يوم غضب أمريكي تحت شعار "ارفعوا أيديكم".. آلاف الأميركيين يتظاهرون ضد ترامب في أنحاء الولايات المتحدة    الرجاء يودّع كأس العرش على يد الاتحاد الإسلامي الوجدي    بلاغ جديد للمنظمة الديمقراطية للصحة – المكتب المحلي للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا – الرباط    شرطة تيكيوين بأكادير تطلق الرصاص لتوقيف جانح اعتدى على عميد شرطة بسيف    كأس العرش: الاتحاد الإسلامي الوجدي إلى ربع النهائي بعد انتصاره على الرجاء البيضاوي    "لن أذهب إلى كانوسا" .. بنطلحة يفضح تناقضات الخطاب الرسمي الجزائري    توقيف أربعيني بطنجة روج بمواقع التواصل لعمليات وهمية لاختطاف فتيات    أمن طنجة يفند أخبار اختطاف فتيات    منظمات حقوقية تدين تهميش المهاجرين المغاربة في مليلية المحتلة    حركة حماس تشيد بموقف المهندسة المغربية ابتهال أبو سعد واصفة إياه ب"الشجاع والبطولي"    باريس سان جرمان يحرز بطولة فرنسا    حماس تشيد بموقف الموظفة المغربية ابتهال أبو السعد لفضحها تواطؤ "مايكروسوفت" مع آلة الحرب الإسرائيلية    كأس العرش: الضربات الترجيحية تهدي التأهل لأولمبيك آسفي إلى ربع النهائي على حساب شباب السوالم    طنجة تتصدر مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية.. وهذه توقعات الأحد    طنجة .. وفد شبابي إماراتي يطلع على تجربة المغرب في تدبير قطاعي الثقافة والشباب    المغرب يرسخ مكانته كحليف تاريخي و إستراتيجي في مواجهة سياسة ترامب التجارية    هذا ما يتوقعه المغاربة من المعطي منجب؟    برشلونة يسقط في فخ التعادل أمام ريال بيتيس    الدار البيضاء تستحضر ذكرى 7 أبريل 1947.. محطة مشرقة في مسار الكفاح الوطني والمقاومة    تحالف استراتيجي بين الموريتانية للطيران والخطوط الملكية المغربية يعزز الربط الجوي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإفريقي    جهة الداخلة وادي الذهب تستعرض تجربتها التنموية في المنتدى العالمي السادس للتنمية الاقتصادية المحلية    فرنسا: خسائر ب15 مليار دولار بسبب التعريفات الجمركية الأمريكية    العودة إلى الساعة الإضافية وسط رفض واستياء واسع بين المغاربة    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    الأسرة الكروية المغربية تودّع محسن بوهلال بكثير من الحزن والأسى    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    إقليم شفشاون.. أربعيني يُنهي حياته في ظروف غامضة    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي تقيل نائب الرئيس الإيراني    فيديو يوثق استهداف إسرائيل لمسعفين    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    كلميم.. القضاء يدين عدة مسؤولين بينهم رئيس الجماعة بالسجن النافذ في قضية تبديد واختلاس أموال عمومية    دعوات للمشاركة المكثفة في مسيرة "الرباط الوطنية" للتنديد بالمحرقة المرتكبة في غزة    عرض مناخ الأعمال وفرص الاستثمار في المغرب خلال ملتقى بباريس    سفير جمهورية السلفادور: المملكة المغربية تعد "أفضل" بوابة للولوج إلى إفريقيا    خبراء "نخرجو ليها ديريكت" يناقشون موضوع انتشار الوسطاء والشناقة داخل الأسواق    حصيلة الزلزال في بورما تتجاوز 3300 قتيل    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    ماذا بعد استقبال مجلس الشيوخ الفرنسي لحكومة جمهورية القبائل؟    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    الركاني: من يدعم فلسطين توجه له تهم جاهزة وعواقب وخيمة ستلاحق كل من تواطئ لجعل غزة مسرحا للجريمة    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    مولر يعلن الرحيل عن بايرن ميونيخ    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قضية الصحراء الغربية للمغرب: بريطانيا وإسبانيا تعترفان رسميا بأن الصحراء الغربية مغربية منذ 1895 و 1900
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 05 - 11 - 2015

تسمح لنا الذكرى 40 للمسيرة الخضراء (سميت خضراء كناية عن سلميتها)، لاستكمال المغرب لاستعادة أراضيه المحتلة، بصحرائه الغربية، من ضمن الأراضي التي توزعتها قوى استعمارية أروبية متعددة، منذ 1900. تسمح لنا، هذه الذكرى، باستعادة بعض من تفاصيل القصة التاريخية، التي تندرج ضمنها قضية الصحراء الغربية بإقليميها الكبيرين «الساقية الحمراء وريو دي أورو (أي وادي الذهب)». وهي القصة التي تتداخل فيها عناصر محلية ودولية مرتبطة بنهاية القرن 19 وبداية القرن 20، حكمتها صراعات جيوستراتيجية بين القوى الإستعمارية الأروبية الكبرى، خاصة إنجلترا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا وإسبانيا (1)
لا يمكن أبدا فصل قضية "الصحراء الغربية" عن السياق العام، الذي ارتبط بملف "القضية المغربية" كما تدخلت فيه القوى الدولية العظمى في القرن 19، منذ مؤتمر مدريد سنة 1880، الذي كان أول الطريق لإعادة هيكلة شكل علاقات القوى الأروبية الكبرى والولايات المتحدة الأمريكية مع الدولة المغربية، عبر بوابة "الحماية القنصلية"، التي فرخت فيروس "المحميين" بالمغرب وتقويض سيادة السلطة بالمغرب.
لكن، قبل تفصيل القول في ذلك، لابد من استعادة بعض من تفاصيل قصة "المسيرة الخضراء"، التي لابد من تسجيل أنها كانت فكرة مبدعة، في شكلها وفي طريقة تنفيذها، ضمن سياقها التاريخي لعالم بداية السبعينات، بحكم حجم وقيمة أوراق الضغط (غير المساعدة تماما) التي كانت تتوفر عليها الدولة المغربية، لمواجهة مخططات مدريد، في علاقة مع باقي ذات القوى الدولية الوازنة المتدخلة في الملف المغربي منذ أواسط القرن 19، وهي باريس، لندن، روما، برلين، واشنطن ولندن. كان العالم حينها، يعيش تبعات الطفرة النفطية بعد حرب أكتوبر 1973، بين العرب وإسرائيل، بما كان لذلك من انعكاسات جد قوية على مداخيل البترول للدول المنتجة عبر العالم، ويهمنا منها هنا "جزائر الرئيس هواري بومدين"، ذات الطموح أن تصبح القوة الإقليمية الأولى بكل الشمال الإفريقي المتوسطي. مثلما كان العالم، يعيش تفاعلات حرب الفيتنام، ونتائج الإنفتاح على الصين من قبل فرنسا (دوغول) أولا ثم الولايات المتحدة الأمريكية (نيكسون) ثانيا. وأيضا نتائج التحولات الديمقراطية في آخر الديكتاتوريات العسكرية في الجغرافية الأروبية، من خلال "ثورة القرنفل" يوم 25 أبريل 1974، بالبرتغال، ثم إعلان الجمهورية الديمقراطية باليونان يوم 24 يوليوز 1974، وإنهاء الإستبداد العسكري بها، لجماعة "جورج بابا دوبولوس". وبداية التحول الديمقراطي في إسباينا ونهاية الديكتاتورية العسكرية للجنرال فرانكو المريض، الذي توفي يوم 20 نونبر 1975 (14 يوما بعد انطلاق المسيرة الخضراء).
كان واضحا، أن الدولة المغربية قد تتبعت تفاصيل التطورات تلك بدقة، منذ 1973. وأنه قد بدأت، بالتوازي، تدشن لمسلسل داخلي، بعد استخلاص دروس المحاولتين الإنقلابيتين الفاشلتين صيف 1971 وصيف 1972، من خلال أهمية إعادة إحياء روح التعاقد مع أحزاب الحركة الوطنية، بذات مرجعية "ثورة الملك والشعب"، حتى مع استمرار ما يمكن وصفه ب "أزمة الثقة" بين القوتين (قوة الدولة وقوة المجتمع من خلال ما أفرزه المجتمع من آليات تنظيمية حزبية حقيقية). من هنا، يجب التأريخ لسنة 1975، كسنة مفصلية في تاريخ المغرب الحديث، بعد الإستعمار. لأنها سنة المسيرة وسنة المؤتمر الإستثنائي لميلاد الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية يوم 11 يناير، وميلاد خيار "استراتيجية النضال الديمقراطي" (للتاريخ معناه ورمزيته ورسالته، أي استكمال شق الدولة المؤسساتية الدستورية الديمقراطية كما تم التوقيع عليه في وثيقة 11 يناير 1944 المطالبة بالإستقلال). بما تبع ذلك من عودة للمسلسل الإنتخابي سنتي 1976 (الجماعية) و1977 (البرلمانية)، وهذه المرة في كامل التراب المغربي بما فيه الساقية الحمراء بالصحراء الغربية للمغرب.
كانت اللحظة، المحيطة بالمسيرة، إذن جد مكثفة ومتسارعة، باتجاه الخارج وباتجاه الداخل. وأصبح الزمن المكثف للفعل ذاك، جد دقيق، بدليل تفاصيل حتى طريقة عودة رئيس الجماعة الصحراوية إلى المغرب، المرحوم الحاج خطري ولد سيدي سعيد الجماني، الذي اختار في لحظة حسم وطنية رفيعة منه، أن يعود، مثل أي طائر إلى عشه (المغرب)، بعد محاولات حثيثة من مدريد والجزائر لاستمالته إليها واستقطابه، كورقة حاسمة في لحظة التطورات المتسارعة تلك. وكانت المعركة، قد لعبت كلها بجزر الكناري بلاس بالماس، في أيام 5 حاسمة، حين كان مستشار الملك الحسن الثاني، المرحوم أحمد بنسودة، يتوجه متخفيا في لباس امرأة صحراوية إلى بيت بتينيريفي، للقاء رئيس الجماعة الصحراوية، ولعب الدور الحاسم في تيسير ذلك اللقاء، الوطني المغربي الراحل فضول الدرهم رحمه الله. وهو الرجل الذي نجده واقفا، مباشرة إلى جوار الحاج خطري، بلباس أروبي، في الصورة الشهيرة التي استقبل فيها العاهل المغربي الراحل، رئيس الجماعة الصحراوية وألبسه سلهامه الخاص. وبقي المرحوم فضول الدرهم، رجلا في الظل، بدون أية مزايدة، هو الذي تربى أصلا ضمن جيش التحرير بالجنوب، وضمن الحركة الإتحادية في الستينات والسبعينات، وجعل من شبكته الواسعة ضمن مهامه التجارية آلية لترسيخ الفكرة الوطنية بالصحراء لمواجهة الإستعمار الإسباني (صغرى بناته اليوم، هي البرلمانية الإتحادية "رقية الدرهم").
إنه بالعودة إلى السياق التاريخي المحيط باحتلال الصحراء الغربية للمغرب، منذ بداية القرن 20 (بالضبط منذ سنة 1900)، ستفاجؤنا الوثائق التاريخية الرسمية للدولة الإسبانية وللدولة الإنجليزية، أن مدريد ولندن تعترفان رسميا بسيادة المغرب على صحرائه الغربية منذ 1900 بالنسبة لمدريد، ومنذ 1895 بالنسبة للندن. هنا، مهم تفصيل القول قليلا، في فهم منطق التنافس بين الدول الإستعمارية الأروبية حول الأراضي المغربية، منذ أواسط القرن 19. ذلك أن التنافس كان قويا بين 3 عواصم كبرى، هي برلين ولندن وباريس، لضبط نغمات إيقاع المصالح الحيوية بالفضاء المتوسطي. ومنذ اتفاقية 1887، ببرلين، التي أعادت رسم خرائط عدة بأروبا، بعد الحرب الروسية العثمانية، والتي انهزم فيها العثمانيون أمام الروس، مما جعل بريطانيا تسرع من حضورها في مضيق جبل طارق وفي الفضاء المصري السوداني (معركة شافودا الشهيرة التي انتصرت فيها على فرنسا). مثلما جعل التوازن مضبوطا بين برلين ولندن، خاصة بعد إعلان استقلال كل من رومانيا والجبل الأسود وصربيا كدول تابعة للنفوذ الألماني. بينما كانت باريس تحاول فرض الأمر الواقع بالشمال الإفريقي منذ احتلالها الجزائر سنة 1830 وتونس سنة 1881، من خلال "معاهدة باردو" (12 ماي). وكان لها طموح استراتيجي دؤوب لاحتلال المغرب كله، من طنجة حتى بلاد شنقيط. وكانت مدريد وروما، تحاولان الفوز بجزء من الكعكة الإستعمارية المتوسطية إفريقيا، من خلال استغلال التناقضات المصالحية بين تلك القوى الكبرى الثلاث (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا). لهذا السبب، نجد أن باريس باشرت تنفيذ مخططاتها، التوسعية الإستعمارية، من خلال ضم الصحراء الشرقية للمغرب، منطقة توات وتيندوف وكولمب بشار، سنة 1900، خاصة بعد اكتشاف مناجم الحديد بها. وباشرت أيضا احتلال بلاد شنقيط جنوبا، صعودا من السنغال، ابتداء من سنة 1899، من خلال اتفاقية مع زعماء قبائل الترارزة ولبراكنة، ونفذ الأمر بقوة السلاح سنتي 1902 و 1903. وفي الآن ذاته، سعت مدريد، إلى استغلال ما بيدها من أوراق بخصوص "القضية المغربية"، منذ حرب تطوان سنة 1860، من أجل إيجاد موقع قدم لها في الصحراء الغربية للمغرب، في ذات السنوات بالضبط. بدليل ما جرى من مفاوضات مع ممثلي السلطان المغربي مولاي عبد العزيز، بطنجة، خاصة ممثله الخاص الحاج محمد الطريس، والسفير الإسباني بذات المدينة "أوخيدا"، غايتها تنفيذ ما اتفق عليه مع والده السلطان الحسن الأول، حول منح المغرب لمدريد، موقعا تجاريا بالصحراء براس جوبي (طرفاية)، ادعت إسبانيا، أنه كان لها سابقا فيه محطة تجارية منذ القرن 15.
الحقيقة، إن حرص الإسبان على إيجاد منفذ تجاري لهم بالصحراء، إنما هو جزء من تسابق أروبي للنفاذ إلى عمق الصحراء ودول الساحل، وصولا حتى إلى تمبوكتو ومملكة غانا، عبر الشواطئ المغربية بصحرائه الغربية الجنوبية. لعل أهمها هي المحاولات البريطانية منذ سنة 1764 و 1836، من خلال محاولات كل من المغامرين الإنجليزيين "جورج غلاس" و "جون دافيدسون". وضمن سياق هذا التسابق، سيأتي اعتراف بريطانيا بمغربية الصحراء من خلال التوقيع على اتفاقية سنة 1895، التي تم بموجبها إنهاء أزمة "الشركة البريطانية لغرب إفريقيا" لصاحبها التاجر البريطاني ماكينزي، وقبولها تعويض الدولة المغربية لتاجرها عن رفض السماح له ببناء ميناء بمنطقة طرفايه وكل الصحراء الغربية، مقابل تعويض مالي حدد في 50 ألف جنيه إسترليني قديم. لقد تم التنصيص في تلك الإتفاقية على أنه لا يمكن القيام بأي نشاط تجاري بكامل المنطقة الصحراوية تلك، حتى رأس بوجدور (أي حوالي 500 كلمترا) بدون إذن كتابي مسبق من سلطان المغرب، لأن تلك الأراضي جزء من التراب المغربي. بينما نص مشروع اتفاقية أخرى، بين المغرب وإسبانيا، كان مفروضا أن توقع سنة 1900 (في شهر شتنبر)، على طلب إذن من السلطان المغربي لمدريد للحصول على موقع تجاري بطرفاية. لكنها لو توقع بسبب التحايل الماكر الذي حاول من خلاله السفير الإسباني، أوخيدا، بالتنسيق مع حكومة بلاده، أن يجعل من تلك الإتفاقية تشمل كل المنطقة الممتدة من طرفاية حتى بوجدور، وأن تختار مدريد فيها المكان الذي تراه مناسبا لبناء موقعها التجاري على شط المحيط، مما يعتبر اعترافا رسميا من مدريد بمغربية تلك الأراضي الصحراوية. لكن السلطان مولاي عبد العزيز رفض التعديل ذاك، لأنه سيفتح الباب لمدريد كي تتدخل في كل تلك الجغرافية الصحراوية الشاسعة وليس فقط في منطقة محددة بدقة، هي طرفاية التي وقع الإتفاق عليها بعد مفاوضات دامت أكثر من 38 سنة. هذا كله يقدم الدليل الحاسم على مغربية الصحراء الغربية باعتراف رسمي من الدولة المستعمرة إسبانيا ومن بريطانيا. دون إغفال أن فرنسا حين احتلت بلاد شنقيط، لم تحاول توسيع تدخلها صوب إقليم وادي الذهب ونبهت مدريد حين حاولت القيام بذلك، سنة 1904، لأن ذلك سيخلق لها مشاكل مع سلطان المغرب، مما يعتبر اعترافا آخر ضمنيا من باريس بمغربية تلك الأراضي. دون إغفال أن اتفاقياتها السرية مع كل من لندن ومدريد سنوات 1904 و 1906، حول القضية المغربية، كانت تتضمن تنازلات لباريس عن مصر والسودان لصالح لندن، وعن الصحراء الغربية بإقليميها الساقية الحمراء ووادي الذهب لصالح مدريد، مقابل السماح لها في احتلال باقي الأراضي المغربية شمال الصحراء.
إن الذكرى 40 للمسيرة الخضراء، إذن، هي لحظة لاستعادة حقيقة ملف صحرائنا الغربية المغربية، التي كانت جزء من تنافس استعماري مصالحي منذ أواسط القرن 19. وأنه علينا التسطير على أن المغرب، الذي بقي معترفا به كدولة رغم استعماره سنة 1912 (صيغة الحماية تحت راية اتفاقية الجزيرة الخضراء سنة 1906)، قد ظل منذ سنة 1956 (تاريخ استقلاله عن فرنسا وإسبانيا في الشمال) يستعيد أراضيه من خلال اتفاقيات مباشرة بين الدولة المغربية (الملك والحكومة) وبين حكومات الدول المستعمرة. هذا ما تم مع باريس يوم 2 مارس 1956، وما تم مع إسبانيا يوم 7 أبريل 1956، ثم ما تم مع مدريد أيضا لاستعادة طرفاية (15 أبريل 1958) وسيدي إيفني (30 يونيو 1969). وأيضا ما تم بخصوص الصحراء الغربية في إقليم الساقية الحمراء (14 نونبر 1975 من خلال ما عرف باتفاقية مدريد الثلاثية بين المغرب وموريتانيا وإسبانيا). مثلما تمت استعادة إقليم وادي الذهب يوم 14 غشت 1979، بعد تخلي نواكشوط عنه لصالح البوليزاريو بعد معركة عسكرية بطولية للجيش الملكي المغربي ببئر إنزران، وتعززت تلك العودة بمبايعة قبائل الإقليم الشاسع ذاك للملك الحسن الثاني بالداخلة. ولا يزال ملف سبتة ومليلية والجزر الجعفرية مفتوحا لإنهاء آخر الإستعمارات للأراضي المغربية. دون إغفال أن من الأخطاء المغربية في الستينات هو تسجيله قضية إنهاء الإستعمار الإسباني لصحرائه الغربية سنة 1964، ضمن لجنة تصفية الإستعمار وتقرير المصير بهيئة الأمم المتحدة، بينما الحال أن كل مسلسل تحرير المغرب لأراضيه يتم بينه كدولة والدول المستعمرة لأراضيه بدون أية وساطة أممية، لأنه حينها فتح الباب لتدويل قضيته العادلة. ورغم حرص الملك الراحل على تسجيل اتفاقية مدريد لسنة 1975، مثلما حدث مع كل الإتفاقيات المماثلة السابقة بهيئة الأمم المتحدة، فإن خصومه قد استغلوا بمكر وضع ذلك الملف ضمن لجنة تصفية الإستعمار ضدا على حقوق المغاربة في تحرير أراضيهم واستعادتها من الإستعمار.
اليوم، فإن تدشين مشروع الجهوية بالمغرب، الذي هو مشروع ثوري كبير، يعيد مأسسة بنية تدبير الدولة المغربية، بعد دستور فاتح يوليوز 2011 وبعد انتخابات 4 شتنبر 2015، يقدم الحل العملي على أن التنازع مع جزء من أبناء الصحراء المغربية الغربية، الذين ظلوا رهائن حسابات إقليمية بالجزائر، منذ 1976، إنما يجد طريقه في صيغة مشروع الحكم الذاتي المتقدم الذي قدمه المغرب أمميا. وأن زيارة العاهل المغربي محمد السادس اليوم إلى أقاليم المغرب الصحراوية الجنوبية الغربية (غير المسبوقة في سياقاتها المغربية) التي ستمتد لأيام، والتي تحمل برنامجا تنمويا متكاملا غير مسبوق أيضا، تفعيلا لتوصيات المجلس الإجتماعي والإقتصادي، إنما تأتي لتعزز منطق تصالح المغرب مع كل مناطقه تنمويا وتدبيريا. ويدشن لمرحلة ظلت متواصلة منذ القرن 19، لحماية الدولة المغربية لأراضيها الصحراوية الغربية الجنوبية.
هوامش:
(1) معتمدين أساسا على دراسات تاريخية قيمة لكل من المؤرخ الفرنسي، المتخصص في تاريخ المغرب خلال القرن 19 "جون لوي مييج"، والمؤرخ المغربي الحجة جرمان عياش، خاصة في كتابه "دراسات في تاريخ المغرب" الصادر سنة 1986، ثم دراسات متعددة للمؤرخ المغربي الدقيق في أبحاثه، الذي يتعبر أحسن من اشتغل ضمن جيله من المؤرخين المغاربة، على الأرشيف الإنجليزي الخاص بالمغرب وشمال إفريقيا، خالد بن الصغير، خاصة من خلال مؤلفه التحفة "بريطانيا وإشكالية الإصلاح في المغرب (1886 1904)".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.