كأس العرش لكرة القدم (موسم 2023-2024) .. المغرب التطواني يتأهل لدور الربع بتغلبه على الوداد الرياضي (1-0)    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    خريبكة.. توقيف ثلاثيني بحوزته أزيد من 2400 قرص مهلوس من نوع "ريفوتريل"    الأسرة الكروية المغربية تودّع محسن بوهلال بكثير من الحزن والأسى    رسميا .. باريس سان جيرمان يتوج بالدوري الفرنسي    دورو يطفئ حلم الليغا في اللحظات الأخيرة    مهندسة مغربية تفضح مسؤولاً بارزاً في مايكروسوفت خلال احتفال رسمي: تدعمون إبادة غزة    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    مجلس حقوق الإنسان بجنيف يعتمد قرارا قدمه المغرب بشأن تمكين النساء في المجال الدبلوماسي    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي تقيل نائب الرئيس الإيراني    فيديو يوثق استهداف إسرائيل لمسعفين    إقليم شفشاون.. أربعيني يُنهي حياته في ظروف غامضة    العثور على جثة اربعيني تطفو فوق مياه بحيرة مارتشيكا بالناظور    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    مركز يدعم التمدرس في وضع إعاقة    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    ندوة صحافية لتقديم النسخة الثامنة من ماراطون الرباط الدولي    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    دعوات للمشاركة المكثفة في مسيرة "الرباط الوطنية" للتنديد بالمحرقة المرتكبة في غزة    "لارام" والموريتانية للطيران تبرمان شراكة استراتيجية لتحسين تجربة السفر    ترامب لا يمنح الهدايا.. لماذا لا يمكن للمغرب أن يعوّل على حرب تجارية غير متكافئة؟    كلميم.. القضاء يدين عدة مسؤولين بينهم رئيس الجماعة بالسجن النافذ في قضية تبديد واختلاس أموال عمومية    المنتخب الوطني للسيدات لأقل من 17 سنة يتعادل مع نظيره الكيني    سفير جمهورية السلفادور: المملكة المغربية تعد "أفضل" بوابة للولوج إلى إفريقيا    عرض مناخ الأعمال وفرص الاستثمار في المغرب خلال ملتقى بباريس    خبراء "نخرجو ليها ديريكت" يناقشون موضوع انتشار الوسطاء والشناقة داخل الأسواق    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    حصيلة الزلزال في بورما تتجاوز 3300 قتيل    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    ماذا بعد استقبال مجلس الشيوخ الفرنسي لحكومة جمهورية القبائل؟    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    الركاني: من يدعم فلسطين توجه له تهم جاهزة وعواقب وخيمة ستلاحق كل من تواطئ لجعل غزة مسرحا للجريمة    إسبانيا.. العلاقات مع المغرب من بين "الأقوى عالميا" ولا تقارن إلا بالعلاقات الأمريكية البريطانية    عاملة نظافة ضحية "استغلال بشع" بأجر 250 درهم شهريا    مغاربة يطالبون بإلغاء الساعة الإضافية (فيديو)    بيل غيتس: 3 مهن ستصمد في وجه الذكاء الاصطناعي    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    المغرب يعزز جاهزيته الأمنية لتنظيم كأس العالم 2030 وكأس إفريقيا 2025    مولر يعلن الرحيل عن بايرن ميونيخ    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    فشل محاولة ''حريك'' 3 لاعبين من المنتخب الأوغندي للفتيان خلال إقامتهم بكأس إفريقيا بالجديدة    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    مشاركة مغربية بصالون الفرانكفونية    المغرب فرنسا.. 3    النيابة العامة تقرر متابعة صاحب أغنية "نضرب الطاسة"    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عَفْواً السّيدُ الوَزير…
نشر في الدار يوم 11 - 12 - 2019

هل توجد في المغرب " حياة ثقافية " فاعلة ودينامية بالمعنى الحقيقي للعبارة، وكما هو موجود ومتعارف عليه في الكثير من الدول، المتقدم منها وغير المتقدم، والتي جعلتْ من الثقافة أولوية وحاجة قصوى في بناء الإنسان وتنمية المجتمع تنمية سليمة، حتى تكون له وزارة خاصة بالثقافة، تبرر، على الأقل، صَرْفَ هذا القدر من المال ولو كان هزيلا ؟ طالما حيرني هذا السؤال الذي لم أعثر له بَعْدُ على جواب يشفي الغليل ويبرر لي أيضا هذا الربط " القَسْري " والجائر أحيانا، في المغرب وفي الكثير من الدول العربية بين الثقافة والوزارة ؟ إلى درجة أن الكثير من المغاربة والسياسيين منهم على الخصوص، بمن فيهم المتعلمون، حتى لا أقول المثقفين، لديهم اعتقاد راسخ في أن وزارة الثقافة، كمؤسسة رسمية، هي من تمثل الثقافة، وأن وزيرها هو المسؤول المباشر والرئيس الفعلي لكل الكُتّاب والشعراء والمفكرين والمبدعين والفنانين وكل من له صلة بمجالات الإبداع والإنتاج الفكري والفني والكتابة، وأن على هؤلاء جميعا عدم التحدث باسم الثقافة، ومن ثَم، تكون طاعتُهم للوزير فرْضا وطنيا ومسألة مؤكدة وواجبة.
وحتى لا يُفْهَمَ من كلامي هذا بأني أسعى إلى تبخيس الثقافة المغربية، وأستكثر عليها مسألة أن تكون لها وزارة خاصة، أو أني أستكثر على الوزارة نفسها أيضا بأن تكون جديرة بإدارة وتدبير شؤون هذه الثقافة، يكون من الضروري القول بأنه ليست لي شخصيا نزاعات أو صراعات يمكن أن تكون ذاتية أيضا مع السيد وزير الثقافة الحالي، الذي أكن له كامل الاحترام والتقدير، ولا مع من سبقه من الوزراء، وليست لي كذلك أسباب معينة لأكون حاقدا أو متحاملا على أيّ كان، لكن خارِجَ هذا الاعتقاد المغلوط الذي كرسَتْه الحزبيات والرسميات وأشكال المساطر والبروتوكولات الإدارية التي قد تعمل بوسائلها وآلياتها الخاصة على تحجيم الرؤى وطبيعة الثقافة نفسها، يكون من واجبي هنا، بصفتي مواطنا مغربيا وواحدا من المنتمين إلى الحقل الثقافي المغربي، أن أفَتْحَ هذا القوس، وأهمس من خلاله في الأُذُن الرسمية كذلك للسيد وزير الثقافة ببعض الرسائل والملاحظات والتساؤلات، محاولا الإشارة فقط إلى العديد من الاختلالات المزمنة والمتأصلة في جسد وزارة الثقافة المغربية وما تزال ملتصقة بها، هي المؤسسة التي تعاقب على رأسها ومسؤوليتها، منذ الاستقلال إلى الآن، الكثير من الأشخاص والأسماء، منهم المتحزب والتقنوقراط، الكاتب والمفكر والشاعر والفيلسوف، حيث تغيرت الدنيا ولم يتغير حال الوزارة، بالرغم من تعاقب كل هؤلاء على رأسها وجها بوجه، والقليل منهم فقط ترك بعض البصمات على عملها وبعض إنجازاتها، ولو بشكل محتشم وغير مُتّصل بتاتا، ظلتْ تطبعه القطيعة وعدم الاستمرارية، بالرغم من ميزانيتها الهزيلة، والتي أضحتْ تُعرف في المغرب بوزارة " ثلاثة في المائة " من الميزانية العامة للدولة، أو وزارة " صفر فاصلة شي حاجة "، إلى درجة أن أحد السياسيين المغاربة سبق وأن شبه ميزانية وزارة الثقافة المغربية ب " ميزانية أصغر مَحْلَبة في أوروبا "، وتلك قصة أخرى.
مع ذلك، فمسألة ميزانية وزارة الثقافة، بالرغم من هزالتها في نظرنا المتواضع، لا ينبغي أن تظل بمثابة تلك الشماعة الوحيدة التي نعلق عليها عدم قدرة هذه الوزارة على تحقيق دفعات نوعية وقوية للثقافة المغربية بمكوناتها المادية واللامادية، ولو أن تنفيذ الاستراتيجيات والمشاريع الثقافية الكبرى والنوعية يحتاج بالضرورة إلى ميزانية ضخمة كذلك، إلا أن هناك الكثير من الأشياء الأخرى التي لا تحتاج بالضرورة إلى ميزانية من حجم كبير، وخصوصا في ما يتعلق بالمسؤولية الشخصية للوزراء وطريقة تدبيرهم لشؤون وزارتهم، من خلال الاختيارات الجيدة والموضوعية والنزيهة للموارد والطاقات البشرية ( التعيينات والتكليفات في المهام ومناصب المسؤولية ). إذ تحتاج هذه المسؤولية فقط إلى بعض الحياد والموضوعية والصرامة والغيرة على الثقافة، انطلاقا من اختيارات صائبة لهذا الوزير أو ذاك في تشكيل مستشاريه وعناصر محيطه وطاقم عمله ومديري ومسؤولي مصالحه المركزية والجهوية والإقليمية.
إذ يكفي القيام بمسح بسيط لطبيعة وممارسات بعض هؤلاء المديرين والمسؤولين، مركزيا وجهويا وإقليميا، في قطاع الثقافة، عبر الحكومات المتعاقبة، لنقف على هذا الكم الهائل من الاختلالات، مما أَضَرّ كثيرا بالوزارة وبالثقافة المغربية نفسها، هي القلعة المنيعة، إلى جانب قطاع التربية والتعليم، الذي ينبغي أن تظل بعيدة كل البعد عن كل أشكال هذه الاختلالات، وهي القطاعات الحافظة والضامنة أساسا للهوية المغربية، والشخصية المغربية، والمواطن المغربي الذي ينبغي أن يجد في الثقافة والتربية والتعليم الصمّام الحقيقي لحمايته من كل أنواع التحديات والمخاطر، مما يجعل مسؤولية وزارة الثقافة كبيرة وذات أهمية في نشر الثقافة والفكر الجادّيْن، بما يقتضي ذلك من تشجيع النشر والإبداع كمّا وكيفاً وتكريس امتداداتهما في كل المؤسسات الثقافية والشبابية، تحصينا لبلدنا من كل أشكال المد الديني والإيديولوجي المتطرف الذي أصبح يجد بسهولة فرائسه السهلة و" جُنُودَه " المخلصين بشكل أعمى داخل تعليم هش وثقافة مهلهلة ما زالت دون مستوى التحديات.
وبالرغم من إيماني العميق بأن هناك العديد من الشرفاء وذوي الكفاءات والضمائر الحية الحقيقية داخل الوزارة نفسها، لديهم فعلا هذه الرغبة الحقة في خدمة مبادئ الوطن وقيمه السامية وصيانتها، فإنني أتوق فعلا لرؤية إستراتيجية ثقافية واضحة تندرج في سياق صناعة ثقافية حقيقية بدل الاكتفاء بثقافة المهرجانات والصالونات، إذ المطلوب أن يصبح الهم الثقافي هما مجتمعيا يتجاوز المؤسسات التابعة لوزارة الثقافة إلى التعليم والإعلام والصحة، وما إلى ذلك من امتداد مجتمعي، وهو ما يقتضي الرهان على الأسماء والكفاءات الحقيقية في شتى القطاعات.
وبما أن "النوايا الحسنة " وحدها لا تكفي للإصلاح وتخليق التوجهات والممارسات في قطاع الثقافة وغيرها، فسيكون من الضروري، بل من الواجب الوطني أيضا، ترجمة هذه النوايا إلى حقائق ملموسة وتنزيلها في الواقع بما لا يترك مجالا للشك أو للقيل والقال. وهنا إشارة أولية إلى بعض أشكال الاختلال التي ظلتْ وما تزال تعاني منها وزارة الثقافة المغربية بوزرائها المُتعاقبين وسياساتها المتتالية، وما نراه مناسبا وموضوعيا ومنطقيا أيضا فيما ينبغي أن تكون عليه هذه الوزارة:
بغض النظر عن كثرة المديريات الجهوية والإقليمية للثقافة، فإن القليل منها من يشتغل بمثابرة واجتهاد إبداعيين، إذ يغلب على عمل الكثير من المدراء الجهويين والإقليميين الرتابة والارتجالية في البرمجة والتنظيم، دون انفتاح حقيقي على باقي المؤسسات المنشغلة بالسؤال الثقافي، ناهيك عن حضورهم الباهت في الإنترنت والبث التفاعلي في زمن يكاد يصبح بكامله رقميا ومُعولما، خاصة أمام عزوف المواطنين المغاربة عن القراءة والتداول الفكري والثقافي، فكم من مديرية للثقافة لها موقع على الإنترنت وعلى موقع يوتوب والفيسبوك؟ وكم منها يطبع أشغال وفعاليات المهرجانات والملتقيات في كتب ومنشورات ؟ سنجد الحصيلة هزيلة جدا ومخجلة من دون شك.
تحتفل الدول العظمى سنويا بالدخول الثقافي الجديد، من خلال عرض إستراتيجية وزارة الثقافة أو المؤسسات ذات الصلة من دور نشر ومكتبات وطنية وملحقاتها المؤسساتية، عبر تبني خط تصاعدي في النشر والتوزيع كمّا وكيْفا، فهل وزارتنا راضية على الدخول الثقافي المحتشم سنويا، خاصة أمام تدني مستوى القراءة ببلدنا وتدني أرقام الكتب المنشورة ؟ ناهيك أننا لم نتجاوز سقف 1000 نسخة، على أكثر تقدير، للعناوين المنشورة لكل كاتب، إذ الملاحظ، لا على مستوى المجلات أو الكتب المدعمة من قبل وزارة الثقافة، أن عددها لا يتجاوز 500 نسخة.
يقتضي العمل المؤسساتي الرصين، إيلاء الكثير من العناية والأهمية للجانب الإحصائي والتوثيقي، فكيف لا نجد دراسات وأنطولوجيات وببليوغرافيات للإصدارات المغربية في شتى المجالات، خاصة وأن الكثير من كتب المغاربة تنشر في الخارج، ولا تجد منها نسخا حتى في المكتبة الوطنية؟
فما هي إستراتجية وزارة الثقافة في سياق ما بات يعرف عالميا بالصناعات الثقافية، خاصة أمام قلة ما يُنشر، وصعوبة التوزيع وطنيا، أما عربيا، فالكتاب المغربي يعاني من حيف كبير؟
لم أقتنع لحد الساعة، كمواطن مغربي ينتمي إلى حقل الثقافة المغربية، بأن الكثير من التعيينات والتكليفات التي تتم في بعض مواقع المسؤولية والمهام داخل وزارة الثقافة ( مركزيا وجهويا وإقليميا ) هي ترجمة وفية للرجل/المرأة المناسب/ة في المكان المناسب.
أحتاج فعلا إلى من يقنعني بالدليل القاطع أيضا بأن الكثير من أشكال الدعم المقدمة من طرف وزارة الثقافة لمشاريع الأشخاص والجمعيات والمؤسسات في مجالات الكتاب والتظاهرات والمشاريع الثقافية والفنية، هي أشكال ومَبالِغ دعم مستحقة، بسبب اللجان التي يتم تكليفها واختيارها لهذا الغرض، سواء بالنسبة إلى الدعم ( الكتاب، المجلات، الموسيقى، المهرجانات الفنية، المشاريع الثقافية…إلخ) أو بالنسبة إلى " جائزة المغرب للكتاب "، هي اللجان التي كانت وما تزال موضع تساؤل كبير في عمل الوزارة، وموضع استنكار واحتجاج واسعين من لدن العديد من المتضررين والمقصيين والمغضوب عليهم من المثقفين والكُتّاب والفنانين والفاعلين الثقافيين والفنيين المغاربة، والوقائع والأمثلة في هذا السياق كثيرة ومعروفة.
إن مسؤولية ضمان أن تتم هذه التعيينات والتكليفات في مواقع المسؤولية داخل الوزارة، وكذلك توجيه الدعم إلى من يستحقه، وبالقدْر الذي يستحقه، على أساس الاستحقاق والكفاءة وجودة المشاريع ونوعيتها وعمقها فقط، تقتضي، بالضرورة وفي المَقام الأول، وضع لجان تتمتع بالكفاءة والنزاهة والموضوعية والحياد والمصداقية اللازمة نفسها لمثل هذه المهام. إذ أصبحت العديد من الوجوه، وأغلبها غير معروفة في الوسط الثقافي والفني المغربي، مقيمة بشكل شبه دائم في لجان وزارة الثقافة، تتكرر في كل مهمة وكل مناسبة، ناهيك عن الكثير من المدعوات والمدعوين إلى مناسبات وتظاهرات الوزارة في الداخل والخارج، حيث لا اعتبار في ذلك، وفي الكثير من الحالات، سوى للصداقات والعلاقات والمصالح المتقاطعة، والتي للتاريخ، يمكن القول أن السيد وزير الثقافة الحالي، يحاول جاهدا تجاوز هذه الأعطاب والاختلالات.
كيف يُعقَل، على سبيل الحصر لا التعميم، أن يكون عضوا في لجنة تحكيم دعم الكتاب المغربي من ليس مكرسا ثقافيا وفكريا، وطنيا وعربيا، ولا يتوفر على تجربة ذات الاعتبار؟ أو عضوا في لجنة تحكيم " جائزة المغرب للكتاب " من هو حديث العهد بالفكر والبحث والإبداع، وفاقد لأهلية الحُكْم على تجارب أسماء أفنت عمرها في البحث والكتابة والإبداع بالكثير من الجهد والعمق والمكابدة ؟
وإن كنا نحترم، هنا حقيقة، كل المجهودات المبذولة من طرف الوزارة في تنظيم المعرض الدولي للكتاب، بما يتيحه من فرص مهمة للتشجيع على القراءة وتداول الكتاب وحضور ندوات وأنشطة ثقافية وفكرية موازية مهمة، فإننا نعتبر ذلك غير كاف بالنسبة لحجم وشساعة وغِنى المنتوج الثقافي والفكري والإبداعي المغربي، لذلك يكون من الضروري، في هذا السياق، زيادة حجم الدعم المادي المخصص للمعارض الجهوية للكتاب وتطوير تصوراتها وبرامجها وتدبيرها، حتى يجد الكُتاب والمفكرون والباحثون المغاربة، ممن لم يستطع المعرض الدولي للكتاب استيعاب إصداراتهم ونشاطهم الإبداعي والفكري، فرصا أخرى لعرض منتوجهم والتواصل مع المهتمين وعموم القراء والباحثين.
هل يُعقَل أن تظل جائزة الكِتاب التي تحمل اسم المغرب ( البلد بقامته الشامخة ) متواضعة وغير ذي قيمة إلى هذا الحد، سواء بالنسبة إلى آفاقها وامتداداتها ( النشر والتوزيع )، أو بالنسبة لقيمتها المادية الهزيلة التي لا تليق باسمها ولا بقيمة الحاصلين عليها و " لا تسمن ولا تُغْني من جوع " ؟ جائزة أقل ما يقال عنها أنها رمزية. ألا تعيش وزارة الثقافة المغربية على هذا الكوكب وتأخذ العبرة والمقاييس ومواصفات الجوائز العربية المحترفة والمحترمة من دول الخليج على سبيل المثال لا الحصر ؟ مع أخذنا، طبعا، بعين الاعتبار الكثير من الملاحظات التي تم توجيهها لهذه الجوائز، لكنها تظل، على الأقل، بالنسبة إلى وضعنا المغربي الراهن نموذجا وقدوة. فهناك جائزة " البوكر العربية " ( الجائزة العالمية للرواية العربية)، حيث يتم ترشيح قائمة طويلة من الأعمال، ليستخلص منها قائمة قصيرة ونهائية من ستة أعمال روائية تتنافس فيما بينها على الجائزة، فيما تمنح الرواية الفائزة مبلغ خمسين ألف دولار أمريكي ( يعني حوالي خمسمائة ألف درهم بالعملة المغربية )، إضافة إلى عشرة آلاف دولار ( مائة ألف درهم ) لكل رواية من الروايات الست ضمن القائمة القصيرة، بينما لا تتجاوز القيمة المادية لجائزة المغرب للكِتاب مئة وعشرون ألف درهم.
وهناك جائزة " كتارا للرواية العربية " التي تهدف إلى ترسيخ حضور الأعمال الروائية العربية المتميزة عربياً وعالمياً، وإلى تشجيع وتقدير الروائيين العرب المبدعين لتحفيزهم للمضي قدماً نحو آفاق أرحب للإبداع والتميز، إذ تلتزم الجائزة بالتمسك بقيم الاستقلالية والشفافية والنزاهة خلال عملية اختيار المرشحين، كما تقوم بترجمة أعمال الفائزين إلى اللغة الإنجليزية والإسبانية والفرنسية، وتحويل الرواية الصالحة فنياً إلى عمل درامي مميز، ونشر وتسويق الروايات غير المنشورة، حيث تَفتح الجائزة باب المنافسة أمام دور النشر والروائيين على حد سواء، بما فيهم الروائيون الجدد الذين لم يتم نشر أعمالهم الروائية، وهناك نماذج أخرى متقدمة لجوائز الفكر والبحث والإبداع في العالم العربي على وزارة الثقافة المغربية أن تأخذ منها المواصفات والمقاييس والعبرة. أين يكمُن المشكل ؟ هل في غياب الإرادة أم في قصور الرؤى والتصورات ؟
ليس إعطاء النموذج من هذه الجوائز ، هنا، بالخبر الجديد أو بالفتح المُبيِن، وأَعْلَمُ بأن الوزارة تعرف هذا النوع من الجوائز حق المعرفة، وهي ليست في حاجة لأن يُذَكّرها أحدٌ بها أو يُقدّم لها النصيحة، لكن حقي في السؤال، ككل مواطن مغربي، يظل مشروعا، مهما اختلفتْ وتباينتْ المواقع والمسؤوليات بيننا كمواطنين مغاربة مِنْ ثَمّ، أعود وأقول: أين نحن فقط من هذه الجوائز العربية المميزة ؟ وأين وزارة الثقافة المغربية من غِنَى وتَراكُمِ وتَعدُّدِ الإنتاج الأدبي والفكري والعلمي والفني المغربي، لتبرزه وتكَرِّسه وتنشره محليا وعربيا أولا، كي يتمكن من الوصول بعد ذلك إلى الانتشار الواسع وإلى العالمية ؟
هذا " غيْضٌ من فَيْض" كما يقال، آملين أن يتم تدارك كل هذه الاختلالات في وزارة الثقافة المغربية، وأن يتسع صدر السيد الوزير المحترم إلى همومنا وملاحظاتنا واقتراحاتنا وشكوانا وانتقاداتنا النابعة من حبنا وإخلاصنا غير المشروط للوطن ولثقافته المتعددة والمجيدة، مع تنويهنا بمبادرته الرامية إلى عودة "مجلة الثقافة المغربية" و "مجلة المناهل" إلى الصدور بتصورات جديدة. إن غايتنا القصوى، في هذا الإطار ، هي أن نستيقظ كل يوم ونجد الثقافة المغربية مثل عروسة يمتلئ كفها بالفراشات والوطن مثل حديقة ملونة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.