الملك يأمر بافتتاح 26 مسجداً بطاقة استيعابية تتجاوز 14 ألف مصلٍ    المكتب الوطني للسكك الحديدية يمنح عقودا لاقتناء 168 قطارا جديدا    المغرب يؤكد مكانته كرائد أفريقي في مجال إزالة الكربون من وسائل النقل في معرض وقمة التأثير الأخضر 2025 Green Impact Expo & Summit    ارتفاع حصيلة قتلى تحطم الطائرة السودانية بأم درمان    حادث خطير لحافلة قادمة من الناظور يخلف 20 جريحا قرب تازة    عبد الاله "مول الحوت" يفتح من جديد ملف "غلاء الأسعار".. "احتقان" و"غضب" أمام صمت الحكومة    المغرب وبريطانيا.. تعزيز الشراكة الاستراتيجية في المجال الدفاعي    الوداد والرجاء يعودان إلى ملعب محمد الخامس قبل التوقف الدولي في مارس    الزمالك يبحث عن إمكانية تفعيل بند شراء عقد بنتايك    القهوة في خطر: هل تزايد الأسعار يدفع إلى تسويق "قهوة مزيفة"؟    ميناء وسردين 5 دراهم.. كيف فتح الشاب عبد الإله من مراكش نقاشا سيكون له ما بعده؟    فريق طبي مغربي بالرباط ينجح في إجراء أول عملية جراحية لعلاج قصور الصمام الثلاثي بالقلب    أمير المؤمنين يأمر بفتح المساجد الجديدة والمُرممة أمام المصلين مع بداية رمضان    دراسة علمية تكشف تفاصيل فيروس جديد لدى الخفافيش وخبير يطمئن المواطنين عبر "رسالة24"    تفاصيل جديدة في محاكمة الرئيس الموريتاني السابق ولد عبد العزيز    هذه شروط الجزائر للمشاركة في "كان المغرب" … !    الرجاء يعلن انطلاق عملية بيع تذاكر مواجهته ضد المغرب الفاسي    الارتفاع يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    قنصلية فرنسية بالصحراء .. امتصاص لغضب الجزائر أم منافسة لواشنطن؟    جان-ماري هيدت: الصحراء المغربية منطقة تجسد رؤية جديدة حول المغرب    الهلالي: إسبانيا ليست دولة عنصرية    ابتدائية الرباط تؤجل محاكمة الصحفي هشام العمراني    ترامب يترأس أول اجتماع حكومي    أمريكا تجهز "بطاقات ذهبية" لجذب المهاجرين الأثرياء    العلمي: قيم تجمع المغرب والمكسيك    توقعات طقس يوم الأربعاء بالمغرب    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الأربعاء    بالتفاصيل.. فرنسا تفرض عقوبات على مسؤولين جزائريين وتلوّح بإجراءات أوسع    كيف انتزع أتلتيكو التعادل امام برشلونة 4-4 في ذهاب نصف النهاية    غرامة ضد ميسي بعد مشادة مع المدرب المغربي مهدي البلوشي    الصين: مجموعة "علي بابا" تعتزم استثمار حوالي 53 مليار دولار في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي    المنظمة الدولية للهجرة ترفض المشاركة بأي إخلاء قسري للفلسطنيين من غزة    بوريطة:محاولة دخول برلمانيين أوروبيين للعيون بطريقة غير قانونية "هي محاولة تشويش ليس لها أي تأثير"    منظمة الأغذية والزراعة.. المجموعة الإقليمية لإفريقيا تشيد بدور المغرب في مجال الأمن الغذائي    تعيين محمد بنشعبون على رأس اتصالات المغرب    المغرب يشارك في المؤتمر الأول لنساء القبعات الزرق بنيودلهي    دراسة تهتم بقياس الذكاء الترابي    الحوادث تخلف 22 قتيلا بالمدن    باسو: الجمهور يحتاج الكوميديا السوداء .. و"سي الكالة 2" يقدم مفاجآت    برامج إعادة الإسكان تربك مخططات انتخابية لكبار المرشحين في المغرب    وفاة شاب متأثراً بجراحه في حادثة طنجة المروعة التي أودت بحياة شابتين    "مجموعة MBC" تطلق MBCNOW: تجربة بث جديدة لعشاق الترفيه    شبكة مُعقدة من الاسرار والحكايات في المٌسلسل المغربي "يوم ملقاك" على ""MBC5" يومياً في رمضان    نجم تشيلسي الصاعد إبراهيم الرباج … هل يستدعيه الركراكي … ؟    مجموعة MBC و"شاهد" تكشفان عن مفاجآت الموسم الرمضاني 2025    حفل نسائي يحيي طقوس "شعبانة" المغربية في ستوكهولم    فتح باب الترشح لجائزة المغرب للشباب في دورتها الثانية    دراما وكوميديا وبرامج ثقافية.. "تمازيغت" تكشف عن شبكتها الرمضانية    في حلقة جديدة من برنامج "مدارات" بالإذاعة الوطنية: نظرات حول الهوية اللغوية والثقافية للمغرب    الوقاية من نزلات البرد ترتبط بالنوم سبع ساعات في الليل    دراسة.. ارتفاع معدلات الإصابة بجرثومة المعدة لدى الأطفال بجهة الشرق    دراسة تكشف عن ارتفاع إصابة الأطفال بجرثومة المعدة في جهة الشرق بالمغرب    فقدان الشهية.. اضطراب خطير وتأثيره على الإدراك العاطفي    رمضان 2025.. كم ساعة سيصوم المغاربة هذا العام؟    اللجنة الملكية للحج تتخذ هذا القرار بخصوص الموسم الجديد    أزيد من 6 ملاين سنتيم.. وزارة الأوقاف تكشف التكلفة الرسمية للحج    الأمير رحيم الحسيني يتولى الإمامة الإسماعيلية الخمسين بعد وفاة والده: ماذا تعرف عن "طائفة الحشاشين" وجذورها؟    التصوف المغربي.. دلالة الرمز والفعل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يونس إمغران: كورونا – زمن الموت المضاعف
نشر في طنجة الأدبية يوم 17 - 05 - 2020


** إلى روح صديقنا محمد فريش رحمه الله.
— حقيقة وجودية واحدة يعيشها الإنسان في مطلقها، وهي حقيقة الموت. والموت هو الحقيقة الوحيدة التي يخاف الإنسان من مواجهتها، وإِنْ كان في بعض الأحيان لا يتردد في مصارعة الموت ومقاومة جنوده من مرض ومعاناة وآهات وتعب وعجز عن الحركة. يفاجئنا الموت برسالته الأولى التحذيرية حين نُصاب بمرض عضال، أو مرض لا يرجى شفاؤه، أو مرض نعلم أنه مهما قاومناه فإن نهايته الحتمية لا تكون سوى: الموت.
لقد كُتِبت صفحاتٌ وكتبٌ وأسفارٌ عن الموت، وتعرض له الفلاسفة، ورجال الدين وعلماؤه وأحباره من جوانب شتى، وتناول الأدباء والشعراء والمسرحيون ما يترتب عنه من أحزان وآلام وجراحات وندوب نفسية ومعنوية عميقة في نصوصهم الشعرية والنثرية. لكن لا أحد منهم استطاع أن يقول لنا ما هو: الموت؟ ما هي حقيقته؟ كيف يبدأ؟ وكيف ينتهي؟ وهل له صورة؟ ومتى نتخلص منه؟ أو نمنعه من الوصول إلينا أو إلى من نحب؟.
لكن الجميل في الموت هو أنه حرَّك قريحة الإنسان العلمية والأدبية وفجَّرها في صور عديدة.. في صورة أدوية وآليات طبية جارحة، وفي صورة قصائد وجدانية رائعة، وفي صورة نصوص نثرية بلاغية طافحة باللوعة والحزن والأسى، وفي صورة كتابات فلسفية عميقة المعنى وقوية الخطاب.
إن الموت في الفلسفة المنزوعة الإيمان عدمٌ، ومفارقةُ البدنِ لشيء كان يحركه ويدعم ذهابه ومجيئه، وقيامه وقعوده، ونومه واستيقاظه. وفي الشعر عدوٌّ لا يرحم، وسارق للأحبة والأعزاء، وشهادة وبطولة وانتصار، وفي المسرحيات خصمٌ للحياة السعيدة، وخلاصٌ من الحياة الشقية البئيسة.
غير أن العجز عن مواجهة الموت، دفع بالبعض إلى أن يكتفي بالدعاء عليه، وهذا شاعرنا ابن الرومي في رثاء أوسط صبيته يقول:
ألاَ قَاتَلَ اللَّهُ المَنَايِا وَرَمْيَهَا // مِنَ القَوْمِ حَبَّاتِ القُلُوْبِ عَلَى عَمْدِ
ويقول حكيم الشعر العربي أبو الطيب المتنبي في ذم الموت والتعبير عنه بعاطفة لا إحساس فيها ولا شعور بالهيبة أو الرهبة:
وما الموت إلا سارق دق قادماً // يصول بلا كف ويسعى بلا رجل
بينما لا يدري ابن نباتة المصري، الذي عاش في القرن السابع الهجري، أن الدواء في القرن 15 الهجري سيمنع الموت ويؤجل حضوره إلى حين:
نعلَّلُ بالدواءِ إِذا مَرِضْنا // وهل يشفي من الموتِ الدواءُ؟
ونختارُ الطبيبَ، وهل طبيبٌ // يؤخرُ ما يقدمهُ القضاءُ
لقد حضر الموتُ بقوة في فلسفة ابن سينا والفارابي وابن رشد وابن عربي وابن طفيل، وفي شعر طرفة بن العبد وابن أبي سلمى والخنساء وأبي العتاهية ونزار قباني، وفي مسرحيات توفيق الحكيم والكغاط والقباني ودريد لحام، وفي كثير من النصوص الإبداعية الأدبية والموسيقية العربية والعالمية. ومازال يحضر هذا الموت متخفيا في الأمراض حِيناً، وظاهرا في الحروب والجرائم أحيانا كثيرة، وفي أذهان الأطفال والنساء والرجال والشيوخ والمرضى. إنه الهاجس الذي لا يغيب عنَّا مهما امتلأت صدور حياتنا بأنفاس السعادة والصحة والعافية.. لا بد له أن يُباغِثنا من هنا أو هناك، ويُفجِعنا بأبٍ أو أمٍّ أو أخٍ أو أختٍ أو صديقٍ.. والحقُّ يقال: إنه لا يحابي أحدا، ولا يجامل قبيلة ولا عشيرة، ولا يميز بين الأعمار. لكن عيبه، في أكثر من مرة، يكمن في أن ضحاياه، أغلبهم، أناس طيبون !.
وكنت قد التقيت به أول مرة في خريف أكتوبر من سنة 1979م حيث زارنا على الساعة السادسة صباحا. كنَّا نياما، وكانت أختي الكبيرة ساهرة طوال الليل تجفف عن جبين والدي عرقَه الذي كان يسيل دون انقطاع، وتخفِّفُ عنه حرارة الاحتضار بمنديل تبلله كل مرة بماء بارد، إلى أن باغثها الموت بقبض روح أبي، فصرختْ صرخةً مزَّقت سكون الصباح الذي كان يزحف ببياضه على وجه المدينة، وهزت أبداننا، نحن إخوتها الصغار، من الرقاد إلى القيام، ومن النوم إلى الاستيقاظ، ومن الغفلة إلى الواقع حيث حقيقة الموت. بيد أني لم أشعر بذات الموت إلا حين كان نعش أبي رحمه الله يُرفع فوق الأكتاف ويُغادر بيتنا إلى حيث مثواه الأخير على الأرض بمقبرة مرشان. حينذاك شعرت بحقيقة الموت، وبأنه عدمٌ؛ ولكنه ليس بعدم محض، وبأنه غياب؛ ولكنه ليس غيابا مطلقا، وبأنه فصل البدن عن الروح؛ ولكن ليس فصل الذكرى عن استحضاره رحمه الله في وعينا وذاكرتنا متى شئنا أو استدعاه حدث ما.
ثم بدأ لقائي بالموت يتجدد كلما توغل الزمن في المكان، وكلما تغيَّرت الأعمارُ وانتقلت من الصِّغر إلى الكِبَر، فماتت أختي، ومات أخي، وعماتي وأخوالي، وأصدقائي، آخرهم؛ ابن الحي وزميل الدراسة محمد فريش؛ رحمهم الله جميعا. لكن موت صديقي فريش كان في زمن كورونا، أي في زمن غريب، حيث الجنازة لا يُصاحبُها إلا قلة من الناس، وحيث الصلاة على الميت محكومة بالتباعد الاجتماعي، وحيث العزاء الجماعي ممنوع تحت طائلة العقاب وتطبيق قانون حالة الطوارئ الصحية.
لذلك نشعر بأن كورونا هي أول وجه للموت، ينعكس على مرآة الحقيقة، يُكتشف في القرن الواحد والعشرين، إلا أنها موتٌ مضاعفٌ في آلامه وأحزانه.. إذ يموت القريب والعزيز والصديق، الأب والإبن والزوجة والأخت في حيِّنا أو في مدينة أخرى، فلا نملك القدرة على حضور جنازته، ولا على تقديم العزاء.. فهل من أمل نواجه به هذا القدر الجديد؟.
جاء في كتاب “الزهد” للإمام أحمد: “لما خلق الله تعالى آدم وذريته، قالت الملائكة: إن الأرض لا تسعهم. فقال: إني جاعل موتا، قالوا: إذاً لا يهنأ لهم العيشُ، قال: إني جاعل أملا”.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.