في لباسه التقليدي الجميل المكون من جلباب " وزاني " و طربوش أحمر و " بلغة " صفراء فاقع لونها ، بدا الحاج أحمد مغربي المنبت و المنشأ . رجل في الخمسين من عمره ، بشعر فضي زاده هيبة و نظارة . أنقصت النعمة من سنه عدة سنوات ، و زادت حذلقة اللسان من سحر شخصيته المتزنة و المؤثرة على كل من دخل دكانه بزنقة " الصابوني " العريقة ،أحبته الزبونات و أشهرت دكانه في المدينة . يبدأن مشوار التبضع بالحاج أحمد ، يتعرفن على ما جد في عالم أثواب الموضة التقليدية و الأثمان و التسهيلات ، و التمتع بحرارة الاستقبال، التي جعلت بعض اللواتي في قلوبهن شيء من حتى ،تطمع في هذا الرجل . فيصرفهن صرفا جميلا ، راضيات عاشقات ، لا يتعد عشقهن عتبة الدكان . قالت له إحداهن يوما " أي إنسان أنت " و قالت أخرى " ما أسعد أهلك بك " . يرد بابتسامة ساحرة يدرأ بها هذا التجاسر على نفس متعبة تأكلها الندامة و الحسرة على ما فرطت في جنب ربها . كان الحاج أحمد يبيع كل أنواع القماش المحلي و المستورد ، و يبحث في كل الوجوه عن وجه تبضع منه نوعا غاليا من القماش، و تبضع شيئا آخر أغلى من بضاعة الدكان كله ، و غاب دون أن يترك أثرا . كان مثل ذلك اللص الظريف يسرق شيئا محددا و يرحل ، بعد أن يترك رسالة يشرح فيها دواعي فعلته مع الاعتذار. كانت " جميلة " جميلة ، اسم على مسمى . دخلت الدكان في صمت قبيل العصر ، و هي الفترة التي يقل فيها الزبائن . اختارت الوقت المناسب لملاقاة الرجل المناسب . كان جالسا على الكرسي ممددا رجليه لما انقشع نور من باب الدكان على وجه ملائكي .. انبهر .. نسي حدود اللياقة بين البائع و الزبون و استجاب لصرخة دوت في داخله " هي، هي ، كما رأيتها في أماكن شتى من مخيالك العريض، يا سليل الأزيار ،هكذا جئت من أبويك".. اتقدت عيناه باللهفة ، و تحفز للوثوب على هذا الكائن الناضج بالأنوثة و الغنج . فوجئ باليد المنحوتة تمتد إليه . ضمها بيدين مرتعشتين و قبلها قبلة الولاء ، قبل اليد و باطنها مرتين و أبطأ ، حتى سحبت الجميلة يدها برفق مهمهمة " حشاك آ سيدي " . فرد عليها بخشوع : " آش حب الخاطر آ للا بنت سيدي ؟ ". كانت البداية من الدكان في هذا الخشوع ، و استمرت في صخب الشقة بإقامة " الفرح" بشارع أحفير . أغلق الدكان بسرعة ، و ارتمى و إياها في المقاعد الخلفية لسيارة أجرة ، غير مصدق ، أوصلتهما إلى باحة العشق ، المفروشة بعناية و ذوق رفيع ، يغري بلون الستائر و طلاء الجدران و لوحات سريالية مرسومة بألوان ، عبرت عن لا شعور و إيمان بالقدرة الهائلة للأحلام . كل من دخلت الشقة كانت تستعد لاقتحام عوالم اللذة ، من الأريكة في الصالون حتى السرير و الشاشة الصغرى ، تبث ما جد في عالم اللذة الشبقية الخالية من عقد المدن القديمة . كل شيء أعده بعناية و ترتيب الأجواء الحمراء ، حمرة المدام المخزن في برميل خشبي ، عثر عليه في مزرعة أحد المعمرين ، و جاء به كتحفة لحفظ السائل، و الاستمتاع بالغرغرة و شهيق الصنبور الخشبي و أقداح من بلار القصور الملكية ،على أنغام غربية أو شرقية حسب أذواق الزائرات العابرات . زادت " جميلة " من جنون المكان ، أجلسها قبالته ، و راح يقتني الكلمات ، فتلعثم ، و حنق على لسانه كيف يخونه أمام هذا الكائن الجميل . قام إلى المطبخ لتحضير ما يجب تحضيره لهذا الضيف الذي رآه في حلم ربما ، في صورة ، في لوحة رسمها رسام معتوه . استبد به الوجه الأميري و كفى ، لم يترك له وقتا للتساؤل : " من هي ؟ و من أين جاءت ؟ و لماذا جاءت في ذلك الوقت قبيل العصر ؟ و ماذا كانت تريد ؟ و لماذا أغلق الدكان في ذروة البيع مجرورا باللهفة ؟ . و بأي حق أبقاها في الشقة مدة أطول على غير عادته ؟ كان يضرب لهن موعدا بعد يوم أو يومين أو أسبوع ، و أحيانا كان ينسى أو يتناسى . إلا هذه جاءت لمهمة محددة أنجزتها باحترافية كبيرة في مدة ثم رحلت و لم تترك أثرا . استعان بكل معارفه من ذوي الاختصاص في اقتفاء الآثار البشرية ، دون جدوى . تأكد بينه ويبن نفسه أن المهمة التي جاءت من أجلها لا تتعدى حملا سفاحا ،تيقنت منه بعد شهرين نظيفين ثم رحلت بنطفته إلى حيث لا يدري .