وزير خارجية فرنسا يجدد دعم بلاده لسيادة المغرب على الصحراء أمام البرلمان الفرنسي    إسرائيل تواصل حرب إبادتها بلا حدود.. يوم آخر دامٍ في غزة يؤدي بحياة 112 شهيدا وسط صمت ولا مبالاة عالميين    حادثة مروعة بطنجة.. شاب يفقد حياته دهساً قرب نفق أكزناية    "أشبال U17" يتعادلون مع زامبيا    التعادل السلبي يحسم مواجهة المنتخب الوطني المغربي لأقل من 17 سنة أمام نظيره الزامبي    العقوبات البديلة .. وهبي يكشف آخر التفاصيل    محاكمة صاحب أغنية "بوسة وتعنيكة وطيحة فالبحر... أنا نشرب الطاسة أنا نسكر وننسى"    ثلاثي مغربي ضمن أفضل الهدافين في الدوريات الكبرى عالميا لعام 2025    مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم متعلق برواتب الزمانة أو الشيخوخة التي يصرفها ال"CNSS"    المفوضة الأوروبية دوبرافكا سويكا: الاتحاد الأوروبي عازم على توطيد "شراكته الاستراتيجية"مع المغرب    العيون: مجلس المستشارين وبرلمان الأنديز يثمنان المسار المتميز للعلاقات البرلمانية بين الطرفين (إعلان مشترك)    فرنسا تجدد دعمها لسيادة المغرب على صحرائه    حادثة سير وسط الدريوش تُرسل سائقين إلى المستشفى    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بالتعليم المدرسي    سطات: إحداث مصلحة أمنية جديدة لمعاينة حوادث السير    طنجة.. النيابة العامة تأمر بتقديم مغنٍ شعبي ظهر في فيديو يحرض القاصرين على شرب الخمر والرذيلة    طقس الجمعة.. تساقطات مطرية مرتقبة بالريف وغرب الواجهة المتوسطية    العثور على جثة دركي داخل غابة يستنفر كبار مسؤولي الدرك الملكي    الإمارات تدعم متضرري زلزال ميانمار    سقوط 31 شهيدا على الأقل بضربة إسرائيلية على مركز للنازحين في غزة    صابري: الملك يرعى الحماية الاجتماعية    الترخيص لداني أولمو وباو فيكتور باللعب مع برشلونة حتى نهاية الموسم    المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.. تسليم السلط بين الحبيب المالكي و رحمة بورقية    المغرب يعتبر "علاقاته الاستراتيجية" مع الولايات المتحدة سببا في وجوده ضمن قائمة "الحد الأدنى" للرسوم الجمركية لترامب    ارتفاع حصيلة ضحايا الزلزال في ميانمار إلى 3085 شخصا    الاتحاد الاشتراكي المغربي يندد ب"تقويض الديمقراطية" في تركيا ويهاجم حكومة أردوغان !    إطلاق نسخة جديدة من Maroc.ma    تقرير.. هكذا يواصل مستوردو الماشية مراكمة ملايير الدراهم من الأموال العمومية في غياب أثر حقيقي على المواطن ودون حساب    الجسد في الثقافة الغربية -27- الدولة : إنسان اصطناعي في خدمة الإنسان الطبيعي    أعلن عنه المكتب الوطني للمطارات ..5.4 مليار درهم رقم معاملات المطارات السنة الماضية و13.2 مليار درهم استثمارات مرتقبة وعدد المسافرين يصل إلى 32,7 مليون مسافر    سفارة السلفادور بالمغرب تنظم أكبر معرض تشكيلي بإفريقيا في معهد ثيربانتيس بطنجة    نقابي يكشف السعر المعقول لبيع المحروقات في المغرب خلال النصف الأول من أبريل    الوداد يعلن حضور جماهيره لمساندة الفريق بتطوان    هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي تطلق برنامج "EMERGENCE" لمواكبة التحول الرقمي في قطاع التأمينات    المنتخب المغربي يرتقي إلى المركز ال12 عالمياً في تصنيف الفيفا    المجر تعلن انسحابها من المحكمة الجنائية بالتزامن مع زيارة نتنياهو    جماعة أكادير: حقّقنا فائضا ماليا يُناهز 450 مليون درهم    بورصة الدار البيضاء تخسر 0,45 بالمائة    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن        مجلس المنافسة يوافق على استحواذ مجموعة أكديطال على مؤسستين صحيتين في العيون    اجتماعات تنسيقية تسبق "الديربي"    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الخميس    الصين: عدد مركبات الطاقة الجديدة في بكين يتجاوز مليون وحدة    قمر روسي جديد لاستشعار الأرض عن بعد يدخل الخدمة رسميا    النسخة ال39 لجائزة الحسن الثاني الكبرى للتنس.. تخصيص يوم للأطفال رفقة لاعبين دوليين    بين الحقيقة والواقع: ضبابية الفكر في مجتمعاتنا    مهرجان كان السينمائي.. الإعلان عن مشاريع الأفلام المنتقاة للمشاركة في ورشة الإنتاج المشترك المغرب -فرنسا        دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    بلجيكا تشدد إجراءات الوقاية بعد رصد سلالة حصبة مغربية ببروكسيل    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بصدد كتاب «التاريخانية والتحديث» لعبد السلام بنعبد العالي

«لم أرفع ابداً راية الفلسفة ولا الدين ولا التاريخ،بل رفعت راية
التاريخانية في وقت لم يعد أحد يقبل إضافة اسمه إلى هذه
المدرسة الفكرية لكثرة مافندت وسفهت» عبد الله العروي.

منذ إصدار «الإديولوجيا العربية المعاصرة» (ماسبيرو 1967)، لا زالت أعمال عبد الله العروي تطرح نفسها كأعمال إشكالية سجالية، قطب رحاها مسألة التقدم و التخلف في العالم العربي، أو بكلمة: إشكالية الحداثة.
ثمة اختلاف في قراءة العروي؛ اختلاف لا يعبر، فقط ،عن عمق النصوص و إحكام صنعة الكتابة، لكنه يعبر،كذلك، عن صعوبة القضايا التي يواجهها كل من يضع نصب عينيه إشكالية الحداثة في العالم العربي .
الكتاب الأخير لعبد السلام بنعبد العالي «التاريخانية والتحديث، دراسات في أعمال للعروي»1 ، يقدم إمكانية لمساءلة أطروحات العروي، المتراكمة والمتفرعة منذ (1967)، ذلك أنه يقدم دراسات تغطي أهم مراحل فكرالعروي، كما تشمل أجناسا كتابية أساسية له ( أعماله النظرية، سيرته الذاتية، ترجمته لأعماله). إنها قراءة، ولكل قارئ «عين خاصة به»، كما يقول دريدا.
قراءة بنعبد العالي، للعروي، تسير في اتجاهين: في اتجاه الاعتراف بجهد العروي في مجابهة سؤال الحداثة كما هو مطروح على العالم العربي منذ أزيد من قرن. ومن جهة أخرى في اتجاه الكشف عن فلسفة مستترة وراء أطروحات العروي، ولغته المركزة المتحايلة، وتصريحاته التي تنتقص من قيمة الفلسفة.
مفاهيم الحداثة
عُرف العروي منذ الستينات، باعتباره ناقدا للمفاهيم2. ما يدعوه إلى هذا العمل، هو السعي إلى وضع الفكر العربي أمام المفاهيم الأساسية لفكر الحداثة، والتي تسمح بإدراك عمق الهوة بين العرب والغرب، ذلك أن استيعاب تجربة الحداثة لا يمكن دون إدراك سيرورة العقل الغربي الذي أنتجها. من هذا المنطلق فقد عمل العروي على إصدار سلسلة من كتب المفاهيم (الاديولوجيا، الحرية، الدولة، التاريخ، العقل].
الرهان، إذن، هو وضع القارئ أمام شبكة المفاهيم التي تسمح بإدراك ماهي الحداثة، وماهي العوائق التي تحول دونها. هل حصل للعروي ما كان يرجوه؟
الواقع أن الرجل يشتكي دوما من سوء الفهم الذي يقابل به فكره. هل يرجع ذلك إلى طبيعة القارئ (غير المؤهل للفهم)، أم يرجع لطبيعة الإشكالات، كما تعرضها أعمال العروي؟
فلنأخذ مفهوم الإديولوجيا، كأحد أهم المفاهيم ضمن شبكة مفاهيم الحداثة؛ كونه يسمح بفهم العلاقة الملتبسة بين الفكر و الواقع، و بالتالي يسمح بإدراك خطورة تلك الالتباسات. لا يمكن أن يدرك هذا المفهوم إلا ضمن سياق نشأته وتطوره في أوربا، وبالتالي فما من إمكانية لإدراك ماهية الإديولوجيا انطلاقا من مرجعية تراثية توحي بما يشبه هذا المفهوم. يأخذ العروي على عاتقه مهمة الفصل بين التراث والحداثة، وبالتالي يكتب « مفهوم الإديولوجيا» لبيان الخطوط العريضة للمفهوم متوخيا توضيح المعاني المتضمنة فيه»( ص،6، مفهوم إ].
أصدرالعروي مفهوم الإديولوجيا»(1980) بعد إصدار « الإديولوجيا العربيةالمعاصرة» (1967) سعيا لرفع سوء الفهم الحاصل من قراءة مؤلفه القيم. ثم عمل، بعد ذلك، على إعادة ترجمة «الإديولوجيا العربية» (1996)، سعيا لوضع القارئ أمام «النص الأصل». هل معنى ذلك أن الوصل قد حصل، وأن الفهم، الذي أراده المؤلف لعمله، قد تم؟
يطرح كتاب « مفهوم الإديولوجيا» جملة مشاكل، يقف عندها ع بنعبد العالي: لقد أراد العروي أن يقدم للقارئ دليلا يسعف على فهم أطروحته حول الإديولوجيا العربية، من خلال تقديم مفهوم الإديولوجيا وفقا لشروط نشأته في الغرب. لكن الأمر اتخذ وجهة أخرى، إذ يدعو الجهد التأويلي للعروي إلى طرح أسئلة إشكالية يمكن تلمسها من خلال النص التالي:
« يقول ماركس إن الأدلوجة تخفي مصلحة طبقية، ويعلل قوله استنادا إلى تطور التاريخ. يقول نيتشه إن القيم الثقافية أوهام ابتدعها المستضعفون لتغطية غلهم ضد الأسياد ويعلل قوله استنادا إلى قانون الحياة. يقول فرويد إن إنتاجات العقل تبريرات خلقها الإنسان المتمدن لمعارضة دافع الرغبة الجارف ويعلل قوله استنادا إلى طبيعة الإنسان الحيوانية. من الواضح أن هذه الأقوال تحتوي على بنية مشتركة: إن الأفكار رموز لا تحمل حقيقتها فيها ، بل تستر حقيقة باطنية، وفي هذا الستر ذاته تومئ إليها، وبتأويل ذلك الإيماء نكشف عن الحقيقة المستورة» (مفهوم الإديولوجيا،ص،4243].
يتبين من خلال هذا النص أن الإديولوجيا تعمية وتعتيم وستر، وأن «الأفكار،عند ماركس ونيتشه وفرويد، علامات خبيثة كما يقول فوكو، إنها لا تكشف الواقع إلا بمقدار ما تحجبه»(ص،12). لفهم الواقع ينبغي إزالة الحجب عن الأفكار و الرموز، يعني القيام بتأويل. لكن التأويل في هذه الحالة عمل متواصل «لا ينتهي»3، إذ السطوح متجددة، والأرض لاقرار لها.
لا يرى عبد السلام بنعبد العالي أن الرؤية التي تحكم الكتاب تتوافق مع قراءته، فإذا كان مفهوم الإديولوجيا يقتضي الحديث عن التأويل، فإن أولى القضايا التي تطرح نفسها، في هذا السياق، هي الجهد التأويلي للعروي نفسه، الذي يود أن يجعل كتابه ديلا يجنب الفكر العربي كل «خلط»، ممكن، بين مفاهيم التراث و مفاهيم الحداثة. لكن يبدو أن الغاية البيداغوجية التي كانت وراء كتابة هذا العمل قد انحلت، وحلت محلها مهمة أخرى تكشف عن ماركس العروي، وفرويد العروي، ونيتشه العروي، وتسد الطريق عن ما أتاحه الثلاثي من إمكانات لقراءة مكر الفكر في اللغة والجسد والمؤسسات: إنها تسد الطريق أمام قراءة تنطلق من كون العمق هو السطح ، وأن السطوح متعددة متوالدة.
تكشف هذه القراءة عن نفحة متافيزيقية تجعل غاية التأويل بلوغ الأصول. الكشف عن الأصل معناه أن الحقيقة هناك، لمن يقدر على كشفها. ميتافيزيقا الأصل هاته تنكشف، لعبد السلام بنعبد العالي، في قراءة «الترجمة الذاتية» للعروي: أي في إقبال المؤلف على ترجمة أعماله الصادرة بالفرنسية، إلى العربية.
ليس الأمر متعلقا بالترجمة في حد ذاتها، لكن في التصور الذي يوجه عمل المؤلف/المترجم. يربط العروي، في مقدمته للترجمة الجديدة ل «لإديولوجيا العربية المعاصرة»، بين الترجمة والتحديث. الترجمة بوابة لتجديد الفكر و تطعيمه بتجارب مغايرة، لكنها عندما تتم بشكل عشوائي غير مسؤول تكون ذات وظيفة عكسية، إذ تعطي الأولوية للنص التقليدي البياني على النص المعرب الركيك (ص، مقدمة الترجمة الجديدة ). بمعنى آخر فهي تكون من أسباب الحفاظ على التقليد. يقدم العروي الدليل على ذلك من خلال ترجمة عمله نفسه، الذي حال المترجم دون أن يبلغ القارئ على النحو الذي قصده المؤلف. من هنا كانت الحاجة لإعادة ترجمة الكتاب و تمكين» القارئ إذن لأول مرة[من الاطلاع] على النص الأصلي لهذا الكتاب»(ص،14].
تثير عبارة»النص الأصلي « إشكالات تتعلق بمصائر النصوص، وصيروة المعاني. يعيد العروي ترجمة كتابه سعيا لاستدراك ما فات في الترجمة الأولى، بعدما لم تفلح توضيحاته، اللاحقة على ترجمة «الإديولوجيا العربية المعاصرة»، في رفع الإلباسات الحاصلة. نقرأ للعروي: « صدرت لي بعده كتابات توضيحية فكان من الممكن استدراك الأخطاء، لكن عوض أن تصحح بالكتابات اللاحقة هفوات الترجمة الأولى، فإن هذه هي التي اعتمدت كأساس لتأويل تلك»(1996،ص14].
يعبر المؤلف عن انزعاجه الشديد من وجود وسيط (المترجم) يتدخل في تحويل أغراض قوله إلى وجهات لم يقصدها هو. ينبغي، إذا، قتل الوسيط، ومخاطبة القارئ دون وساطات.هل ذلك ممكن؟
يلاحظ بنعبد العالي أن التوسطات حاضرة «حتى إن كان المترجم هو المؤلف نفسه، فعلى الأقل هناك توسط المدة الزمنية [ الفاصلة بين سياقي الترجمتين]. لكن هناك توسط اللغة المترجمة»(ص،46). إن النص، رحال يغتني ويفتقر، يعيش حياة تتوالد فيها المعاني، وتتراكم، وتتصادم، تبعا لاختلاف القراء و السياقات...إن القول بالنص «الأصل» معناه القول بالتطابق بين ما يقصده المؤلف وما يفهمه القارئ، معناه القول بغياب الوساطات، وببراءة اللغة من كل مكر...هل يلائم هذا التصور منظرا للإديولوجيا ، مثل العروي، ومؤلفا تتسم نصوصه بكثافة المعاني، وسيادة الإيحاءات؟
من منطق الإسم
إلى منطق الفعل

يركز ع بنعبد العالي في قراءته ل «مفهوم العقل» (1996)، أحد أهم أعمال العروي، على مسألة العلاقة مع التراث، والتي عمل العروي على معالجتها من خلال فحصه لمفهوم العقل في التراث العربي الإسلامي.إن الكتاب يؤشر على تحول في علاقة العروي بالتراث؛ إذ لم يكن الرجل ليعترف بضرورة «الحوار مع التراث، بل و ضرورة تفكيكه». التفكيك، هنا، معناه « أن هذا الكتاب ينطوي على مفهوم عن القطيعة لم يكن الأستاذ العروي ليقبله، وهو أن الانفصال عن التراث ليس عملية تلقائية. كما أنه ليس خصاما و إنما تملكا وإحياء».(ص، 36). لكن المسألة الإشكالية، هنا، تتمثل في قراءة التراث» انطلاقا من مفاهيم غير نابعة من صلبه»( مفهوم العقل،ص 17). مبرر هذا الإجراء، بالنسبة للعروي، نابع من التفاوت التاريخي بيننا وبين الغرب، وهو ما يجعل المفاهيم المستعملة عنده مخالفة لما هو سائد عندنا، لهذا كان لزاما أن تبين الفروق بين ماهو سائد عندنا ( وهو بالأساس موروث)، وما هو مستعمل في الغرب المعاصر من مفاهيم، هي نتيجة مخاضات الحداثة.
كذلك الشأن بالنسبة لمفهوم العقل. يحاور العروي نصوص محمد عبده ومن خلالها التراث العربي الإسلامي، الذي يوحده تصور محدد للعقل؛ تصور يعلو عن الواقع لكنه يوجهه. إنه تصور كلامي، بالأساس، يجعل العلم سابق، ويجعل التعلم مجرد تعرف على ذلك العلم. العقل، إذاً، لاحق على المعقول
« وهذا المعقول السابق على العقل الذي يحل فيه ولا يتولد عنه هو «العلم» بالمعنى المطلق. هذا المعقول يعرف باسم خاص في كل مذهب وهو يسمى الخبر أو الحكمة أو السنة أو التقليد أو سر الإمام أو الكشف»(ص،»38). لا قيمة للعقل الفردي هنا، إلا بعمله في هذا الإطار إذ « ليس منبع المعقولات ولا مصدر المعارف. متى تهيأ العقل الفردي حل فيه العلم بصورة مكتملة مباغتة نهائية». يسمي العروي هذا العقل «عقل الإسم» وهو العقل الذي يهم الفكر وحده، مهما كانت المادة المعقولة، هدفه النظر في شروط التماسك والاتساق» بخلاف هذا العقل ثمة عقل آخر يسميه العروي «عقل الفعل» الذي يهمه « السلوك او الفكرة المجسدة في فعل، هدفه النظر في ظروف مطابقة الوسائل للأهداف المرسومة، أيا كانت»(مفهوم.ع، 358].
يطابق «عقل الفعل» تجربة الحداثة الغربية التي تسمح بالحديث عن العقلانية، المتجسدة في التنظيم الإداري والسياسة والحياة الاجتماعية،.بينما يطابق «عقل الإسم» التراث كما لايزال حاضرا حتى اليوم. على المستوى المرجعي يبدو ابن خلدون كلحظة دالة على إمكانية الانفتاح على عقل الفعل، ذلك لمحاولته فهم القانون المحرك للتاريخ. إلا أن النتيجة لم تخرج عن الإطار العام ل»عقل الإسم»، فالميتافزيقا الأشعرية حاضرة في الفكر الخلدوني ما يجعل تاريخه «تاريخا خارج الزمن، إذ التحول الذي مافتئ ينبه على أهميته، عودة إلى بدوة. الزمن دولة ودورة، فهو شأن حادث ينتفي من ذاته»(مفهوم.ع 360].
إن إمكانية الحداثة تستلزم، في نظر العروي، القطع مع منطق «الإسم» الذي يحد من قدرة وفعالية ومسؤولية الإنسان في عالمه الدنيوي، وبالتالي فإن سبب تعثر المحاولات الإصلاحية يرجع إلى افتقاد الجرأة على الحسم مع منطق «الإسم»/ منطق التراث، وبالتالي التيه في متاهات التوفيق. لكن ألا تقتضي هذه المهمة الإقبال على نقد عقل المطلق؛ ألا يقتضي نقد عقل المطلق تدريب هذا العقل العربي على النقد، على التفكير باستقلال وحرية؟ تدريبه على الجدال العمومي؟ بعبارة أخرى ألا يقتضي ذلك تدريب هذا العقل على التفلسف؟
لعله مضمر قول الأستاذ ع السلام بنعبد العالي
العروي و الفلسفة

يعبر العروي باستمرارعن رفضه الانتماء إلى ساحة الفلسفة. أكثر من ذلك فقد عبر غير مرة عن ازدراء الفلسفة. يظهر ذلك، مثلا، في «مفهوم الحرية» حيث يعتبر قول الفلاسفة في الحرية «تافها». كما يظهر في « السنة والإصلاح» الذي يتضمن أحكاما شديدة القسوة على الفلسفة وأهلها.
هل معنى ذلك انقطاعا للصلة بين العروي و الفلسفة؟
يلاحظ عبد السلام بنعبد العالي، في تقديمه ل «مفهوم العقل»: «من المعروف أن العروي يأبى لكتاباته أن تدرج ضمن الإنتاج الفلسفي، وهو يفضل أن يصنفها، بالأولى، ضمن اجتماعيات الثقافة. وعلى أية حال فإن كان بإمكاننا أن نسلم بأن الكتب الأخرى التي تعرض فيها لسلسلة المفاهيم كمفهوم الأدلوجة ومفهوم الدولة ومفهوم التاريخ هي أقرب إلى اجتماعيات الثقافة، فإن الكتاب الذي بين أيدينا كتاب في الفلسفة، منهجا ولغة ومضمونا وموضوعا، بل إن صاحبه يبين عن تمكن كبير واطلاع واسع على الفكر الفلسفي عربيه وغربيه، لذا فهو حوار مزدوج مع التراث الغربي و التراث الإسلامي»( ص35). فهل يكفي أن يتبرأ العروي من الفلسفة حتى تتبرأ منه؟ أليست التاريخانية، التي طالما تبناها العروي فلسفة؛ أليست بالأحرى فلسفة ضد الفلسفة؟
ينشغل العروي بمسألة الحداثة، بالمفارقات التي تطبع الفكر العربي المعاصر فيكشف عن جذورها في التراث، ثم يدعو للقطع مع التراث والانخراط في تجربة الحداثة بما هي دعوة للعمل الذي يقوده الإنسان بإرادة ومسؤولية. ويتم استبعاد الفلسفة من هذا الرهان، كأن تجربة الحداثة الغربية قد تمت بمعزل عن الفعل الفلسفي؛ وكأن مفاهيم الحداثة قد تمت بعيدا عن ساحة الفلاسفة.
تواجهنا نصوص العروي بمفارقة وهي: استيعاب العروي الجيد للنصوص الفلسفية المؤسسة لمفاهيم الحداثة واستثمارها في بناء تصوراته. ومن جهة ثانية ازدراؤه المتكرر للفلسفة. أليس ذلك صدى للأطروحة XI من «الأطروحات حول فيورباخ»4؟.
يلاحظ أحد نقاد العروي: « أما تاريخانية العروي فرغم إقرار صاحبها بنفوره من الفلسفة، فإنه في نظرنا ينسج خطابه في دائرة الفلسفات السياسية الحديثة و المعاصرة، الليبرالية و الماركسية. ثُم إن تصوره لوظيفة الفلسفة يقف عند التصورات التي بلورتها الماركسية التاريخية ولا يتعداها، ومن هنا دفاعه المستميت عن دعوته المتمثلة في ضرورة تمثل مكتسبات الحداثة الغربية في الفكر والعمل، من أجل أن نتمكن من المساهمة في إغناء الحضارة الإنسانية»5.
لا تخالف قراءة بنعبد العالي هذه الملاحظة، بل إنها تؤكدها من خلال حفرها العميق في نصوص العروي المستعصية، بفضل كثافتها وتجريديتها. فقراءة «مفهوم الإديولوجيا»، مثلا، تبين أن ثمة تأولا خاصا للنصوص المؤسسة للمفهوم، وبالتالي تسمح بالقول إن مفهوم الإديولوجيا ليس إلا فلسفة للإديولوجيا. ألا يمكننا أن نقول نفس الشئ عن مفهوم العقل ومفهوم الدولة ومفهوم التاريخ، ومفهوم السنة... وإجمالا مفهوم الحداثة الذي تدور في فلكه كل هذه المفاهيم.
ملاحظة أخيرة
كيفما كان تصور العروي للفلسفة، ولوظيفتها ، فإن نصوصه لا زالت محركا أساسيا للتفكير الفلسفي في القضايا العمومية التي طلقها «الفلاسفة» بدعوى التخصص، أو التعفف،أو غير ذلك.
إحالات:
1. عبد السلام بنعبد العالي، التاريخانية والتحديث، دراسات في أعمال لعبد الله العروي، دار توبقال، الدار البيضاء،2010.
2. أنظر حوار العروي مع مجلة آفاق لاتحاد كتاب المغرب، ع 3 4 ،1992.
3.مشيل فوكو، نيتشه فرويد ماركس، ضمن، جنيالوجيا المعرفة، ترجمة، سالم يفوت،دار توبقال1988،ص،37.
4. نقرأ في الأطروحة XI لماركس:»لم يعمل الفلاسفة سوى على تفسير العالم بطرق مختلفة، الأهم هو العمل على تغييره».
5.كمال عبد اللطيف، درس العروي، سلسلة «المعرفة للجميع» ،ع11، 2009، ص،117.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.