يستمد العمل السياسي مقومات وجوده من إحدى الشرعيتين؛ الشرعية العقائدية ومنها الشرعية الدينية، أو الشرعية التاريخية، أي الرصيد التاريخي للجماعة السياسية الذي هو من أهمّ الركائز التي تستند إليها. وتتمثل هاتان الشرعيتان معاً، العقائدية الدينية والتاريخية الوطنية في أوضح صورتهما، في حزب الاستقلال، فهما معاً مصدر القوة والمناعة والحصانة والقدرة والتميز الذي يطبع العملَ السياسيَّ والوطنيَّ الذي ينهض الحزب بأعبائه ويمارس مناضلوه مهامهم في إطاره. الرصيد التاريخي لحزب الاستقلال باعتباره طليعة الأحزاب الوطنية التي خاضت معارك التحرير والاستقلال، وانخرطت بعد الاستقلال، في معارك البناء الديمقراطي والنماء الاقتصادي والاجتماعي والتأسيس لدولة الحق والقانون والمؤسسات، هذا الرصيد تاج على مفرق كل المناضلين والمناضلات الاستقلاليين، وهو مبعث فخر واعتزاز لكل مواطن مغربي، بقدر ما هو رمز من رموز تاريخ المغرب المعاصر. لأن الرصيد التاريخي لحزب الاستقلال، هو الرصيد الوطني العام الذي قامت الدولة المغربية المستقلة على أساسه. أما الخلفية العقائدية لحزب الاستقلال التي تتمثّل في التمسك بالإسلام عقيدة وهوية ومنهجاً في الحياة ورابطة تجمع الشعب المغربي في بوتقة واحدة، فهي الدعامة القوية الراسخة للعمل السياسي الوطني، وهي السند الشرعي الذي يتكامل مع السند التاريخي لهذا الحزب الذي ينفرد بين الأحزاب السياسية جميعاً، ليس في المغرب فحسب، بل في العالم العربي الإسلامي، ينفرد بمقومات وخصائص ومميزات يستمد منها قوة الصمود والاستمرار، وطاقة العمل والإنجاز، والقدرة على مواجهة التحديات والتصدّي للصعوبات ومقارعة الخطوب والأزمات التي اعترضت طريقه، سواء في العهد الاستعماري، أو في الفترات القلقة التي مرّ بها الوطن خلال العقود الأخيرة، بحيث حافظ الحزب على ذاتيته، وصان استقلاليته، ولم يفرط قط في خصوصياته الوطنية، وظل دائماً متشبثاً بمبادئه وقيمه التي آمن بها منذ التأسيس الأول في سنة 1934 في صيغة كتلة العمل الوطني التي تبلورت في الحزب الوطني لتحقيق مطالب الشعب المغربي، ثم اكتملت الصيغة واستقرت في حزب الاستقلال الذي اقترن إنشاؤه بتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في (11/1/1944). لقد كان من المستغرب حقاً، أن يؤخذ على حزب الاستقلال، في أحد التصريحات الصحافية، أنه يستمد شرعيته من التاريخ ومن الدين. وكأن هذا الاستمداد من هذين المصدرين، مما يجرح الحزب أو يقدح فيه أو ينال من مصداقيته أو يقلل من القيمة المضافة التي يمثلها في الحياة السياسية الوطنية. ووجه الاستغراب هنا، أن هذا النقد المبطن الذي وجهه أحدهم لحزب الاستقلال، يتعارض تماماً مع الدعائم والمقومات والخصوصيات التي تشكل القاعدة الصلبة للنظام المغربي الذي يستمد شرعيته الدائمة المتواصلة عبر أربعة قرون، من البيعة الشعبية المتوارثة جيلاً بعد جيل، وهي شرعية دينية تاريخية كما لا أحتاج أن أقول. لقد أراد صاحبنا بوصمه حزب الاستقلال بأنه حزب تاريخي، القول إن الشرعية الوطنية النضالية التاريخية تتعارض مع (الحداثة) التي يبشر بها ويدعو إليها ويسعى إلى أن تكون فلسفة لنظام الحكم في المغرب. وغاب عنه أن (الحداثة) وفقاً للتفسيرات المعجمية والأكاديمية والسياسية، وباعتبارها منظومة قيم وأفكار ومفاهيم وتصورات، لا تعترف بالثوابت، ولا تقر بالمقدسات، ولا ترتبط بالأصالة، ولا تدين بالشرعية التاريخية، ودع عنك الشرعية الدينية، فإنها تحاربها محاربة لا هوادة فيها. ماذا يبقى لهيئة سياسية إذا فقدت شرعيتها التاريخية وشرعيتها العقائدية ونفد رصيدها النضالي الوطني؟. ما قيمة العمل السياسي بلا تاريخ يعتز به القائمون عليه، وبلا ثوابت يتمسكون بها، وبلا رصيد نضالي وطني يهتدون به؟. ما البوصلة التي تقود العملَ السياسيَّ الوطني، إذا كان القائمون عليه لا يملكون هذه المقومات والدعائم التاريخية والعقائدية؟. إنَّ العمل السياسي إن لم يستند إلى منطق من التاريخ وإلى عقيدة راسخة تصاغ في مبادئ وقيم وتتمثل في ثوابت ومقدسات لا تمس بأي حال من الأحوال، لا يؤدي إلى نتيجة، وحتى إذا حقق نجاحاً، بالمقياس الآني، فإنه لا يصمد، أو بالعبارة القرآنية يذهب جفاء ولا يمكث في الأرض. إن قوة حزب الاستقلال وجماهيريته وتغلغل مبادئه في مختلف الأوساط وتبنيها من جميع الفئات، وصموده في وجه الصعاب التي اعترضت طريقه على مدى العقود الثمانية الماضية، كل ذلك مصدره الشرعية التاريخية التي تمثل رصيده النضالي الوطني، والشرعية الدينية التي يؤمن بها. والشرعيتان معاً هما الأساس الذي يقوم عليه النظام المغربي العريق الأصيل القوي الثابت الأركان. من مميزات حزب الاستقلال ومن خصائصه أنه حزب انبثق من رحم الحركة الوطنية المغربية، ناضل قادته ورواده وآباؤه، النضال المرير من أجل تحرير الوطن واستقلال البلاد وبناء الدولة العصرية، فكانوا جميعاً دونما استثناء، طلائع الكفاح الوطني في المراحل التاريخية الصعبة، حتى إذا استقل المغرب، تصدَّى حزب الاستقلال للعمل الوطني على أكثر من صعيد، من أجل استكمال التحرر من رواسب العهد الاستعماري، وفي سبيل ترسيخ قواعد الملكية الدستورية الاجتماعية التي كانت من المطالب الرئيسَة في وثيقة الحادي عشر من يناير سنة 1944 التي أعد َّها وصنع حدثها حزب الاستقلال. التاريخ في مفهوم حزب الاستقلال مقوم من مقومات الكيان الوطني، والدين هو القاعدة التي يقوم عليها هذا الكيان ويستند إليها النظام المغربي. ولذلك كان الإسلام أولاً، ثم الملكية الدستورية، من الثوابت الراسخة، ومن المقدسات التي لا يمكن المساس بها تحت أي ظرف من الظروف. والتاريخ الوطني هو الوعاء الذي يحتوي هذه الثوابت وتلك المقدسات. وحزب الاستقلال هو الأمين على هذا الإرث الذي هو حيٌّّ في قلوب المغاربة. بهذا التداخل بين الدين والتاريخ، وبين العرش والوطن، خاضت الحركة الوطنية المغربية معارك التحرير والاستقلال. والارتباط بهذا التاريخ النضالي والاعتزاز به في كل الأحوال، ليسا من قبيل التعلق بالماضي لمجرد أنه ماض على سبيل الحنين إليه للهروب من الحاضر كما قد يفهم. لأن الارتباط بالتاريخ هنا، هو ارتباط بالجذور، وفي ذلك قوة للعمل الوطني المتواصل اليوم وغداً من أجل التجديد والتحديث والتطوير، وهو مناعة ضد كل السلبيات والأخطاء والهزائم والانكسارات وكل ضروب التزييف للحقائق.