مشاركة مغربية بصالون الفرانكفونية    بورصة وول ستريت تهوي ب6 بالمائة    سياحة المغرب تستعد لأمم إفريقيا    وقفة مغربية تدين الإبادة الإسرائيلية في غزة و"التنفيذ الفعلي" للتهجير    "لبؤات الأطلس" يهزمن تونس بثلاثية    شراكة ترتقي بتعليم سجناء المحمدية    ‪تبادل للضرب يستنفر شرطة أكادير‬    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    الإعلام البريطاني يتغنى بحكيمي: قائد حقيقي يجسد التفوق والتواضع والإلهام    ضربة جوية مغربية تسفر عن مقتل أربعة عناصر من "البوليساريو" شرق الجدار الأمني    في منتدى غرناطة.. عبد القادر الكيحل يدعو إلى تعبئة برلمانية لمواجهة تحديات المتوسط    الطقس غدا السبت.. تساقطات مطرية ورياح قوية مرتقبة في عدة مناطق    حادث سير يُصيب 12 جنديًا من القوات المسلحة الملكية بإقليم شفشاون    حزب الحركة الشعبية يصادق على أعضاء أمانته العامة    مديونة تحتضن الدورة الرابعة من "خطوات النصر النسائية"    أسود القاعة ضمن الستة الأوائل في تصنيف الفيفا الجديد    ترامب يبقي سياسته الجمركية رغم الإجراءات الانتقامية من الصين    الممثل الخاص للأمين العام للحلف: المغرب شريك فاعل لحلف شمال الأطلسي في الجوار الجنوبي    مشاريع سينمائية مغربية تبحث عن التسويق في "ملتقى قمرة" بالدوحة    تطورات جديدة في ملف بعيوي والمحكمة تؤجل المحاكمة إلى الجمعة المقبل    الملياني يبرز أبعاد "جيتيكس أفريقيا"    الحكومة تمكن آلاف الأجراء من الاستفادة من التقاعد بشرط 1320 يوما عوض 3240    انطلاق أشغال الندوة الدولية بالسعيدية حول تطوير الريكبي الإفريقي    جلالة الملك يهنئ رئيس جمهورية السنغال بمناسبة الذكرى ال65 لاستقلال بلاده    رغم اعتراض المعارضة الاتحادية على عدد من مقتضياته الحكومة تدخل قانون العقوبات البديلة حيز التنفيذ في غشت القادم    إير أوروبا تستأنف رحلاتها بين مدريد ومراكش    بورصة الدار البيضاء تنهي تداولاتها بأداء سلبي    "البيجيدي" يطلب وزير التجارة إلى البرلمان بهدف تحديد تأثير رسوم ترامب التي بقيت في حدها الأدنى على صادرات المغرب    تعادل أمام زامبيا في ثاني مبارياته بالبطولة .. منتخب للفتيان يقترب من المونديال ونبيل باها يعد بمسار جيد في كأس إفريقيا    ثمن نهائي كأس العرش .. «الطاس» يحمل على عاتقه آمال الهواة ومهمة شاقة للوداد والرجاء خارج القواعد    عزل رئيس كوريا الجنوبية    الاضطرابات الجوية تلغي رحلات بحرية بين المغرب وإسبانيا    المغرب فرنسا.. 3    منظمة التجارة العالمية تحذر من اندلاع حرب تجارية بسبب الرسوم الأمريكية    الصحراء وسوس من خلال الوثائق والمخطوطات التواصل والآفاق – 28-    زيارة رئيس مجلس الشيوخ التشيلي إلى العيون تجسد دعماً برلمانياً متجدداً للوحدة الترابية للمغرب    على عتبة التسعين.. رحلة مع الشيخ عبد الرحمن الملحوني في دروب الحياة والثقافة والفن 28 شيخ أشياخ مراكش    الإعلان عن فتح باب الترشح لنيل الجائزة الوطنية للثقافة الأمازيغية برسم سنة 2024    "أتومان" رجل الريح.. في القاعات السينمائيّة ابتداء من 23 أبريل    الرباط: انطلاق اللحاق الوطني ال20 للسيارات الخاص بالسلك الدبلوماسي    برلين: بمبادرة من المغرب..الإعلان عن إحداث شبكة إفريقية للإدماج الاجتماعي والتضامن والإعاقة    تسجيل رقم قياسي في صيد الأخطبوط قيمته 644 مليون درهم    الصفريوي وبنجلون يتصدران أثرياء المغرب وأخنوش يتراجع إلى المرتبة الثالثة (فوربس)    أمين الراضي يقدم عرضه الكوميدي بالدار البيضاء    بعد إدانتها بالسجن.. ترامب يدعم زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان    30 قتيلاً في غزة إثر ضربة إسرائيلية    بنعلي تجري مباحثات مع وفد فرنسي رفيع المستوى من جهة نورماندي    النيابة العامة تقرر متابعة صاحب أغنية "نضرب الطاسة"    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    بلجيكا تشدد إجراءات الوقاية بعد رصد سلالة حصبة مغربية ببروكسيل    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اتجاهات الفكر الديني المعاصر في إيران
الحياة بدون الدين فراغ ولا معنى لها
نشر في العلم يوم 17 - 01 - 2010

صدر حديثا عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر ، بالتعاون مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، كتاب » اتجاهات الفكر الديني المعاصر في إيران « تأليف مجيد محمدي ، وترجمة ص. حسين ، ومراجعة صادق العبادي . وهو يتألف من ثلا ثمائة وأربعة وثلاثين صفحة .
لقد قطع الفكر الاسلامي المعاصر في إيران شوطا كبيرا في معالجة قضايا منهجية وأساسية في تجديد الفكر الديني تستحق الدراسة والتأمل ، حيث لعب المفكرون الإصلاحيون هناك دورا كبيرا في إعادة صيا غة العقلية الا سلامية ، وتحديد عوامل أزمة الأمة المسلمة ، واقتراح منهجية بديلة للتفكير تتجاوز ثغرات المنهجية السائدة .
ويعرض المؤلف بالنقد والتحليل لقضية التجديد الديني في المشاريع الفكرية لأبرز ستة مفكرين أدوا دورا مهما في هذا المجال ، وانشغلوا في نقد الفكر الديني المعاصر وتحليله . وحيث يجمع هؤلاء التشيع والا هتمام بالفكر الإسلامي في إيران ، فإنهم يتمايزون في موقفهم النقدي من التراث ، وينتمون إلى مراحل زمنية مختلفة [ ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن العشرين ] ، وإلى اتجاهات فكرية مختلفة . أيضا . وهؤلا ء هم الميرزا محمد حسين النائيني ، ومرتضى مطهري ، وعلي شريعتي ، ومهدي بازرجان ، وسيد حسين نصر ، وعبد الكريم سروش .
ولما كانت معظم مؤلفات هؤلاء المفكرين أو الدراسات التي تتناول فكرهم غير متوفرة باللغة العربية ، فإن هذا الكتاب يفتح أمام القارئ العربي خصوصا والقارئ السني عموما نافذة على الثراء الفكري الذي شهده حقل التجديد الديني في إيران خلا ل المائة سنة الأخيرة ، وهو ثراء يجهله الكثير في العالم العربي والسني ، حتى المختصون في دراسات التجديد والإصلاح الفكري
مهد المؤلف لكتابه بثلاث مقدمات تناول في الأولى الدراسات الدينية بين الافتراضات والنقائص ، وهو يرى أن نمو هذه الدراسات يحتاج إلى الدراسة التاريخية ، والدراسة الأرضية - المادية ، والدراسة التطبيقية المقارنة ، والدراسة الوصفية والعرض ، والدراسة على أساس الحوار والتفاهم ، والدراسة الإيديولوجية . وتحدث المؤلف في المقدمة الثانية عن شكل الكتاب من خلال البحث في المجال و الميدان والفترة والفكر والمفكرين والقواسم المشتركة وعنوان الكتاب والأداء العملي والتسلسل التاريخي والألقاب والمصادر . بينما تطرق في المقدمة الثالثة للمضمون حيث تشمل هذه الدراسات ست ساحات وهي السياسة والعلم والإيديولوجيات المنافسة والعلوم الإنسانية والعرفان والتجارب الباطنية والمنا هج الحديثة .
وهكذا يرى المؤلف أن أفضل الأساليب لتتبع وإبراز مظاهر التناقضات الموجودة في الفكر الديني المعاصر ، هو متابعة ودراسة مفكر ديني تبلورت لديه هذه الأفكار وهذه الرؤية إلى القضايا أكثر من غيره . من هنا فإنه يركز على ستة أنواع من الرؤى ، الفلسفية ، والا جتماعية ، والمعرفية [ المنهجية ] ، والعلمية - التجريبية ، والعرفانية - الرمزية ، والفقهية - الأصولية ، للدين ، واختار ستة مفكرين إسلا ميين معاصرين في إيران ، لتتبع رؤاهم دراسة وتحليلا.
في مجال النظرة الفلسفية اختار مرتضى مطهري ، ذلك أن أحد أسباب اختيار هذا المفكر تغلب نظرته الفلسفية على نظرته العرفانية [ الصوفية ] ، أو نظرته الفقهية - الأصولية ، ولأنه كان من رجال المؤسسة الدينية ، وكان من الطبيعي غلبة نظرته الفقهية - الأصولية إلا أن رغبته الشخصية ومتطلبات الفترة التي عاشها رجحت لديه كفة الفراغات الفلسفية . وكان يمكن دراسة أستاذه ، العلامة محمد حسين الطباطبائي [ 1902- 1982] أيضا في هذاالمجال ، ولكن مطهري جمع بين الا تجاه الفلسفي لأستاذه بشكل جيد ، إلى جانب الا هتمام بالقضايا الا جتماعية - السياسية . ولهذا السبب نستطيع تتبع معطيات تلك النظرة في الأمور الجزئية ، وهذا هو الدليل الثاني لا ختيار مطهري في هذه الدراسة حسب المؤلف . وبعد مطهري عرفت الساحة الفكرية أفرادا آخرين بنفس المنهج ، إلا أن أفكارهم لا تضيف شيئا جديدا على أدبيات المنهج الفلسفي هذا .
وفي المجال الاجتماعي فإن علي شريعتي هو أبرز الوجوه ،. وربما كان شريعتي هو أكثر تأثيرا من جميع المفكرين الذين تشملهم هذه الدراسة ، كما قال المؤلف. وبحسب حداثة دائرة العلوم الإنسانية فإن أرضية ظهور وجوه متعددة قد درست واستوعبت مبادئ وأصول علم الا جتماع بشكل جيد ، وحملت إلى جانب ذلك، هاجس الدفاع عن الدين ، لم تنضج بعد . وكما أشار الباحث ، فقد برز أفراد في دائرة علم الا قتصاد ، إلا أنهم لم يكونوا يحملون فكرا جديدا ، في هذا المجال . ، ولم تتعد اهتماماتهم إدخال التغييرات على الكتابات الفقهية لتقديمها في قالب جديد [ أو قل بلغة جديدة ] .
أما النظرة المعرفية [ المنهجية] فقد طرحها عبد الكريم سروش في بحوث [ القبض والبسط في الشريعة ] ، فبسبب انفتاح سروش على علم المناهج والفلسفة التحليلية الحديثة من جهة ، وانفتاحه على الفكر الديني التقليدي من جهة ثانية ، اتجه نحو طرح إجابات جديدة في قوالب جديدة أيضا . وقد ساعده على طرح نظرته ورؤيته ، عدم مواكبة الأفكار الدينية لمتطلبات العصر ، بعد الثورة الإسلامية .
ويعد مهدي بازرجان ، في نظر المؤلف ، من أهم المفكرين الذين طرحوا تفسيرات علمية تجريبية عن الدين . فقد نهض بازرجان من جيل جعل العلم إيديولوجيته ، وفي هذا الجيل لم يكن أمام الفكر الديني بد من الاندماج مع الأفكار القائمة على العلوم التجريبية .
أما في النظرة العرفانية - الرمزية فلم تكن هناك شخصية مؤثرة في هذه الفترة ، بحيث يكون هو شخصيا مؤمنا حقيقيا بهذه النظرة ، وأيضا يكون في موقف الدفاع أو عرض النظرة في هذا المجال اختار المؤلف [ حسين نصر ] لأنه - على أقل التقدير - حاول عرض الروح المعنوية - الصوفية للدين .
وأما الميرزا النائيني ، فإنه يعد في افتراض هذه الدراسة من أبرز الوجوه الفقهية- الأصولية ، ذلك لأنه أولا ، من الفقهاء القلا ئل الذين اهتموا بالموضوعات المعاصرة ، واقتحم هذه الموضوعات ليس بوصفه فردا عاديا ، بل بأفكاره الفقهية و الأصولية ، و ثا نيا ، لم تشهد الفترة المعاصرة ، ولا سيما بعد الثورة الإسلامية [ 1979] حيث عرض الفقه بوصفه إيديولوجيا ها دفة وبرنامجا اجتماعيا أيضا ، لم تشهد فقيها أو أصوليا يتمتع بشخصية فقهية - أصولية [ بحتة ] ويعرض نظرياته في هذا الإطار . وفي هذا السياق يقول المؤلف إن دراسات ما بعد الثورة لعلماء الفقه هي مزيج من المبادئ العرفانية - الفلسفية والأخلاقية والفقهية التي اندمجت بالأهداف الاجتماعية ، واختلطت أيضا بالأفكار الغربية ، ومع ذلك فإنها لم تتعمق بالدرجة المطلوبة.
إن الأمر المهم في هذه الدراسة هو المقارنة بين هذه النظرات من مختلف الجهات كالرؤى ، والسبل ، والمناهج التي تطرح لإحياء الدين ، والمنهج المعرفي ، وعلم الإنسان ، وعلاقة الدين والدنيا ، وعلاقة العلم والدين ، ودوافع دراسة الفكر الديني ، وسرخلود الدين ورسالته والمصلحين الدينيين .
الفكر الديني عند النائيني
في الفصل الأول من هذا الكتاب دراسة للفكر الديني للميرزا محمد حسين النائيني [ 1277- 1355ه] ، وهو مجتهد معروف ، وعالم أصولي بارز ، دفعه حضوره في خضم الأحداث السياسية المرتبطة بثورة الدستور في إيران ، إلى الا هتمام والتفكير في القضايا السياسية - الا جتماعية . ولعل أهم وأبرزالأمور في حياته هو دفاعه عن الدستورية ونضاله الفكري والعملي ضد الا ستبداد ، وكان هذا النوع من النضال يتطلب فهما آخر للنصوص الدينية، ونظرة مختلفة إلى الدين وإلى حضوره في الساحة الا جتماعية ودوره الدنيوي ، تختلف عن نظرة سائر علماء الدين السائدة .
لايعتبر النائيني إحياء الدين وبعثه في إعادة صياغة الفكر الديني وتقديم صورة عصرية عن الدين ، بل إن القضية الأساسية للنائيني هي الا ستبداد ، حيث يعتبر هذا الأمرالسبب الأساسي لتخلف وانحطاط الأمة . فهو يرى أن سبب الانتشار السريع للإسلام وامتداد نفوذه في العصر الإسلامي الأول يكمن في عدالة وشورى الحكم الإسلامي ، وما كان يتمتع به المسلمون من الحرية والمساواة مع الخلفاء وأعوانهم في جميع الحقوق والأحكام ، كما يرى السبب الرئيسي للتخلف الذي مني به المسلمون في الحقب الأخيرة وتقدم الشعوب الغربية عليهم في عبودية المسلمين للحكومات الاستبدادية . وهذه الأفكار ليست جديدة فقد سبق إليها قبل قرن رواد فكر النهضة في مصر خاصة عبد الرحمان الكواكبي في كتابه » طبائع الا ستبداد « .
وعندما يستعرض النائيني طريق الخلاص من الا ستبداد يعيد أساس الحل إلى مكافحة جهل الأمة وبث الوعي والمعرفة في صفوفها . إلا أن المؤلف يرى أن مكافحة الجهل التي يدعو إليها النائيني أمر غامض ، ذلك لأن الجهل كالعلم يتعلق بأمور خارجية ، فما الجهل الذي أدى إلى رضوخ الشعب لنير الا ستبداد وتسبب في تخلف وانحطاط المسلمين . وواضح أن هذا التعليق من المؤلف مجانب للصواب ، إذ لولا الجهل بالدين وبشؤون الدنيا لما كان ثمة انحطاط .
الفكر الديني عند شريعتي
يرى المؤلف أن المدخل لمعرفة الفكر الديني لشريعتي أمران هما المنهج والغاية ، ففي مجال المنهج يتحدث عن نوعية معرفته للإسلام والتي تقوم علي أساس مبادئ علم الاجتماع ، ومن منهج معرفة الإسلام من وجهة نظره ، ولدى الحديث عن الغاية يستعرض رؤية شريعتي للدين ، وعلاقته بالتنوير والإنسان ، ورسالة الدين ، ومسألة إعادة صياغة وتجديد الفكر الديني .
إن مفتاح فهم منهج شريعتي في المعرفة الدينية هو فهمه بوصفه ، عالما اجتماعيا دينيا ، فشريعتي ينظر إلى الدين من حيث إنه كيان اجتماعي ، وكونه عنصرا فعالا في الحركات الا جتماعية ، ويركز على أدائه العملي في المجتمع . ولعل السبب في هذا التركيز يكمن في الا تجاه المعاصرنحوتقييم دور الدين في الحياة ، ويحاول شريعتي بسلوكه هذا المنهج أن يوضح ويشرح الدور الإيجابي للدين في المجتمع .
ومهم أيضا الاطلاع على منهج معرفة الإسلام من منظاره . وفي هذا المجال كذلك ينطلق شريعتي من موقعه كعالم اجتماع ديني ، وبأسلوب تفكيره الا جتماعي ، ويستخدم أدوات علم الا جتماع المهمة كمنهج المقارنة ، ومعرفة الأنماط والنماذج. وفي موقع آخر يضع شريعتي أمامنا ثلاث طرق محددة لدراسة ومعرفة الإسلام
الأول دراسة الأفكار التي تقدمها المدرسة الفكرية ، والثاني دراسة التاريخ ، والثالث دراسة النماذج . وهذه الأساليب الثلاثة تعتمد على منهجي المقارنة ودراسة الأنماط .
وقد استوعب شريعتي تماما أهمية الإنسان وعلم معرفة الإنسان في هذا العصر ، وسعى لكي يعرض الوجه الإنساني للدين . وهو عندما يقف موقف الدفاع عن الدين يعرض الإنسا ن من وجهة نظرالإسلام بالصورة التي يتفهمها العصر ، ويقدم صورة عن موقف الإسلام من الإنسان تمنع من إبرازالإسلام بصورة مضادة للإنسان ، إذ الإسلام دين من أجل الإنسان ، وهودين إنساني في كلياته وجزئياته .
ومن التساؤلا ت التي يطرحها العصر في مجال الدين وأدائه الا جتماعي ، علا قة الدين والدنيا المادية والمعنوية » فالإسلام لا يعرف - حتي في المسجد - فرزا بين الدين والدنيا ، بين العلوم الدينية والعلوم غير الدينية ، بل لا يعرف الفصل بين العلم والعبادة والسياسة . فمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم كان في الوقت نفسه بيتا لسكنه ولأنصاره الذين لم يجدوا مسكنا ، وكان مسجد الصلاة والدعاء والاعتكاف ، وكان حلقة دراسية وعلمية ، وأيضا كان مركزا للحكم وإدارة الشوون السياسية والا جتماعية ، ومن ثم كان برلمانا حرا كان كل الأفراد نوابا فيه « . فالإسلام يهتم بشدة بالدنيا والحاجات المادية للبشر ، في الوقت الذي يمنحه قلبا شفافا - كما يقول شريعتي - » يرى به أجمل صور الحياة في تأملا ت الفجر ، وإشراق الصباح « .
ومن ثم فإن الدين في تصور شريعتي هو دين إنساني ، يخلق المسؤولية والا لتزام ، يكافح الظلم ، معارض ، رسالي ، ويقف في وجه الشرك الا جتماعي.
الفكر الديني عند مطهري
يقدم مطهري [ 1919- 1979 ] الدين بوصفه إيديولوجيا وبرنامجا متكاملا للحياة ، ويقوم بتشريح مبادئ هذا المشروع والدفاع عنه . والا تجاه الفلسفي هو المدخل الذي تبناه مطهري في هذا المعترك . إن أهم وأساس دوافع مطهري في دراسة الفكر الديني - حسب المؤلف - هو إيمانه الخالص بالإسلام ، وعلاقته الوثيقة بالجوانب المعنوية في الحياة ، وهاجسه الديني . إن اهتمام هذا المفكر بمتطلبات العصر هو أيضا دليل حسن على اهتمامه بمعرفة المشاكل بهدف الدفاع عن الدين ، إن متطلبات العصر هي في الواقع مشكلة اجتماعية يواجهها الداعية الديني الذي يحاول مطهري باتجاهاته الدينية - الفلسفية أن يجيب عليها » إن أهم مشكلة اجتماعية هي الإسلام ومتطلبات العصر « . فالاهتمام بهذه المتطلبات يرتبط مباشرة بطرح الدين بمثابة مدرسة مؤثرة وحاضرة في ساحة العمل والتطبيق ، ويؤمن مطهري مسبقا أن في الإسلام أصولا ثابتة لا تقبل التغيير أبدا ، ويستنبط هذا من الإيمان بخلود الإسلام ، وختم النبوة ، ووجود المبادئ الأخلاقية وإطلا قها ، وحول المنازل والمحطات أيضا يعتقد بإمكانية حل المشكلة عن طريق الا جتهاد » وقدرة الفقه العجيبة على الإجابة « وعلى التكيف . وباعتقاده أن العقل يدين التطرف والإفراط في مواجهة متطلبات العصر . كما يدين طريق الجمود والتحجر . لذا فإن الطريق السليم هو الا عتدال والعقل البشري في دائرة الأمور الجزئية.
نشأ مطهري في أحضان المعارف الدينية ، وكان له هاجس الدين والدفاع عنه ، ومن بين المعارف الدينية فإن مصطلحات الفلسفة والكلام والعرفان كانت تجتذ به أكثر من غيرها .
ويقررمطهري أن » الإسلام دين سماوي ، وهو خاتمة الأديان ، فهو يهدف أكثر من أي دين سماوي آخر إلى إقرار العدالة الا جتماعية ... وهو يهدف بالضرورة إلى إنقاذ المحرومين والمستضعفين ومكافحة الظالمين ، إلا أن الإسلام لم يوجه خطابه للمحرومين والمستضعفين فقط « إن اعتبار الخطاب الإسلامي موجها لجميع الناس هو-حسب رأي مطهري - لتجنب مسايرة الإيديولوجيات الطبقية والفئوية ولكي يبرهن مطهري على أن الخطاب الإسلامي موجه لجميع الناس يطرح عدة افتراضات مقبولة . الا فتراض الأول هو » أن نوع الإنسان [ أمة الناس ] يتمتع بفطرة واحدة وأصيلة ، وهذه الفطرة الواحدة والأصيلة تضفي على ثقافة الإنسان طابع الوحدة . أما الا فتراض الثاني فهو أن القيم الإنسانية تحظى لديه بالقبول والتأكيد ، ولهذا فإنه ليس بإ مكانية الإيديولوجية التي يتحدث عنها أن تهمل فئة من الناس . وأما الا فتراض الثالث فهو عدم ارتباط إيديولوجيته بالمكان والزمان ، ويرى أن هذه الإيديولوجيا قد نظمت بطريقة دقيقة وهي تعتمد على الخطوط الرئيسية لحركة الإنسان والمجتمع .
يسعى مطهري لدى البحث عن الأخلاق ، وانطلا قا من إيمانه بخلود الإ سلام وختم النبوة ، يسعى في كل مكان لإثبات نوع من القيم الثابتة والأساسية ، يقول » الإيمان الديني وحده قادر على إظهار الإنسان في صورة مؤمن واقعي ، وأن يضع الذاتية والأنانية ،-من جهة- في الدرجة الثانية وبعد الإيمان والعقيدة والمبدأ ، وأن يوجد في الفرد - من جهة أخرى - نوعا من العبودية والاستسلام لله بحيث لا يتردد الفرد أبدا في قبول أصغر مسألة [ أو حكم ] يعرضها الدين عليه، وأن يظهر الدين للإنسان بصورة شئ عزيز ومحبوب وقيم إلى درجة تكون الحياة عنده بدون الدين فراغا وبلا معنى ، ويستعد للدفاع عنه بمزيد من الغيرة والحمية . وكانت قضية العلاقة بين الدين والدنيا ومحاولة الجمع بينهما بشكل من الأشكال ، المشكلة التي شغلت عامة المفكرين الإسلاميين في هذه الفترة ، وعندما يتحدث المؤلف عن الدنيا هنا فالمقصود هوالرفاه المادي بكل مستلزماته ومتطلباته .
وكان موقف مطهري من الدنيا إيجابيا بالنظر إلى دعوته للتوجه العملي وتفسيره الزهد والتوكل . فهو يرى الا رتباط بالدنيا أمرا طبيعيا وفطريا ، أما الخلود القلبي إلى الدنيا والا كتفاء بالأمورالمادية الدنيوية والتوقف عندها فهو أمر مذموم ومرفوض ، ويعتقد بأن الأخلاق والتربية تقلصان الا هتمامات المادية في الإنسان ، ذلك لأنها ترسم له هدفا مثاليا ومعنويا . و يعتقد هذا المفكر بأنه لم يكن هناك أي تعارض بين العلم والدين في الثقافة الإسلامية » ينقسم تاريخ الحضارة الإسلامية إلى عصر الا زدهار الذي ازدهر فيه العلم والإيمان معا ، وإلى عصر الا نحطاط حيث انحسرفيه العلم والإيمان معا أيضا « . وحول الأحكام والموضوعات الدينية يؤمن مطهري باستنادها إلى المقاصد الواقعية والعلم الإلهي اللا محدود ، ولهذا السبب فهو يعتقد بأن العلم سوف يصدق ويؤيد هذه الأحكام على مر الزمن .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.