إن الانطلاق من الواقع واستغلاله حتى يصبح وسيلة فعالة للتوعية، يلزم وحدات نشطة من أفكار، ورؤى، وإبداع متكامل، وغير ذلك من الوحدات التي تتداخل فيما بينها لبناء التركيبة العامة للشخص الذي يريد استعمال هذه الوسيلة وتوجيهها توجيها صحيحا ومؤثرا، هذه الوحدات تتعدد وتتباين حسب نوعية التوجه العام للنهج التوعوي المراد استخدامه للوصول إلى فكر الآخر. كما أن إبرازه ومعالجته حتى يتماهى معه الآخر يحتاج إلى مجهود كبير ودراية أكبر بمكامن القوة والضعف فيه وقراءته من زوايا متعددة ومختلفة، وتلزم هذه العملية أدوات فكرية وثقافية وفنية... تساعد على تبسيط المهمة وجعلها أكثر سهولة وسلاسة، حتى يكون الفعل ورد الفعل ممارسة محكومة بخلفية ذات قيمة هادفة ومسؤولة. وما السينما إلا وسيلة من هذه الوسائل التي تولد من رحم الواقع وتتخلق من خلاله لتصبح قادرة على أداء مهمتها دون خلل في الممارسة والنهج الإبداعي، فالسينما أولا وأخيرا منهج توعوي خلاق يسعى إلى تقويم الفرد وإرشاده انطلاقا مما يعيشه ويحسه، وهنا يكمن التأثير الحقيقي للسينما كصورة قادرة على البناء والتشييد. السينما طائر بلا وطن، يرحل ويتنقل دون حدود أو قيود، إن تأثيرها أعمق وأوسع بالنظر إلى وظيفتها الإبداعية، إذ نجد مكوناتها الأساسية مبنية على هياكل تقويمية بمثابة ترياق للمجتمع المتعطش الظامئ إلى ثقافة الصورة وأبعادها المترامية، ومن هنا تتضح قوة وتأثير السينما بصفتها أداة تقيمية لفكر وثقافة الجماهير. إلا أن هناك اتجاهات تخرج عن هذا الإطار وتحكمها قواعد أخرى ليست لها بالضرورة التزامات جدية مع قضايا المجتمع الذي تنتمي إليه لتظهر فوق السطح أفلاما تافهة تكون بمثابة أداة للربح والثراء فقط، تتوجه إلى جيب الجمهور بدل فكره، مما يجعلها تتجرد من كل السلط التأثيرية التي هي من المفروض أن تتصف بها، وهذا النوع سرعان ما يتلاشى من ذهن المتلقي فور خروجه من صالات العرض، أما الأفلام الجدية النابعة من أعماق المجتمع بواقعه الطبيعي غير منمق، تكون عنصرا فعالا في تأسيس بنية مجتمعية سليمة قادرة على استيعاب رسالة الصورة من خلال عملية الممارسة التواصلية والتفاعلية معها، ومن بين هذه الأفلام، أفلام الهواة التي تلتزم بالكشف عن ملامح الواقع وسماته المهمشة، وتحاول الخروج من الارتباط الانطباعي بعوالمه السحيقة والمهجورة، والارتباط بها ارتباطا نقديا شاملا، عبر حركة دينامية راقية، يستحضر فيها الحس الإنساني الصادق البعيد كل البعد عن الأسلوب الكلاسيكي في نقل التركيبة العامة لهذه العوالم. على النقيض من السينما التجارية يتجه الهواة إلى الاندماج مع الجماهير وتطلعاتهم،والابتعاد عن الشباك مما يعطيهم مصداقية أكثر في نوعية المواضيع التي يطرحونها والتي تكون في الغالب مرآة للمجتمع بمشاكله الاجتماعية والسيكولوجية والفكرية التي يعاني منها. إلا أن المناخ الاقتصادي يلعب دوره في تثبيت هذه النوعية من الأفلام أو تأزيمها، فبنيتها التحتية تحتاج إلى تمويل ولو محدود لتحقيق الاستمرارية، لكن للأسف، فأمام التهميش المستمر التي تعاني منه ستصبح بدون شك غير قادرة على تأدية مهامها بطريقة فعالة، كما أن نقص أو انعدام الفضاءات اللازمة لعرض هذه الأفلام يساهم في تقليص مستوى انتشارها ويحده داخل فئة معينة دون غيرها، غير أننا يجب أن نثمن بعض المبادرات على قلتها التي سعت إلى خلق متنفس لهذه الأفلام والإقلاع بها عبر توفير المجال الخصب لتكوين عشاقها ومساعدتهم على عرض أعمالهم أمام أكبر عدد ممكن من المهتمين، ومن بين هذه المبادرات، مبادرة جمعية "الفن السابع" بمدينة سطات المغربية التي تحتضن مهرجانا وطنيا خاصا بأفلام الهواة سعت من خلاله إلى تبني "خريطة طريق" لإعطاء الهواة السينمائيين حقهم في عرض أعمالهم من جهة، والاستفادة من خبرات سينمائيين محترفين ومتمرسين من جهة ثانية، عبر تنظيم دورات تكوينية وخلق ورشات عمل مكثفة، وقد وصل عدد دوراته إلى حدود هذه السنة أربع دورات مما يعكس قدرة منظميه على تكريسه كموعد سنوي قار وقادر على ربط الاتصال بعمق بين الهواة ومريديهم . إن طموح القيمين على هذه التظاهرة يتجاوز الأجواء الاحتفالية للمهرجان إلى السعي وراء بناء أجيال قادرة على التعامل مع السينما تعاملا تربويا وثقافيا وذلك من خلال تعزيز الآليات الضرورية لذلك، وتوفير أرضية صلبة قادرة على التحمل والمكابدة في سبيل الابتعاد عن السكونية والتفرج، وبالتالي الانخراط في الأجواء العامة التي تحكم مجتمعنا بأعمال هادفة قادرة على العيش والتعايش مع جميع الفئات. مهرجانات عدة انبثقت هنا وهناك دون إضافة تذكر إلى المشهد المهرجاناتي المغربي، اهتمت بالشكل فقط وتركت الجوهر العام لمثل هذه التظاهرات والهدف من تأسيسها، مهرجان الهواة بسطات حاول الاندماج بقوة داخل هذا المشهد بل خلق لنفسه كرسيا ثابتا فوقه يستطيع من خلاله الإطلالة بحرية على الأفق المستقبلي للسينما الوطنية، في حوار سابق كنا قد أجريناه مع مديره الأستاذ ضمير الياقوتي وضح خلاله الإضافة النوعية التي تضيفها هذه المبادرة إلى المجال السينمائي بالمغرب حيث قال: "أعتقد أن تبصر الجمعية دفعها لسد فراغ هائل بالمغرب، فبدل التفكير في إضافة تلوين آخر لتصور قائم الذات عمل مهرجان سطات على إيجاد عنوان (adresse ) لفئة لم يكن لها عنوان من قبل. عنوان لهوية و انتماء ، عنوان وموعد سنوي يتم خلاله العرض و التبادل والتنافس و التكوين النظري و التقني. إن جمعية الفن السابع و هي أحد منظمي مهرجان سطات لا تقتصر على التنظيم الجيد لأنشطة تدوم خمسة أيام في السنة. إنها تعمل من أجل توفير فرص لحضور تصوير أفلام دولية لبعض الهواة المغاربة و تبحث عن فرص دولية لعرض بعض أفلامهم وتساهم في إنتاج أفلام هواة و لها أنشطة سينمائية جد متنوعة تسعى إلى تحقيق تراكم المشاهدة و النقاش و لها مشاريع مهمة لخلق بنية تخدم مجال الإبداع الفيلمي الهاوي بالمغرب". من هنا نستشف طموح الجمعية على تجاوز أعتاب الترفيه والمتعة المجانية إلى تأطير السينمائيين الهواة وإدماجهم داخل بوتقة احترافية تتسع للجميع عبر التكوين النظري والتقني، وللإشارة فقط، فقد تم إسدال الستار عن هذه الدورة بمنح الجائزة الكبرى للمهرجان لفيلم "ليست غلطتي" للمخرج محمد منة، والجائزة الثانية لفيلم "مدارك" للمخرجة سكينة هاشم، ثم الجائزة الثالثة لفيلم "التفاحة الحمراء" للمخرج مراد خلو. بقلم:زويريق فؤاد ''الفوانيس السينمائية'' نرجو التفضل بذكر المصدر عند الاستفادة