لكل امة حضارتها، و هي مجموع ما تختزله ذاكرتها من قيم مادية و فكرية وثقافية، و ما يسجل بها من محطات و مواقف مشهودة، هي من صنع شعوبها و أمجادها عبر مسلسل حلقات من التضحية و العطاء و من التشييد و البناء. و المغرب، بصرف النظر عن وضعيته الراهنة من حيث الرتبة الممنوحة له دوليا، يأتي ضمن البلدان القليلة التي تمتلك ذاكرة زاخرة بالمواقف و الأمجاد، خاصة تلك التي تستحضر مراحل تعرضت فيها البلاد للغزو الأجنبي و للسيطرة الإستعمارية. المسار التنظيمي لأحداث 16 و 17 غشت 1953 لكل امة حضارتها، و هي مجموع ما تختزله ذاكرتها من قيم مادية و فكرية وثقافية، و ما يسجل بها من محطات و مواقف مشهودة، هي من صنع شعوبها و أمجادها عبر مسلسل حلقات من التضحية و العطاء و من التشييد و البناء. و المغرب، بصرف النظر عن وضعيته الراهنة من حيث الرتبة الممنوحة له دوليا، يأتي ضمن البلدان القليلة التي تمتلك ذاكرة زاخرة بالمواقف و الأمجاد، خاصة تلك التي تستحضر مراحل تعرضت فيها البلاد للغزو الأجنبي و للسيطرة الإستعمارية. و في هذا المجال تجدر الإشارة إلى أن عددا من المؤلفات –كتب و مقالات- صدرت لنبش هذه الذاكرة سواء على المستوى الوطني أو الجهوي، و بما أن هذا الأخير –أي المستوى الجهوي- هو الذي يعنينا في هذه المحاولة فسيتم التركز على أحداث 16 و 17 غشت 1953 في الجهة الشرقية للمملكة المغربية و بالتحديد وجدة و بركان. و لأن ما حدث في هذين اليومين مندرج في النسق العام لما جرى في المملكة المغربية من أحداث، فإن الكتابة عنه مشوبة بنفس ما شاب غيرها من الكتابات، و تبعا لذلك فإن الحديث عنه كالحديث عن المقاومة المغربية، يشكل موضوعا تضاربت بشأنه مناهج البحوث، و تباينت بصدده الآراء و الأحكام.و اختلفت في تضمين حمولته التعاريف و المصطلحات، كما تعددت بخصوصه أنواع المسارات، مما أفضى غالبا إلى غياب حقائق و ضياع معلومات و إقحام أو إقصاء وقائع أو فاعلين، ضمن محاولات لم تعد أن تكون كتابات لسير ذاتية أكثر منها مؤلفات حول تاريخ المقاومة في إطار المؤسسات ( الحركات أو المنظمات ). ولعل هذا المنحى رغم ما فيه من إيجابيات، هو الذي أدى إلى إنزلاقات –عن قصد أو عن غير قصد- أضرت بحركة المقاومة أكثر مما أفادتها، بسبب ما نجم عن الروايات التي سيطر عليها الجانب الذاتي على حساب ما يتطلبه البحث العلمي من موضوعية وأمانة علمية. ولعل هذا أيضا ما انتاب الباحثين و القراء لهذه المذكرات من حيرة و إستغراب لكثرة ما اعترى هذا النوع من المؤلفات من تضارب في المعلومات، و تباين في الروايات حول عمليات فدائية لم تسلم منه حتى التي جرت في مدينة واحدة و في لحظة واحدة و ضد مستهدف واحد... فباستقراء ما كتب في موضوع ما حدث في 16 و 17 غشت 1953 على قلته لحد الآن يلاحظ وجود خلافات و تضارب حول الكثير من الجوانب، طالت حتى المصطلح الذي نعت به هذا الحدث ،ففي حين يسميه البعض "ثورة 16 غشت" نجد من يدعوه "انتفاضة" و من ينعته "مظاهرة" كما طالت طبيعته و جانبه التنظيمي، حيث اعتبره فريق حركة عفوية بينما تصدى له من يعتبره و تحت أي عنوان : عملا منظما لم يكن ليجري في المستوى التنظيمي الذي عرفه لولا وجود تخطيط وراءه حزب قوي مؤهل للإعداد و الإنجاز، و حتى بعض من يرى هذا، يعتبر أن ما جرى في اليومين المذكورين مجرد مبادرة محلية و ليس بأمر من اللجنة التنفيذية المؤقتة لحزب الإستقلال، و هذا ما فنده أعضاء من فرع الحزب بوجدة. و في هذه النقطة تضاربت الروايات حول الجهات التي تم الإتصال بها في طور الإعداد للحدث كما سيتضح بعد،و أخيرا هناك من تجرأ و ذهب بعيدا فصرح بان ما حدث في 16 و 17 غشت 1953 خطأ "تكتيكي" رغم ما فيه من إيجابيات من الناحية السياسية. مما سبقت الإشارة إليه، يتضح أن ما ألف لحد اليوم في موضوع المقاومة المغربية عامة، و 16-17 غشت 1953 خاصة، لا يخلو من إيجابيات و هي كثيرة، لأنها محاولات تصلح بداية لمن أراد تكميلا، و نبذا لمن أراد تفصيلا. و أذا كان لأصحابها فضل السابق، فليكن فضل المواصلة للاحق، و في هذا الإطار تدخل هذه المحاولة مستعينة بمصدرين: 1- بعض ما كتب في الموضوع (الذاكرة المسجلة) 2- الاتصال المباشر بمن لا يزالون على قيد الحياة ممن عاصروا الحدث (الذاكرة الحية)، على أن يتم ذلك كله عبر ثلاثة محاور يخصص أولها للإيقاع التنظيمي لأحداث 16 غشت بوجدة، و يعالج في الثانية: الإيقاع التنظيمي في 17 غشت بأبركان و نواحيها،أما ثالث فيتناول لانعكاسات والتداعيات الناجمة عن الأحداث . المحور الاول : الإيقاع التنظيمي لأحداث 16 غشت بوجدة ما ان شاع نبا إقدام الإقامة العامة الفرنسية بالمغرب على التخطيط بالقيام بالاعتداء على رمز السيادة الوطنية الملك محمد بن يوسف، عن طريق وسائل الإعلام و أجهزة حزب الاستقلال التي لم تتمكن سلطات الحماية من اكتشاف أفرادها، حتى دبت حركة غير عادية من التعبئة و الإعداد للمواجهة في صفوف الوطنيين المغاربة بسائر أنحاء المملكة خاصة المدن التي كان للحزب فروع بها. و لم تتخلف مدينة وجدة على الركب بل كانت سباقة إلى تفعيل كل أجهزة الحزب، بما في ذلك المنظمات الجماهيرية كجمعية الطالب الاستقلالي و الشبيبة الاستقلالية و الحركة الكشفية. و من المعروف أن وجدة كان بها تنظيم حزبي مميز، فبالإضافة إلى فرع حزب الاستقلال كان بها فرع لحزب الشورى و الاستقلال وآخر للحزب الشيوعي المغربي، و كلها كانت تمارس نشاطها في سرية تامة. و بما أن الأمر يخص أحداث 16 غشت 1953 التي هي كما هو معلوم مرتبطة بحزب الاستقلال، فمن المفيد الإشارة إلى أن هذا الحزب كان التنظيم الأوسع شعبية و الأكثر تواجدا على صعيد التنظيم، حيث كان يتوفر على مكتب للفرع(11عضوا) و مجلس للمراقبين (14 عضوا). وخلايا منبثة في غالب الأحيان( عددها 150 خلية و كل خلية من 10 إلى 15 فردا) منتظمة الاجتماع يسيرها "مشغل" مزود بنشرات حزبية يقرأها على المجتمعين، و غالبا ما كان المشغل من معلمي الكتاتيب القرآنية، يساعده أحيانا تلميذ من المدارس الحرة أو من ثانوية عبد المومن أو من lycée de garçons الثانويتين الوحيدتين بوجدة، و في العطل الدراسية، خاصة عطلة الصيف، تدعم الخلايا بطلاب جامعة القرويين المنضويين تحت لواء جمعية الطالب الوجدي الاستقلالي، و بالإضافة إلى هذه الأجهزة كان لفرع وجدة عدة لجان، و منها لجنة للدعاية و الاستخبارات، و أخرى للاتصال. علاوة على خلايا سرية مسلحة تشكلت خارج التنظيم الحزبي، و هذا ما ذكره أحد المسؤولين في فرع الحزب آنذاك، أن "حركة حزب الاستقلال و شرق المغرب لا تضاهيها حركة الحزب في المغرب كله " و حين أكد بان أعضاء من اللجنة التنفيذية، حسب روايته صرحوا ب" أن سكان الجهة الشرقية كونوا أنفسهم ... و قووا حركتهم و نظموا صفوفهم بدون حضور أي عضو من الرباط". إن هذا المستوى من التواجد و التنظيم الذي بلغه حزب الاستقلال بالجهة الشرقية، هو الذي أهله للقيام بتعبئة جميع أجهزته لمواجهة الطوارئ التي بدت آنذاك على وشك الحلول، و في إطار هذه التعبئة دعيت جميع الأجهزة لعقد اجتماعات طارئة لدراسة الوضع، حيث انعقدت عدة لقاءات سواء على مستوى مكتب الفرع و مجلس المراقبين، أو على مستوى خلايا الأحياء و اللجان المختصة. و كانت هذه الاجتماعات لدراسة و تلقي التعليمات حول تطور الوضع في انتظار القرار النهائي الذي يقتضيه الموقف.و موازاة مع هذه الاجتماعات و اللقاءات، كانت نخبة من الطلبة منكبة على نسخ المناشير و توزيعها، و مما جاء فيها "أيها الشعب الوجدي لا تتأخر في إراقة دمك لحماية ملكك ووطنك". و في غمار هذه الإجراءات تجندت كل فروع الجهة لحث المواطنين على تقديم الاحتجاجات و الاستنكارات، و توجيه البرقيات و العرائض و قراءة اللطيف في المساجد و توزيع المناشير و إلصاقها على الجدران، و دعوة المواطنين إلى الحذر و اليقظة و الاستعداد للتضحية و بذل كل غال و نفيس فداء الملك. و ضمن هذه التعبئة تشكلت جماعة من أفراد الحزب و أعدت خطة هجومية و عملية فدائية لنسف الاجتماع الذي كان مقررا عقده في منزل احد أعوان الحماية. و القيام باغتيال الكلاوي و جماعته، إلا ان الحراسة المشددة حالت دون تنفيذ هذه العملية. و حسب رواية أخرى فالذي حال دون تنفيذ العملية هو تغيير في زيارة الكلاوي لوجدة حيث ورد في مؤلف آخر ما يلي : " كان اليوم المحدد الذي عين لنا من الرباط تلفونيا هو يوم الثلاثاء 11 غشت 1953 غير أننا فوجئنا بالباشا الكلاوي يصل إلى مدينة وجدة يوم الاثنين 10 غشت". و موازاة للحركة الدائبة الرامية إلى التعبئة و الإعداد، كان أعضاء من مكتب فرع الحزب يجرون اتصالات بمسؤولي الحزب مركزيا، و حول هذه المسألة تعددت الروايات، فقد ورد في أحد المؤلفات ما يلي : "في أعقاب زيارة الباشا الكلاوي إلى مدينة وجدة بعثنا أحمد بن عمرو الكعواشي البختاوي-عضو المكتب-إلى الرباط لتقصي الأخبار، و قام العضو بالاتصال مع عبد المومن الغول الذي ذهب إلى منزل عبد الرحمان بادو عضو اللجنة التنفيذية المؤقتة، حيث طلب هذا الأخير من الكعواشي العودة إلى وجدة مؤكدا له بأنه في حالة حدوث ما يمس الملك، فان الحزب سيعمل على الإتصال بالمكتب و إبلاغ ما يجب إبلاغه". و في نفس المهمة يروى غيره ما يلي "... و اتصل فرع الحزب بوجدة بفرع الحزب بفاس، و على رأسه الأخ محمد بن شقرون، و هناك تلقي الأخ عبد الرحمان حجيرة تعليمات الحزب، إذا أكد له بن شقرون ان حزب الاستقلال قرر لا مركزية العمل و أنه إذا مس محمد الخامس فعليكم بالثورة بكل الوسائل من الخنجر إلى البندقية، إنكم من الآن لن تنتظروا الأوامر لقد أصبح لكم حق القرار الذي ترونه صالحا للعمل... أثيروا في الشعب روح الثورة، علموه كيف يصبح كل عضو فيه عضوا في فرقة انتحارية...". وهذا نفس ما وقع بالنسبة لكلمة السر فبينما يقول غلاب :"إنها باسم الله"(9)، يقول عبد الصادق القادري بأن كلمة السر هي "المريض لا بأس به"(10)، أما بالنسبة لحسني محمد بلعيد فيقول: ان كلمة السر هي "هنا وجدة-باسم الله"، و يضيف "بأنه و زجلي عبد الله هما الوحيدان اللذان كانا يطلعان على هذا السر". و موازاة مع التعبئة و الإعداد كان مناضلو الحزب و أطره مشدودين إلى إذاعة لندن التي كانت تتابع تطور الوضع بالمغرب، و التي أعلنت عن قيام تظاهرة بمراكش، و محاولة اغتيال بن عرفة يوم الجمعة 14 غشت، ثم قيام مظاهرتين سلميتين في كل من الرباط و البيضاء يوم 15 غشت. و كان آخر الترتيبات المتخذة هو الذي تم في اجتماعات الخلايا بإشراف المشغلين، يوم الجمعة 14 و 15 غشت ليلا، حيث اطلع الأعضاء على المخطط المنوي تنفيذه للمواجهة و ما يستلزم ذلك من إجراءات نظامية و لوجستيكية و إسعافية و غير ذلك مما قد يقتضيه تطور الأحداث، على ان الأمر الذي لم يحسم في الاجتماعات هو نوع المواجهة الذي سيبت في شانه من لدن مكتب الفرع لاحقا و قبل انفضاض الاجتماع أخبر المشغلون بموعد اللقاء و مكانه (و هو يوم الأحد 16 غشت على الساعة 11 زوالا)، و ذلك لتبليغهم القرار النهائي. و في غمرة انتشار خبر عزل محمد الخامس و تنصيب بن عرفة، و قيام المظاهرات في مراكش و الرباط و البيضاء، أصبح الوضع بمدينة وجدة منذرا بالانفجار لولا توجيهات الحزب، و انضباط المناضلين، خاصة و أن بعض المسؤولين في الحزب تم اعتقالهم قبل 15 غشت. و في صبيحة 16 غشت دعي أعضاء مكتب فرع الحزب للاجتماع الذي غاب عنه من اعتقل قبل 15 غشت، و لما اخبر الحاضرون بأن المكالمة الهاتفية من الرباط تفيد بأن " المريض في خطر"، و تطلب اتخاد ما يلزم لمواجهة هذا الخطر، و هنا "تضاربت الأفكار و الآراء حول نوعية العمل الذي يتعين القيام به، فإما اختيار عناصر ليقوموا بعمليات فدائية و قد رفض هذا الاقتراح، أو فتح المجال للجماهير الغاضبة و ترك العمل لها من أجل إراقة الدماء، و قد حاز رضى الحاضرين"(11). و في هذا الاجتماع تقرر أن يكون موعد تنفيذ الخطة هو الساعة السادسة مساء، و انفض الاجتماع و بلغ القرار إلى المراقبين و المشغلين و منسقي اللجان الذين نفذوا التعليمات بأسرع ما يمكن.و على الساعة السادسة انطلقت أفواج المواطنين من كل أطراف المدينة مهللة مكبرة، فبعضها انطلق من ساحة سيدي عبد الوهاب "الجوطية" ليتفرع جزء منه نحو طريق مولاي الحسن و آخر نحو شارع المغرب العربي، و ثالث إلى طريق سوق الخضر المؤدي إلى ساحة المغرب (place de maroc) لينساب طرف منه نحو طريف فاس، و الثاني نحو شارع مراكش، و لم تمض ساعة إلا و جميع الأفواج قد التحمت في مظاهرة حاشدة عمت جميع الاحياء و الشوارع و الساحات، كانت سلمية في بدايتها ثم تحولت إلى مصادمات عنيفة عندما شرعت القوات الاستعمارية في إطلاق النار بطريقة عشوائية، و رغم لجوء القوات إلى مداهمة المتظاهرين بالمدرعات و المصفحات فإنها لم تستطع أن تسيطر على الموقف إلا بعد مرور أكثر من ست ساعات على اندلاع المظاهرات خسر فيها الجانب الفرنسي 29 قتيلا و 49 جريحا حسب رواية عبد الكريم غلاب(12)، بينما استشهد أكثر من 1000 متظاهر حسب بعض الروايات(13). أما المعتقلون فبلغ عددهم 788 مثلوا أمام محكمة الباشا فأصدرت في حق 75 أحكاما مختلفة بالسجن(14)، فيما مثل 96 وطنيا أمام المحكمة العسكرية التي حكمت على 8 بالإعدام حضوريا و على 11 بالإعدام غيابيا (15). ذلك ما جرى بالنسبة لأحداث 16 غشت 1953 بوجدة، فماذا عن أحداث 17 غشت ببركان؟ ذلك ما سيتم تناوله في الفقرات التالية. يتبع