التاريخ أثبت أن استخدام القوة لا يكفي وحده لحل الأزمات.. تشهد سياسات واشنطن بعد الأسابيع القليلة التي تلت 20 يناير 2025 الموعد الذي انتقلت فيه السلطة إلى ترامب، تحولات تبتعد بها عن التوقعات والانتظارات التي بنيت على أساس الوعود والالتزامات التي كانت من الأسس التي بنى عليها ترامب حملته الانتخابية والتي ساهمت في نجاحه بالفوز برئاسة الولاياتالمتحدة في الانتخابات التي جرت في الرابع من نوفمبر 2024. تحت شعار لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى، حيث وعد ترامب بإنهاء حروب أمريكا الأبدية المكلفة في كل مناطق العالم خاصة في الشرق الأوسط وأوكرانيا. طوال حملته الانتخابية، أكد ترامب مرارا وتكرارا قدرته على حل النزاعات المستمرة بسرعة، وعلى الأخص في أوكرانيا والشرق الأوسط. وكان ادعاؤه الجريء بإنهاء الحرب بين روسياوأوكرانيا "في غضون 24 ساعة" نقطة محورية خاصة. ويتماشى هذا الخطاب مع مبدأه الأوسع "أمريكا أولا"، مع التأكيد على نهج عدم التدخل وإعطاء الأولوية للمصالح الأمريكية فوق التشابكات العالمية. رؤية ترامب لإنهاء الحروب حسب خطاباته كانت لا تقتصر على صراعات محددة، لقد قدم نفسه كصانع سلام، على النقيض من نهج الإدارات السابقة. وأعلن ترامب في خطاب النصر: "لن أبدأ الحروب، سأوقف الحروب"، في إشارة إلى الافتقار النسبي للاشتباكات العسكرية الجديدة خلال ولايته الأولى. ابتعد ترامب عن وعوده فبدأ حربا على اليمن يوم السبت 15 مارس 2025 في محاولة أمريكية جديدة لوقف الحصار البحري اليمني المفروض على إسرائيل، وأعطى الإذن لتل أبيب لتعود لشن حرب الإبادة على سكان غزة، وأعاد إحياء مشروعه لتهجير سكان قطاع غزة وهذه المرة إلى السودان والصومال بدلا من سيناء والأردن، كما سمح لإسرائيل بخرق اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان وإستئناف غاراتها عليه وفي نفس الوقت توسيع احتلالها لأراض سورية. وهدد إيران بالحرب والغزو ملمحا إلى بدايته صيف 2025 إذا لم ترضخ لشروطه، وأخذ يوظف حربه ضد اليمن لتكون المسار الذي يقوده للحرب ضد إيران وذلك بحشد أسطول من حاملة طائرات واحدة منذ مارس إلى ثلاث حاملات في حدود بداية شهر مايو، وقدم لتل أبيب قنابل لاختراق التحصينات تفوق أوزانها الطن ونصف الطن لتشترك معه في الحرب التي يعتزم شنها على طهران. وبخصوص حرب أوكرانيا انتقل من وقف الدعم لكييف بالأسلحة والمعلومات الاستخبارية لعدة ساعات ليستأنفها بعد ذلك ترافقا مع خصامه في البيت الأبيض مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي ثم صلح عبر الهاتف. وطرح ترامب مشاريع ومخططات لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتحدث مع الرئيس الروسي بوتين عن وقف لإطلاق النار ومراحل للوصول إلى التسوية، ولكن الكرملين قدر أن كل تلك العروض ليست سوى جهود أمريكية لكسب الوقت وإعادة تسليح أوكرانيا في نطاق مشروع الناتو الأكبر لإعادة رسم خريطة شرق أوروبا. كما لم يخف الكرملين إدراكه أن ترامب يتابع مشاريع واشنطن القديمة لنسف التحالف الروسي الصيني. طلب الرئيس ترامب خلال حملته الانتخابية وحتى قبل ذلك أثناء ولايته الأولى لدول الناتو الأوروبية برفع ميزانيتها العسكرية إلى ما يعادل 5 في المئة من ناتجها الوطني الاجمالي لم يلق قبولا، ولكنه بعد أن أظهر استعداده ولو ظاهريا للتخلي عن مواصلة دعم كييف والتصدي لروسيا حفز أو اجبر الأوربيين على وضع خطط لدعم قدراتهم العسكرية برفع مخصصاتها حتى تصل إلى 10 في المئة من ناتجهم الوطني الإجمالي ولو كان ذلك على حساب مخصصات أخرى حيوية. كثيرة هي وعود ومخططات الإدارة الأمريكية خارجيا وداخليا ولكن الالتزام بها فأمر آخر. السؤال الذي يطرح حاليا هو هل سيكون لنجاح أو فشل ترامب وحلفائه الأساسيين في مخططاتهم الكبيرة وخاصة على الصعيد الخارجي تأثير حاسم على نتيجة الصراع الدائر من أجل نظام عالمي جديد يحل مكان النظام القائم منذ تسعينيات القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي حيث أصبحت الولاياتالمتحدة المسيطر الأكبر.