاوزه إلا بتقديم عروض سياسية مقنعة، تعوزها اليوم عدة أدوات، على مستوى الشكل والمضمون، فهي لا تتوفر على الدعم الكافي الإعلامي والتواصلي، ولا على القدرات والإمكانات التعبوية، ولا على الوضوح الضروري في البدائل الكفيلة بتقديم الحلول الجذرية والناجعة للأوضاع الحالية. من الضروري أن يخضع الوضع السياسي الحالي للنقاش الجدي والعميق، ليشمل تقييما للمنظومة الانتخابية والممارسة الحزبية، في علاقتها مع القوانين والدستور، خاصة ما يتعلق بإشكالية الدعوي والسياسي، وآليات المراقبة للغش والرشوة الانتخابية، وتمويل الأحزاب، ودور وسائل الإعلام العمومية، وغيرها من الوسائل والأدوات التي قد تساعد على الدفع بالعملية الديمقراطية.