مجلس حقوق الإنسان بجنيف يعتمد قرارا قدمه المغرب بشأن تمكين النساء في المجال الدبلوماسي    مهندسة مغربية تفضح مسؤولاً بارزاً في مايكروسوفت خلال احتفال رسمي: تدعمون إبادة غزة    الأسرة الكروية المغربية تودّع محسن بوهلال بكثير من الحزن والأسى    رسميا .. باريس سان جيرمان يتوج بالدوري الفرنسي    "الماط" يقصي الوداد من كأس العرش    دورو يطفئ حلم الليغا في اللحظات الأخيرة    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    ندوة صحافية لتقديم النسخة الثامنة من ماراطون الرباط الدولي    رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي تقيل نائب الرئيس الإيراني    فيديو على مواقع التواصل يطيح بلصّين في سلا    إقليم شفشاون.. أربعيني يُنهي حياته في ظروف غامضة    العثور على جثة اربعيني تطفو فوق مياه بحيرة مارتشيكا بالناظور    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    مركز يدعم التمدرس في وضع إعاقة    فيديو يوثق استهداف إسرائيل لمسعفين    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    دعوات للمشاركة المكثفة في مسيرة "الرباط الوطنية" للتنديد بالمحرقة المرتكبة في غزة    "لارام" والموريتانية للطيران تبرمان شراكة استراتيجية لتحسين تجربة السفر    ترامب لا يمنح الهدايا.. لماذا لا يمكن للمغرب أن يعوّل على حرب تجارية غير متكافئة؟    سفير جمهورية السلفادور: المملكة المغربية تعد "أفضل" بوابة للولوج إلى إفريقيا    عرض مناخ الأعمال وفرص الاستثمار في المغرب خلال ملتقى بباريس    المنتخب الوطني للسيدات لأقل من 17 سنة يتعادل مع نظيره الكيني    خبراء "نخرجو ليها ديريكت" يناقشون موضوع انتشار الوسطاء والشناقة داخل الأسواق    ماذا بعد استقبال مجلس الشيوخ الفرنسي لحكومة جمهورية القبائل؟    الركاني: من يدعم فلسطين توجه له تهم جاهزة وعواقب وخيمة ستلاحق كل من تواطئ لجعل غزة مسرحا للجريمة    حصيلة الزلزال في بورما تتجاوز 3300 قتيل    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    بيل غيتس: 3 مهن ستصمد في وجه الذكاء الاصطناعي    المغرب يعزز جاهزيته الأمنية لتنظيم كأس العالم 2030 وكأس إفريقيا 2025    إسبانيا.. العلاقات مع المغرب من بين "الأقوى عالميا" ولا تقارن إلا بالعلاقات الأمريكية البريطانية    عاملة نظافة ضحية "استغلال بشع" بأجر 250 درهم شهريا    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    مغاربة يطالبون بإلغاء الساعة الإضافية (فيديو)    مولر يعلن الرحيل عن بايرن ميونيخ    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    فشل محاولة ''حريك'' 3 لاعبين من المنتخب الأوغندي للفتيان خلال إقامتهم بكأس إفريقيا بالجديدة    مشاركة مغربية بصالون الفرانكفونية    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    شراكة ترتقي بتعليم سجناء المحمدية    المغرب فرنسا.. 3    أمين الراضي يقدم عرضه الكوميدي بالدار البيضاء    النيابة العامة تقرر متابعة صاحب أغنية "نضرب الطاسة"    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لفهم ما يجري

لماذا ظلَّت حالات الاحتجاج محصورة في دوائر شعبية صغيرة، وحِراكات العاصمة والأطراف مجرد تظاهرات تتضخم تارةً وتنكمش تارةً، تطول أحياناً وتقصر أحياناً، والرهانات على إلحاق الأردن بتونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا قد أصابها الإخفاق (حتى الآن على الأقلّ)؟
إنّ طبيعة التركيبة البشرية/ الاجتماعية في (دولنا؟) العربية لم تخرج، تماماً، عن مكوناتها القَبَلية، وتجمعاتها العشائرية، وفئاتها الإثنية، وأقلياتها الدينية مما يضع «الدولة» تحت المساءلة والاختبار على مستوى فحوى الدولة كمفهوم مَدَنيّ
{ الأستاذ إلياس فركوح، أنت تنتمي إلى منطقة تعرف زلازل كثيرة: الشرق الأوسط. إلى أين يتجه التاريخ العربي اليوم، بعد تعقد القضايا وفشل العديد من الحلول؟
ليس من اليسير عليَّ، وربما على سواي بالعموم، ضَبْط مسار هذه الانعطافة في تاريخ بلداننا العربية واتجاهها المستقبلي، أو أين سيقف عقرب البوصلة تحديداً. فما شهدناه خلال السنتين الماضيتين، ومازلنا نشهد تداعياته حتى تدوين هذه السطور، لا يُنبئ بنهاية أو خاتمة تتسم بالوضوح الكافي، أو تشير إلى أفق مفتوح على احتمالات تتضمن جديداً أفضل لمستقبلٍ خالٍ من «الفساد العام» الذي سبقَ أحداث السنتين الماضيتين. وإني هنا أفكّر مستخدماً مفردة «الفساد العام» باعتبارها تدل على «مفهوم» concept يعتور الحياة العربية من حيث الجوهر (حُكّاماً ومحكومين، رأس الهَرَم وقاعدته وما بينهما)؛ أي أفكّر بهذا الفساد المستشري الضارب في العمق والتغيُّر الظاهري، الشكلي، الذي من الممكن أن يطال جانباً من تجليات الفساد ومسوحاته، لكنه يبقى هو نفسه، إنما بعناوين وأسماء وشعارات جديدة شكلاً قديمة ومحافظة مضموناً، تحذق وتحترف الدَّجَل ذاته والتلاعب بمصائرنا لغير مصالحنا الحقيقية.
فأنتَ حين تشير إلى «فشل العديد من الحلول»- وأنا أوافقك، فإنّ هذا إنما يؤكد على أنّ تغيراً حقيقياً وجذرياً لم يُصِب البِنى الرئيسة التي تتحكم ب»القرار» وتُصدره، بما يعنى أنّ تغيراً حقيقياً وجذرياً لم يُصِب كيفية «التفكير والتدبير» وآليات تنفيذه بالتالي. فالتغيير، كما أفهمه، يستلزم إعادة نظر بالمؤسسات التي تتولاه على الأرض، بِنىً وأشخاصاً وكفاءات وبيروقراطيات. كما لن أكون مبالغاً في تشاؤمي إذا واصلتُ، خارجاً باستنتاجي على ما سبق، قائلاً بأنّ «السياسات» ستبقى متأرجحة دون الوصول إلى استقرارٍ تنتظمه رؤية استراتيجية «تعرف» ما تريد، و»تعي» طرائق تحقيق ما تريد، وتملك إرادة فعل ما تريد- إذ تخامرني الريبة والشكوك في أنّ الجميع (الوجوه الجديدة والأخرى القديمة المتجددة) لم تبرح دائرة «التجريب» واستلاف «مشاريعها» من بريق نجاحات بلدان أخرى ليست متطابقة معنا في شروطها الخاصّة (هذا إذا ما توافرت النوايا!) وإننا هنا بصدد حالة في غاية الخطورة، وأعني بها حالة «الارتجال» في كلّ شيء: السياسة، والاقتصاد، والتعليم بكافة تدرجاته، والاجتماع على مستوى الممارسة في جميع الحقول، والتخطيط/ اللاتخطيط بما يساوي العشوائية وزرع الفوضى داخل مناهج ومؤسسات لا تحتمل أقلّ درجة من درجات الفوضى. فهل نحن مُقبلون على الأسوأ بداعي التغيير نحو الإصلاح والأفضل؟
أخشى ذلك. وخِشيتي هذه تتضاعف عندما أقرن فوضى وارتجال الداخل بسطوته مضفورة بسطوة القوى الخارجية، الإقليمية والدولية، التي لم نستطع، رغم «استقلالاتنا» النسبية، أن نحول دون تمكينها مِنّا، وبدرجة عالية، في كثير من المسائل والقضايا، بحيث باتَ انفكاكنا عنها بصفتنا «المجال الحيوي والبَطْن الرخوة» لمصالحها أمراً تلزمه مجموعة ثورات وثورات تطال مُجمل بنياننا الكُليّ.
{ الأردن، بلدك، جزء من واقع عربي، وعالمي إن شئنا توسيع الدائرة. هل بلدك الأردن اليوم، بعد أحداث الربيع العربي في العديد من الدول، بمنأى عن الزلزال؟
تستند مَناعة أيّ نظام، في أيّ بَلَد، إلى مدى ما يتوافر على قدر من التوازن يعمل على ضبط الحركة المجتمعيّة داخله بما لا ينحرف به نحو التفكك أو الانفجار. هذه مسألة. والأردن، بجغرافيته السياسيّة الواقعة بين حريقين هائلين مستعرين (العراق وسوريا) - إضافةً إلى محاذاته لفلسطين المحتلة وجزئها منقوص الاستقلال، وطبيعة تكوينه التاريخي الحديث المشروط بخرائط سايكس بيكو بكلّ ما تعنيه من ملاحق والتزامات، وشحّ موارده الطبيعية (بما فيها المياه) التي تضطره لأن يتدبَّر مشكلاته يوماً بيوم معتمداً على معونات غيره من الدول وسياساتها في المنطقة؛ أقول: إنّ هذا الأردن يتسم بخاصيّة أجيز لنفسي وصفها ب»الفريدة»، كونها تبدو مخالفة لمنطق الأمور الجارية من حولها. فالمنطق يقول بحتميّة التأثر بما يحدث في الجوار، مثلما يشير إلى تلازم الانفجار مع الاحتقان كنتيجة لا رادّ لها؛ غير أنّ شيئاً من هذا لم يقع! الاحتقان ينمو، غير أنّ الانفجار يبدو صعباً للغاية.
{ لماذا؟
لماذا ظلَّت حالات الاحتجاج محصورة في دوائر شعبية صغيرة، وحِراكات العاصمة والأطراف مجرد تظاهرات تتضخم تارةً وتنكمش تارةً، تطول أحياناً وتقصر أحياناً، والرهانات على إلحاق الأردن بتونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا قد أصابها الإخفاق (حتى الآن على الأقلّ)؟
هذا سؤالٌ سياسيٌّ في المقام الأوّل، ولستُ من «الضالعين» في أمور السياسة ولا أريد تكرار التجربة فيها. لكنني أبني اجتهادي وفق رؤيتي حاصراً إيّاها في الحالة الاجتماعية بتركيبتها الثنائية (أردنية فلسطينية)، رائياً إلى أنّ درس أيلول 1970 قد تم استيعابه جيداً (وإنه أسود بالفعل)، وأنه حاضرٌ في الذاكرة الجمعية لا يزال، ولن يُقْدِم أحَدٌ عاقل على إعادة ما حدث آنذاك، فالأثمان باهظة ليس بمقدور أيّ طرف تحمّلها. هذا أوّلاً وأساساً. كما أنّ متوالية مجريات «الربيع العربي» ومآلاتها في بلدانها شكّلت درساً إضافياً لجميع القوى في الأردن، الرسمية والشعبية، النافذة والهامشية، استطاعَ الوعي الجمعي الاستفادة منه - إذ باتت «الحسابات» أكثر تدقيقاً، والخطوات أشدّ حَذَراً، والتقديرات أعمق في التحسُّب مبتعدةً عن المغالاة والشَّطْح.
إنّ مَن يعرف طبيعة الأردن وخضوعه لشروط تكوينه الجَبْريّة في كلّ مكوناته، السياسية والاقتصادية والمجتمعية، لن يُفاجأ إنْ لم يلتحق بدول «الزلزال».. أو تأخرَ عن هذا الالتحاق أكثر مما كان ينتظر بعضُ المراقبين! فهل فاته القطار حقاً؟
لا أملكُ جواباً قاطعاً.غير أنّ مسألة «التوازن»، التي بدأتُ بها في محاولة إجابتي عن سؤالكَ، تعود لتطرح نفسها اقتراحاً وارداً. ناهيك عن أن الافتقار إلى أيّ إجابة شافية عن سؤال «البديل» يُبقي الأشياء كلّها معلَّقَة.
{ بعد مرور أكثر من سنتين على ما عُرف ب»الربيع العربي»، كيف تقيِّم هذه التجربة؟
إنها تجربة فعلاً. وإنها، كما تبدو لي، لا تزال تراوح في «مخاضها»، وإنه لمخاضٌ عسيرٌ وطويلٌ شابَهُ الكثير من الدم- لا بل أكثر مما تتحمله نواتج التجربة. وهذا الدم تحديداً يثير فيَّ المخاوف الكبرى، نظراً لأنّ طبيعة التركيبة البشرية/ الاجتماعية في (دولنا؟) العربية لم تخرج، تماماً، عن مكوناتها القَبَلية، وتجمعاتها العشائرية، وفئاتها الإثنية، وأقلياتها الدينية، مما يضع «الدولة» تحت المساءلة والاختبار على مستوى فحوى الدولة كمفهوم مَدَنيّ. وربما يكون خير مِثال على ما أقول: ليبيا، واليمن، وسوريا الآن. إلى ماذا آلَت «التجربة» الليبية بعد الإطاحة بالقذافي؟ الجواب: تعرية حقيقة انتفاء الدولة والمواطن وشَبَحيتهما من قَبْل، إضافةً إلى قَبْر المجتمع كأنما لا وجود له، ثم انفجار بركان القبائلية من بَعْد بنَفَسها الثأريّ، الاستحواذي الضيق، وتعطيل تأسيس الدولة بمفهومها الحديث والعصري بالسيطرة على مؤسساتها المتولدة الهجينة، وإرهابها بالسلاح،والتحكم «المَزاجي» بها! وإنها مناسبة أهتبلها لأقول بأني حدستُ بالآتي المرعب عندما شاهدتُ (كغيري عبر العالم) الكيفية التي قُتل بها طاغيةٌ كالقذافي، والتمثيل المخزي بجثته الهامدة (ولأيام!!) من خلال استعراضاتِ بطولة لا بطولة حقيقية فيها! فإذا بدَأتْ أُولى قطوف «الثورة الربيعية» على هذا النحو؛ فكيف ستكون متوالياتها؟ الإجابة لديك، كما أعتقد.
ثم اليمن؛ ودون إسقاط بهجة الوقوع على مفاجأة حيوية الناس فيه، شباباً ثائراً في الميادين بلا تعب ولا كلل، والكشف عن درجة التطور الهائل لدى المرأة اليمنية خلال شهور وشهور، منخرطة وفاعلة بوعي جَليٍّ بَيِّن داخل خيام الشوارع ومساحاتها؛ إلّا أنّ حصاد سؤال مآلات الدم ومئات الضحايا لا يكفي لِخَبْزِ نصف رغيف! الإرادة في التغيير كانت أكثر من صارخة، لكنَّ التغيير نفسه تعرضَ لاحتيالات قُطّاع الطُّرُق، ولعلّ الحَمْل قد أُجهض.. ولو إلى حين! فهل كان تكريم الناشطة توكل كرمان، بمنحها جائزة نوبل للسلام، مجرد جائزة ترضية رمزية من العالم المتواطئ قدّمها لمنتفضي اليمن!
أما سوريا؛ فسؤالٌ يتسم بالتركيب والتعقيد والإطالة والاسترسال، ما يُخرج مجريات أحداثها و»لاعبيها الكِبار» من دائرة الربيع السوري المحض، قاذفاً بهم، جميعاً، إلى صُلب التدويل الخفي/ المكشوف؛ وهذا بدوره أطاحَ بالإرادات السورية المختلفة المستقلة، راهناً إيّاها وواضعاً لها في أيدي توازنات وصراعات قوى الإقليم والعالم الكبرى، وحساباتها الخاصّة، وتسوياتها على موائد مفاوضاتها هي أوّلاً وأخيراً.ناهيك عمّا قامَ سؤالُها بتفجيره في ما يتعلّق بإظهار الاختلافات المذهبية على أسوأ وأبشع الصُّوَر، دافعةً بأطراف التطرف الأعمى، وعلى كل الجهات والجبهات، ليصبحوا الأبطال/ الكومبارس.. أو العكس! أما ثنائية الدكتاتور الباطش ومناداة الشعب بالديمقراطية، التي كانت أساس المسألة؛ فلقد تم التلاعب بها لتصل إلى حالة «اشتباكات» القوى الإقليمية والدولية فوق سوريا، وعلى حساب دماء أبنائها، وتفكيك بلدهم!
{ يبدو أن التيارات الإسلامية، أو ما يُعرف بالإسلام السياسي، وفي أحيان كثيرة تنظيم القاعدة، تريد اختطاف الثورات العربية وتوظيفها لصالحها من أجل الحكم، كيف تنظر إلى هذه الوقائع؟
جاءت «الانتفاضات» الشعبية، المدنية حصراً، ضمن ما بات يُعرف ب»الربيع العربي»، نتيجةً طبيعية، وربما متأخرة نسبياً، لمجمل الإحباطات المتراكمة التي أصابت المجتمعات العربية، وعلى كافة الصُّعُد. جاءت مفاجِئة أصابت أهلَها والعالم، في اندفاعها ونجاحها الأوليّ في الشوارع والميادين، بالذهول. الذهول الناتج عن أنها كانت خارج التوقعات - رغم ذهنية المؤامرة التي سارعت بالتشكيك في دوافعها والدافعين إليها والمخططين لها. إنها «الخروج الكبير» على حالة الاستكانة الممتدة طوال عقود من الإذلال، والإفقار، والتجويع، والحرمان من الحرية. ولأنّ ما سبقَ تلك الانتفاضات، على صعيد الحياة اليومية، قد اتسمَ بتصحير الحالة السياسية واستئصال مؤسساتها الشعبية، الحزبية والنقابية وسواها من ركائز المعارضة الفاعلة؛ كانَ للتيارات «الإسلامية» أو ما يُعرف ب»الإسلام السياسي» أن نشطَ للتو من أجل قطف الثمرة التي تتهاوى. كان الأكثر تأهيلاً، لأنه الأكثر تنظيماً طوال عقودٍ أُصيبت خلالها الأحزاب والقوى المدنية، بسببٍ من آليات القمع المتنوعة، بالتفكك، أو بالانحراف، أو بالزوال عملياً. حدث هذا كلّه بينما كان الهامش المتروك «للإسلام السياسي» يتسع وينمو باضطراد مع توالي «فشل» المشاريع الكبرى وإخفاق طروحاتها على أرض الواقع: القومية العربية، الوحدة بين مصر وسوريا، الاشتراكية، اليسار بكلّ ألوان طيفه، تحرير فلسطين، المقاومة الفلسطينية وما آلت إليه في الزاوية المحشورة فيها، إلخ.
كما ينبغي ألّا يَخفى علينا تسلُّح «ذاك الإسلام» بمجموعة تجاربه «الجهادية» في أفغانستان، تلك التي أتاحت له تجميعاً كبيراً من الملتحقين به والمؤيدين والمناصرين له، وخاصةً حين اندحرت القوات السوفياتية من هناك وكان له نصيبه في هذا، ثم تحول ذلك «الشيطان الأكبر» ليصبح هو الولايات المتحدة (الداعمة له بالأمس القريب، وسيئة الصيت عربياً وإسلامياً في الأساس). وهكذا بدا هذا «الإسلام»، بسبب ذلك كلّه، وللتماسك النسبي الذي يتحلّى به، هو المؤهل لأن يقطف/ يخطف الانتفاضات الشعبية ذات الرؤى والأهداف البعيدة تماماً عن رؤاه وأهدافه، ويُجيّرها لمشروعه هو.
كان الوصول إلى السلطة والحُكْم غاية تلك «التيارات الإسلامية» من أجل تنفيذ رؤيتها الداعية إلى «حُكْمٍ رشيد»، دون أن يدرك أحَد «ماهية» ذاك الرَّشاد، والسُّبُل الكفيلة بتطبيقه على أرض مجتمعات تدين بالإسلام الوَسَطي وجدانياً، لكنها، في الوقت نفسه، جرَّبَتْ عدة جوانب ذات صلة بمدنيّةٍ/ علمانيةٍ اجتماعيةٍ ما واستراحت لها، والحديث هنا يتعلق بتونس تحديداً.
إذن؛ نحن حيال ما أجازف بتسميته «مشروعين» متقابلين يتصارعان فوق أرض واحدة: حُكْمٌ إسلاميّ ملتبس وغامض في كلّ نواحيه ودعاويه، وتوقٌ شعبيّ هائل نحو سلطة تعتمد الديمقراطيّة وإتاحة الحريات الفردية والجماعية في إطار القانون، إضافةً إلى السعي لتوفير فُرَص العمل واجتثاث الفساد ومؤسساته العتيدة.
{ هل انتهى الصراع؟
أراه على طريق جولات وجولات، مؤْثِراً هذا التوصيف: «للربيع العربي فصولٌ أُخرى»
{ هل الديموقراطية في خطر مع حكم الإسلاميين: في مصر، تونس،ليبيا، المغرب، وربما سوريا بعد انتهاء الحرب؟
لم يكن للديمقراطية الحَقَّة وجوداً حقيقياً فاعلاً في أيٍّ من تلك البلدان. دعنا نبدأ متفقين بخصوص هذه المسألة. لم تكن شعوب تلك البلدان، وسواها من البلدان العربية، تعيش حالةً ديمقراطية عميقة تنعم بمفاعيلها في الحياة السياسية، وتتلمس آثارها في بناء الإنسان/ الفرد والإنسان/ الجماعة. غير أنّ «وعود» انتفاضات الربيع العربي و»آمالها» في التأسيس لديمقراطية حقيقية كان أن ضُربَت في مهدها، عندما قامت شتّى «التيارات الإسلامية السياسية»، بأحزابها بأسمائها ثنائية المقاطع (اقتداءً بالحزب النموذج الحاكم في تركيا)، بتخاطفها، وإفراغها من مضمونها العميق المستند إلى فتح الطريق أمام مبدأ تداول السلطة، والتوافق على دستور يأخذ بالاعتبار حقوق الجميع - وخاصةً حقوق الأقلية بكافة معانيها - حاصرةً «مفهوم» الديمقراطية بنتائج «الصندوق»: صندوق الانتخابات التي جاءت بهم في غفلة من الزمن والناس، بحسب ما أشرتُ في إجابتي السابقة. هذا الصندوق الذي بَدَلاً من أن يكون مرحلةً ورمزاً من رموز حياة سياسية ديمقراطية سليمة، بات، وفقاً لشهور حكمهم القصير (المقصود هنا مصر)، مجرد صندوق/ تابوت للديمقراطية كما ينبغي أن تُمارَس!
الديمقراطية في خطر فعلي، كمفهوم؛ إذ جرى تشويه مضمونه استناداً إلى «فكر/ لافكر» تلك الجماعات التي لا تعترف أصلاً بالمبدأ، مصطلحاً وفحوى وممارسات على الأرض مع المغايرين، بحجة أنه ليس وارداً في الدين المتوارَث و»الإمبراطورية السالفة»، بقدر ما هو هرطقة غربية أجنبية! علمانية كافرة مستوردة! بالمقابل من مشروعهم الغامض الملتبس الذي يطلقون عليه اسم «المشروع الإسلامي». والحقيقة أنني، وسواي من طارحي الأسئلة، أتساءل عن هذا المشروع، عن مضامينه في ما يتعلق باقتصاد السوق، وحقوق العمّال، والتشريع القانوني للعلاقات العادلة بين الطبقات داخل المجتمع، وحرية وجود مؤسسات تخالف التفكير السائد/ المتسيّد وتشريعاته، وطبيعة العلاقات مع دول العالم غير الإسلامي، وموقفهم العملي الحقيقي من صراعنا المصيري مع العدو الصهيوني، وكيفية التعامل مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والقروض/ الديون بفوائدها المعروفة (أهي رِبا أم ماذا؟) أتساءل عن فهمهم الحقيقي، الباطني، لمؤسسة البرلمان بالمقابل من فهمهم لشعار «الشورى». أتساءل عن نظرتهم للدولة والوطن كمفهومين حديثين لهما أُسسهما، وهل تتفق مع تصورهم المسبق لوضعها ضمن «خلافة إسلامية» متعدية للحدود وجامعة لأجناس بشرية مختلفة، إلخ.
من جهتي؛ أرى مجتهداً أنّ ما يحدث في مصر الآن، وما سوف يحدث، سيشكّل البوصلة ولوحة بيان التدرُّج إنْ سيصعد السهم لصالح تصويب «خطيئة» وصول هؤلاء لسدة الحكم، أم عكس ذلك. لكنني أراهن على أنّ فشلهم الأكيد في تحقيق أيّ من مطالب الشعوب التي رفعتها في «انتفاضاتها»، لا بل معاكستها، سيؤدي إلى تراجعٍ كبير وسريع لوجودهم السياسي كونهم «خلاص الأُمة!»، وما عاشوه خلال السنتين الأخيرتين من «ازدهار وزهو» لن يدوم، في الذاكرة، إلّا بوصفه الفقر الكامل لشعارٍ مفرغ من أي مدلول له علاقة بالحياة. إنهم يعانون الأزمة ويعتركون مع مأزقهم الآن، إثر 30 حزيران/ يونيو في مصر، وها هم يتداولون الأمر في تركيا/ الراعية العثمانية الجديدة، علّهم يتداركونه!
{ ما هو جديد الأستاذ إلياس فركوح على مستوى التأليف والبحث، وهل الواقع العربي اليوم ألهمك في شيء؟
ليس لديّ الآن ما أكتبه على صعيد النصّ الأدبي الخالص، رواية أو قصصاً، غير أني منشغلٌ، عبر الكتابة المتفكّرة، بمراجعة مجموعة رسائل قديمة لصديقي ورفيق دربي الراحل مؤنس الرزاز، مدفوعاً بمجريات هذا الواقع العربي القلق. هذا الواقع الذي اضطرني لإعادة نظر بطروحات تلك الرسائل، وحوار ذاتي ومَسْح وحَفْر لجملة مفاهيم كنا، معاً، في زمن فات، قد خضنا سِجالات بصددها تضمنتها رسائلنا لبعضنا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.