المغرب يعزز دوره القيادي عالميا في مكافحة الإرهاب بفضل خبرة وكفاءة أجهزته الأمنية والاستخباراتية    هزة ارضية تضرب نواحي إقليم الحسيمة    ارتفاع رقم معاملات السلطة المينائية طنجة المتوسط بنسبة 11 في المائة عند متم شتنبر    إيداع "أبناء المليارديرات" السجن ومتابعتهم بتهم الإغتصاب والإحتجاز والضرب والجرح واستهلاك المخدرات    بلومبرغ: زيارة الرئيس الصيني للمغرب تعكس رغبة بكين في تعزيز التعاون المشترك مع الرباط ضمن مبادرة "الحزام والطريق"    لقجع وبوريطة يؤكدان "التزام" وزارتهما بتنزيل تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية بالمالية والخارجية    أشبال الأطلس يختتمون تصفيات "الكان" برباعية في شباك ليبيا    مؤامرات نظام تبون وشنقريحة... الشعب الجزائري الخاسر الأكبر    الرباط.. إطلاق معرض للإبداعات الفنية لموظفات وموظفي الشرطة    بوريطة: الجهود مستمرة لمواجهة ظاهرة السمسرة في مواعيد التأشيرات الأوروبية    اللقب الإفريقي يفلت من نساء الجيش    منتخب المغرب للغولف يتوج بعجمان    ‬النصيري يهز الشباك مع "فنربخشة"    الجمارك تجتمع بمهنيي النقل الدولي لمناقشة حركة التصدير والاستيراد وتحسين ظروف العمل بميناء بني انصار    عبد الله بوصوف.. النظام الجزائري من معركة كسر العظام الى معركة كسر الأقلام    نهضة بركان يتجاوز حسنية أكادير 2-1 ويوسع الفارق عن أقرب الملاحقين    عمليات تتيح فصل توائم في المغرب    المخرج المغربي الإدريسي يعتلي منصة التتويج في اختتام مهرجان أجيال السينمائي    حفل يكرم الفنان الراحل حسن ميكري بالدار البيضاء    بعد قرار توقيف نتنياهو وغالانت.. بوريل: ليس بوسع حكومات أوروبا التعامل بانتقائية مع أوامر المحكمة الجنائية الدولية    أنشيلوتي يفقد أعصابه بسبب سؤال عن الصحة العقلية لكيليان مبابي ويمتدح إبراهيم دياز    كندا تؤكد رصد أول إصابة بالسلالة الفرعية 1 من جدري القردة        المغرب يرفع حصته من سمك أبو سيف في شمال الأطلسي وسمك التونة الجاحظ ويحافظ على حصته من التونة الحمراء    التفاصيل الكاملة حول شروط المغرب لإعادة علاقاته مع إيران    الأخضر يوشح تداولات بورصة الدار البيضاء    كرة القدم النسوية.. توجيه الدعوة ل 27 لاعبة استعدادا لوديتي بوتسوانا ومالي    اغتصاب جماعي واحتجاز محامية فرنسية.. يثير الجدل في المغرب    الحسيمة تستعد لإطلاق أول وحدة لتحويل القنب الهندي القانوني    هتك عرض فتاة قاصر يجر عشرينيا للاعتقال نواحي الناظور        قمة "Sumit Showcase Morocco" لتشجيع الاستثمار وتسريع وتيرة نمو القطاع السياحي    انتخاب لطيفة الجبابدي نائبة لرئيسة شبكة نساء إفريقيات من أجل العدالة الانتقالية    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    نمو صادرات الصناعة التقليدية المغربية    اعتقال الكاتب بوعلام صنصال من طرف النظام العسكري الجزائري.. لا مكان لحرية التعبير في العالم الآخر    بعد متابعة واعتقال بعض رواد التفاهة في مواقع التواصل الاجتماعي.. ترحيب كبير بهذه الخطوة (فيديو)    محمد خيي يتوج بجائزة أحسن ممثل في مهرجان القاهرة    المعرض الدولي للبناء بالجديدة.. دعوة إلى التوفيق بين الاستدامة البيئية والمتطلبات الاقتصادية في إنتاج مواد البناء    الطيب حمضي: الأنفلونزا الموسمية ليست مرضا مرعبا إلا أن الإصابة بها قد تكون خطيرة للغاية    مثير.. نائبة رئيس الفلبين تهدد علنا بقتل الرئيس وزوجته    ترامب يعين سكوت بيسنت وزيرا للخزانة في إدارته المقبلة    فعالية فكرية بطنجة تسلط الضوء على كتاب يرصد مسارات الملكية بالمغرب        19 قتيلا في غارات وعمليات قصف إسرائيلية فجر السبت على قطاع غزة    "السردية التاريخية الوطنية" توضع على طاولة تشريح أكاديميّين مغاربة    بعد سنوات من الحزن .. فرقة "لينكن بارك" تعود إلى الساحة بألبوم جديد    "كوب29" يمدد جلسات المفاوضات    ضربة عنيفة في ضاحية بيروت الجنوبية    بنسعيد: المسرح قلب الثقافة النابض وأداة دبلوماسية لتصدير الثقافة المغربية    طبيب ينبه المغاربة لمخاطر الأنفلونزا الموسمية ويؤكد على أهمية التلقيح    الأنفلونزا الموسمية: خطورتها وسبل الوقاية في ضوء توجيهات د. الطيب حمضي    لَنْ أقْتَلِعَ حُنْجُرَتِي وَلَوْ لِلْغِناءْ !    تناول الوجبات الثقيلة بعد الساعة الخامسة مساء له تأثيرات سلبية على الصحة (دراسة)    اليونسكو: المغرب يتصدر العالم في حفظ القرآن الكريم    بوغطاط المغربي | تصريحات خطيرة لحميد المهداوي تضعه في صدام مباشر مع الشعب المغربي والملك والدين.. في إساءة وتطاول غير مسبوقين !!!    في تنظيم العلاقة بين الأغنياء والفقراء    سطات تفقد العلامة أحمد كثير أحد مراجعها في العلوم القانونية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خطاب العرش: رؤية متجددة واثقة للنهضة المغربية انطلاقا من مبدأ "الجدية"
نشر في طنجة نيوز يوم 05 - 08 - 2023

إذا كان خطاب العرش 2022 قد ركز على ملفات أساسية في مشاريع الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي المنشود، وعلى رأسها مشروع التغطية الصحية، ومشروع إصلاح بعض بنود مدونة الأسرة، ومشروع المناصفة بين الرجال والنساء، ومشروع النهوض بالاستثمار.فإن خطاب العرش 2023 قد ركز على رسم رؤية متجددة واثقة للتنمية عبر ترسيخ منظومة القيم المغربية، انطلاقا من مبدأ الجدية، هذا المصطلح الذي ذكر مكررا في الخطاب 14 مرة، وهو أسلوب بليغ لم نعهده في الخطب الملكية السامية السابقة، وهو أيضا، من الأساليب الخطابية البلاغية المميزة الأكثر شيوعاً واستخداماً في فن الخطابة.
أولا: فصاحة التكرار في الخطاب
اعتبر ابن منظور 1 أن تكرار كلمة أو جملة أكثر من مرةٍ لمعاني متعددة كالتوكيد، والتهويل، والتعظيم، وغيرها، من الفصاحة.
واعتبر السيوطي رحمه الله: تكرار الكلمة " أبلغ من التأكيد، وهو من محاسن الفصاحة خلافًا لبعض من غلط" 2
كما يعد أسلوب التكرار مظهر من مظاهر الجمال البارزة في الخطاب الملكي السامي، وهو مصدر يدل على المبالغة، وفي الاصطلاح هو أسلوب تعبيري يصور التعظيم، واللفظ المكرر منه هو المفتاح الذي ينشر الضوء على الصورة 3. لذلك فتكرار مصطلح الجدية في الخطاب الملكي السامي 2023 مقصود به الإفهام والترسيخ في الذهن لدى المستمع، وما تكرر إلا إبرازا لأهميته وحرصا على تنزيله وتمثله، قال ابن الجوزي: ((أما إعادة الكلمة لتفهم فلا تعدو ثلاثة أشياء: إما ليفهم معنى اللفظ بإعادته، أو ليتضح اللفظ فينقطع عنه المحتملات، أو لتحفظ فيكون المراد بالفهم الحفظ))
حسن الطويل – أستاذ باحث
ثانيا: مصطلح "الجدية" في خطاب العرش:
ورد مصطلح "الجدية" في خطاب العرش 14 مرة، وبالنظر إلى حجم هذا الورود، وبالتأمل والاهتمام والتبصر العاطفي والعملي حوله بقدر حجم وروده، نستشف دلالة بينة على كونه مصطلحا حاملا لمفهوم أساس في رؤية جلالة الملك حفظه الله التنموية، خاصة بالتأمل في الكلمات والجمل المقرونة به، وبدلالاتها العظيمة والمتنوعة نوردها كالآتي:
"بالجدية" والتفاني في العمل. (التفاني في العمل)
فإننا في حاجة إلى هذه "الجدية"، للارتقاء به إلى مرحلة جديدة. (الارتقاء)
فكلما كانت "الجدية" حافزنا، كلما نجحنا في تجاوز الصعوبات، ورفع التحديات. (الحافز)
وتتجلى "الجدية" كذلك، في مجال الإبداع والابتكار. (الابداع والابتكار)
كما تتجسد "الجدية" عندما يتعلق الأمر بقضية وحدتنا الترابية. (الوحدة الترابية)
فهذه "الجدية" والمشروعية هي التي أثمرت توالي الاعترافات بسيادة المغرب. (سيادة المغرب)
وبنفس "الجدية" والحزم، نؤكد موقف المغرب الراسخ، بخصوص عدالة القضية الفلسطينية. (الحزم/ العدالة)
و"الجدية" يجب أن تظل مذهبنا في الحياة والعمل. (مذهب في الحياة)
"الجدية" في الحياة السياسية والإدارية والقضائية: من خلال خدمة المواطن، واختيار الكفاءات المؤهلة، وتغليب المصالح العليا للوطن والمواطنين، والترفع عن المزايدات والحسابات الضيقة. (خدمة المواطن، واختيار الكفاءات، تغليب المصالح العليا، الترفع)
كما أن "الجدية" التي نريدها، تعني أيضا الفاعلين الاقتصاديين، وقطاع الاستثمار والإنتاج والأعمال. (الاستثمار، الإنتاج، الأعمال)
و"الجدية" كمنهج متكامل تقتضي ربط ممارسة المسؤولية بالمحاسبة، وإشاعة قيم الحكامة والعمل والاستحقاق وتكافؤ الفرص. (المنهج، المسؤولية، المحاسبة، القيم، الحكامة، العمل، الاستحقاق، تكافؤ الفرص)
فإننا في أمس الحاجة إلى "الجدية" وإشاعة الثقة. (الثقة)
أما في مجال تدبير الموارد المائية، الذي يتطلب المزيد من "الجدية" واليقظة. (اليقظة)
في ظل ما يعرفه العالم، من اهتزاز في منظومة القيم والمرجعيات، وتداخل العديد من الأزمات، فإننا في أشد الحاجة إلى التشبث "بالجدية"، بمعناها المغربي الأصيل. (التشبث، المعنى المغربي الأصيل للجدية)
ثالثا : الدراسة المعجمية :
1-مأخذ لفظ "جد "وأصله وما ارتبط به من المعاني في اللغة العربية.
معنى "جد " في اللغة: من المعاني الجميلة التي يكاد يجمع عليها اللغويون في هذا المصطلح والتي تعد من بدائع اللغة العربية: ربطه بالعظمة، والحظ والقطع، قال ابن فارس رحمه الله في مقاييس اللغة: "جد " الجيم والدال أصول ثلاثة: الأول العظمة، والثاني الحظ، والثالث القطع.
فالأول العظمة، قال الله جل ثناؤه إخباراً عمن قال: (وَأَنَّهُ تَعَالَي جَدُّ رَبَّنَا). ويقال جَدَّ الرجُل في عيني أي عظم. قال أنس بن مالك: «كان الرجل إذا قرأ سورة البقرة وآل عمرانَ جَدَّ فينا»، أي عَظُم في صُدورِنا.
والثاني: الغنى والحظ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في دعائه «لا ينفع ذا الجد مِنكَ الجد»، يريد لا ينفَعُ ذا الغنى منك غناه، إنما ينفعه العمل بطاعتك. وفلان أجَدُّ من فلان وأحَظَّ منه بمعنى.
والثالث: يقال جَدَدت الشَّيء جَدًّا، وهو مجدود وجديد، أي مقطوع. قال:
أبي حبي سُلَيْمى أَنْ يَبيدا وأمسى حبلُها خَلَقا جديدا
وليس ببعيد أن يكون الجد في الأمر والمبالغة فيه من هذا؛ لأنه يَصْرِمه صريمة ويَعْزِمُه عزيمة. ومن هذا قولك: أجدك تفعل كذا، أي أَجِدًّا منك، أصريمة منك، أعَزيمةً منك. قال الأعشى:
أجدَّكَ لم تسمع وَصاةَ محمد نبي الإله حين أوْصَى وأَشْهَدا
2-الصلة بين المفهوم الاصطلاحي والمعنى اللغوي لمصطلح الجدية.
قال الراغب الأصفهاني: الطريقة الظاهرة، ومنه جادة الطريق، وسمي الفيض الإلهي جداً، قال تعالى: (وأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبَّنا ) [الجن/ 3] أي فيضه، وقيل: عظمته، وهو يرجع إلى الأول، وإضافته إليه على سبيل اختصاصه بملكه.
وعرف مادي 5 وكوباسا (Maddi & Kobasa1984 الجدية في العمل (Hardiness) على أنها سمة من سمات الشخصية الإدارية والتي تساعده في التخلص من الضغوط المهنية وتشتمل على مجال التحدي والتغيير ومجال الالتزام والمشاركة ومجال السيطرة والتحكم.
وتشير الجدية في العمل (Hardiness) كما عرفها كوباسا ومادي (Kobasa and 1999 Maddi) أنها حالة وسطية مهمة من أوضاع الضغط في العمل 6.
بينما أشار كل من مانينج وفوسلير 1999 ,Manning and Fusilier) إلى أن الجدية (Hardiness) تتكون من ثلاثة مفاهيم هي التحكم ( Control ) والالتزام (Commitment) والتحدي (Challenge)
كذلك فإن كوباسا (Kobasa1996) عرف الجدية أنها مقياس لاتجاه الشخص لعمل علاقات مع نفسه ومع العالم الخارجي، وأنها القابلية لفهم الظروف المحيطة بالشخص 7.
أما الجرجاني فيعرف الجدية بالقول: "ضد الهزل والتهاون، والضعف والرخاوة، وهي إنفاذ التكاليف الشرعية والدعوية توًا، مع المثابرة والدأب، وتسخير كل الإمكانات المتاحة لإنجازها، ومغالبة الأعذار والعراقيل التي تعترض سبيلها 8"
انطلاقا مما سبق ومن هذا التعريف، نتلمس عناصر تحقق مبدأ الجدية والمتمثلة في:
المشاركة وسرعة التنفيذ.
العزيمة والقوة والتحدي.
المثابرة والالتزام والدأب.
تسخير كل الإمكانات.
مغالبة الأعذار.
إن كسب رهان الجدية يتطلب استحضار العناصر الخمس أعلاه، من تخطيط وتنظيم ومتابعة وإشراف، بمثابرة والتزام، وتوظيف واستثمار لكل الموارد المتاحة، مع ضمان تنفيذ وفقا للمعايير والخطط، وكذا توزيع للمهام بتحديد المسؤوليات والواجبات والصلاحيات، ومتابعة العمليات والمهام مع كافة المتدخلين، بما يضمن تحقيق الجودة والكفاءة، في الوقت الفعلي المخصص لإنجاز ما هو مطلوب، مع الإرادة وصحة العزيمة، والحرقة وتوهج الشغف، بإنجاح المهام، وبإدراك جيد لقيمة الوقت، والندم على تضييع أي جزء منه، في غير محل العمل المراد القيام به.
رابعا: مجالات الجدية في خطاب العرش:
بالتأمل في الصيغ والدلالات الغنية لخطاب جلالته حفظه الله بمناسبة الذكرى 24 لاعتلاء العرش، وبقراءة فاحصة ودقيقة للجمل المتضمنة لمصطلح "الجدية"، نصنف الحديث عنها للمجالات الآتية:
أعتقد جازما، انطلاقا من قراءتي الأولية هذه، لخطاب جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، بمناسبة الذكرى 24 لاعتلائه عرش أسلافه الميامين، أن خطاب العرش، يؤسس لرؤية متجددة واثقة لنهضة مغربية، تنطلق من إنجازات ملموسة لجلالته، في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، يصعب حصرها، غيرت تماما من وجه المملكة المغربية ووضعتها في مسار التقدم والنهوض والازدهار، وهي، بلاشك، تعود للتلاحم الدائم، والتجاوب التلقائي، بين العرش والشعب. وبخصال الصدق والتفاؤل، وبالتسامح والانفتاح، والاعتزاز بالتقاليد العريقة، وبالهوية الوطنية الموحدة التي تميز المغاربة، وإن التسلح بمبدأ الجدية سيجعل مملكتنا الشريفة ترتقي إلى مرحلة جديدة في طريق النهضة والازدهار كما أكد جلالته في الخطاب ((فإننا في حاجة إلى هذه الجدية، للارتقاء به إلى مرحلة جديدة، وفتح آفاق أوسع من الإصلاحات والمشاريع الكبرى، التي يستحقها المغاربة)).
الهوامش:
1 / ابن منظور لسان العرب: 5/135
2 / السيوطي الإتقان في علوم القرآن: 3/280، طبعة مؤسسة النداء
3 / عز الدين علي السيد، التكرير بين المثير والتأثير، 1978 م ص:136 / عن مجلة فكر صحيفة أدبية ثقافية عامة تصدرها مؤسسة الفكر للثقافة والإعلام
4 / كشف المشكل من حديث الصحيحين 3/279
5 / مؤسس مفاهيم الجدية في العمل ومؤسس معهد الجدية في العمل عام 1975 (الجدية في العمل وعلاقتها بالرضا الوظيفي) أطروحة ما جستير في الإدارة التربوية كلية الدراسات التربوية العليا جامعة النجاح، نابلس، فلسطين 2006 .
6 / المصدر السابق
7 / المصدر السابق
8 / الجرجاني علي بن محمد بن علي المتوفى (816 ه) كتاب التعريفات (1/74) الناشر: دار الكتب العلمية يروت، لبنان، الطبعة الأولى :1403 ه 1983 م .
إذا كان خطاب العرش 2022 قد ركز على ملفات أساسية في مشاريع الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي المنشود، وعلى رأسها مشروع التغطية الصحية، ومشروع إصلاح بعض بنود مدونة الأسرة، ومشروع المناصفة بين الرجال والنساء، ومشروع النهوض بالاستثمار.فإن خطاب العرش 2023 قد ركز على رسم رؤية متجددة واثقة للتنمية عبر ترسيخ منظومة القيم المغربية، انطلاقا من مبدأ الجدية، هذا المصطلح الذي ذكر مكررا في الخطاب 14 مرة، وهو أسلوب بليغ لم نعهده في الخطب الملكية السامية السابقة، وهو أيضا، من الأساليب الخطابية البلاغية المميزة الأكثر شيوعاً واستخداماً في فن الخطابة.
أولا: فصاحة التكرار في الخطاب
اعتبر ابن منظور أن تكرار كلمة أو جملة أكثر من مرةٍ لمعاني متعددة كالتوكيد، والتهويل، والتعظيم، وغيرها، من الفصاحة.
واعتبر السيوطي رحمه الله: تكرار الكلمة " أبلغ من التأكيد، وهو من محاسن الفصاحة خلافًا لبعض من غلط"
كما يعد أسلوب التكرار مظهر من مظاهر الجمال البارزة في الخطاب الملكي السامي، وهو مصدر يدل على المبالغة، وفي الاصطلاح هو أسلوب تعبيري يصور التعظيم، واللفظ المكرر منه هو المفتاح الذي ينشر الضوء على الصورة. لذلك فتكرار مصطلح الجدية في الخطاب الملكي السامي 2023 مقصود به الإفهام والترسيخ في الذهن لدى المستمع، وما تكرر إلا إبرازا لأهميته وحرصا على تنزيله وتمثله، قال ابن الجوزي: ((أما إعادة الكلمة لتفهم فلا تعدو ثلاثة أشياء: إما ليفهم معنى اللفظ بإعادته، أو ليتضح اللفظ فينقطع عنه المحتملات، أو لتحفظ فيكون المراد بالفهم الحفظ))
ثانيا: مصطلح "الجدية" في خطاب العرش:
ورد مصطلح "الجدية" في خطاب العرش 14 مرة، وبالنظر إلى حجم هذا الورود، وبالتأمل والاهتمام والتبصر العاطفي والعملي حوله بقدر حجم وروده، نستشف دلالة بينة على كونه مصطلحا حاملا لمفهوم أساس في رؤية جلالة الملك حفظه الله التنموية، خاصة بالتأمل في الكلمات والجمل المقرونة به، وبدلالاتها العظيمة والمتنوعة نوردها كالآتي:
"بالجدية" والتفاني في العمل. (التفاني في العمل)
فإننا في حاجة إلى هذه "الجدية"، للارتقاء به إلى مرحلة جديدة. (الارتقاء)
فكلما كانت "الجدية" حافزنا، كلما نجحنا في تجاوز الصعوبات، ورفع التحديات. (الحافز)
وتتجلى "الجدية" كذلك، في مجال الإبداع والابتكار. (الابداع والابتكار)
كما تتجسد "الجدية" عندما يتعلق الأمر بقضية وحدتنا الترابية. (الوحدة الترابية)
فهذه "الجدية" والمشروعية هي التي أثمرت توالي الاعترافات بسيادة المغرب. (سيادة المغرب)
وبنفس "الجدية" والحزم، نؤكد موقف المغرب الراسخ، بخصوص عدالة القضية الفلسطينية. (الحزم/ العدالة)
و"الجدية" يجب أن تظل مذهبنا في الحياة والعمل. (مذهب في الحياة)
"الجدية" في الحياة السياسية والإدارية والقضائية: من خلال خدمة المواطن، واختيار الكفاءات المؤهلة، وتغليب المصالح العليا للوطن والمواطنين، والترفع عن المزايدات والحسابات الضيقة. (خدمة المواطن، واختيار الكفاءات، تغليب المصالح العليا، الترفع)
كما أن "الجدية" التي نريدها، تعني أيضا الفاعلين الاقتصاديين، وقطاع الاستثمار والإنتاج والأعمال. (الاستثمار، الإنتاج، الأعمال)
و"الجدية" كمنهج متكامل تقتضي ربط ممارسة المسؤولية بالمحاسبة، وإشاعة قيم الحكامة والعمل والاستحقاق وتكافؤ الفرص. (المنهج، المسؤولية، المحاسبة، القيم، الحكامة، العمل، الاستحقاق، تكافؤ الفرص)
فإننا في أمس الحاجة إلى "الجدية" وإشاعة الثقة. (الثقة)
أما في مجال تدبير الموارد المائية، الذي يتطلب المزيد من "الجدية" واليقظة. (اليقظة)
في ظل ما يعرفه العالم، من اهتزاز في منظومة القيم والمرجعيات، وتداخل العديد من الأزمات، فإننا في أشد الحاجة إلى التشبث "بالجدية"، بمعناها المغربي الأصيل. (التشبث، المعنى المغربي الأصيل للجدية)
ثالثا : الدراسة المعجمية :
1-مأخذ لفظ "جد "وأصله وما ارتبط به من المعاني في اللغة العربية.
معنى "جد " في اللغة: من المعاني الجميلة التي يكاد يجمع عليها اللغويون في هذا المصطلح والتي تعد من بدائع اللغة العربية: ربطه بالعظمة، والحظ والقطع، قال ابن فارس رحمه الله في مقاييس اللغة: "جد " الجيم والدال أصول ثلاثة: الأول العظمة، والثاني الحظ، والثالث القطع.
فالأول العظمة، قال الله جل ثناؤه إخباراً عمن قال: (وَأَنَّهُ تَعَالَي جَدُّ رَبَّنَا). ويقال جَدَّ الرجُل في عيني أي عظم. قال أنس بن مالك: «كان الرجل إذا قرأ سورة البقرة وآل عمرانَ جَدَّ فينا»، أي عَظُم في صُدورِنا.
والثاني: الغنى والحظ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في دعائه «لا ينفع ذا الجد مِنكَ الجد»، يريد لا ينفَعُ ذا الغنى منك غناه، إنما ينفعه العمل بطاعتك. وفلان أجَدُّ من فلان وأحَظَّ منه بمعنى.
والثالث: يقال جَدَدت الشَّيء جَدًّا، وهو مجدود وجديد، أي مقطوع. قال:
أبي حبي سُلَيْمى أَنْ يَبيدا وأمسى حبلُها خَلَقا جديدا
وليس ببعيد أن يكون الجد في الأمر والمبالغة فيه من هذا؛ لأنه يَصْرِمه صريمة ويَعْزِمُه عزيمة. ومن هذا قولك: أجدك تفعل كذا، أي أَجِدًّا منك، أصريمة منك، أعَزيمةً منك. قال الأعشى:
أجدَّكَ لم تسمع وَصاةَ محمد نبي الإله حين أوْصَى وأَشْهَدا
2-الصلة بين المفهوم الاصطلاحي والمعنى اللغوي لمصطلح الجدية.
قال الراغب الأصفهاني: الطريقة الظاهرة، ومنه جادة الطريق، وسمي الفيض الإلهي جداً، قال تعالى: (وأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبَّنا ) [الجن/ 3] أي فيضه، وقيل: عظمته، وهو يرجع إلى الأول، وإضافته إليه على سبيل اختصاصه بملكه.
وعرف مادي 5 وكوباسا (Maddi & Kobasa1984 الجدية في العمل (Hardiness) على أنها سمة من سمات الشخصية الإدارية والتي تساعده في التخلص من الضغوط المهنية وتشتمل على مجال التحدي والتغيير ومجال الالتزام والمشاركة ومجال السيطرة والتحكم.
وتشير الجدية في العمل (Hardiness) كما عرفها كوباسا ومادي (Kobasa and 1999 Maddi) أنها حالة وسطية مهمة من أوضاع الضغط في العمل.
بينما أشار كل من مانينج وفوسلير 1999 ,Manning and Fusilier) إلى أن الجدية (Hardiness) تتكون من ثلاثة مفاهيم هي التحكم ( Control ) والالتزام (Commitment) والتحدي (Challenge)
كذلك فإن كوباسا (Kobasa1996) عرف الجدية أنها مقياس لاتجاه الشخص لعمل علاقات مع نفسه ومع العالم الخارجي، وأنها القابلية لفهم الظروف المحيطة بالشخص.
أما الجرجاني فيعرف الجدية بالقول: "ضد الهزل والتهاون، والضعف والرخاوة، وهي إنفاذ التكاليف الشرعية والدعوية توًا، مع المثابرة والدأب، وتسخير كل الإمكانات المتاحة لإنجازها، ومغالبة الأعذار والعراقيل التي تعترض سبيلها"
انطلاقا مما سبق ومن هذا التعريف، نتلمس عناصر تحقق مبدأ الجدية والمتمثلة في:
المشاركة وسرعة التنفيذ.
العزيمة والقوة والتحدي.
المثابرة والالتزام والدأب.
تسخير كل الإمكانات.
مغالبة الأعذار.
إن كسب رهان الجدية يتطلب استحضار العناصر الخمس أعلاه، من تخطيط وتنظيم ومتابعة وإشراف، بمثابرة والتزام، وتوظيف واستثمار لكل الموارد المتاحة، مع ضمان تنفيذ وفقا للمعايير والخطط، وكذا توزيع للمهام بتحديد المسؤوليات والواجبات والصلاحيات، ومتابعة العمليات والمهام مع كافة المتدخلين، بما يضمن تحقيق الجودة والكفاءة، في الوقت الفعلي المخصص لإنجاز ما هو مطلوب، مع الإرادة وصحة العزيمة، والحرقة وتوهج الشغف، بإنجاح المهام، وبإدراك جيد لقيمة الوقت، والندم على تضييع أي جزء منه، في غير محل العمل المراد القيام به.
رابعا: مجالات الجدية في خطاب العرش:
بالتأمل في الصيغ والدلالات الغنية لخطاب جلالته حفظه الله بمناسبة الذكرى 24 لاعتلاء العرش، وبقراءة فاحصة ودقيقة للجمل المتضمنة لمصطلح "الجدية"، نصنف الحديث عنها للمجالات الآتية:
المجال
الصيغ الواردة في خطاب العرش
السيادة والوحدة الترابية
كما تتجسد "الجدية" عندما يتعلق الأمر بقضية وحدتنا الترابية.
القيم والأصالة المغربية
في ظل ما يعرفه العالم، من اهتزاز في منظومة القيم والمرجعيات، وتداخل العديد من الأزمات، فإننا في أشد الحاجة إلى التشبث "بالجدية"، بمعناها المغربي الأصيل
العمل وخدمة الوطن
"بالجدية" والتفاني في العمل.
فإننا في حاجة إلى هذه "الجدية"، للارتقاء به إلى مرحلة جديدة.
التنمية البشرية
فكلما كانت "الجدية" حافزنا، كلما نجحنا في تجاوز الصعوبات، ورفع التحديات.
و"الجدية" يجب أن تظل مذهبنا في الحياة والعمل.
فإننا في أمس الحاجة إلى "الجدية" وإشاعة الثقة
الحياة السياسية والإدارية والقضائية
"الجدية" في الحياة السياسية والإدارية والقضائية: من خلال خدمة المواطن، واختيار الكفاءات المؤهلة، وتغليب المصالح العليا للوطن والمواطنين، والترفع عن المزايدات والحسابات الضيقة.
الاقتصاد والاستثمار وريادة الأعمال
كما أن "الجدية" التي نريدها، تعني أيضا الفاعلين الاقتصاديين، وقطاع الاستثمار والإنتاج والأعمال.
الحكامة والتدبير
و"الجدية" كمنهج متكامل تقتضي ربط ممارسة المسؤولية بالمحاسبة، وإشاعة قيم الحكامة والعمل والاستحقاق وتكافؤ الفرص.
أما في مجال تدبير الموارد المائية، الذي يتطلب المزيد من "الجدية" واليقظة.
القضية الفلسطينية
وبنفس "الجدية" والحزم، نؤكد موقف المغرب الراسخ، بخصوص عدالة القضية الفلسطينية.
أعتقد جازما، انطلاقا من قراءتي الأولية هذه، لخطاب جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، بمناسبة الذكرى 24 لاعتلائه عرش أسلافه الميامين، أن خطاب العرش، يؤسس لرؤية متجددة واثقة لنهضة مغربية، تنطلق من إنجازات ملموسة لجلالته، في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، يصعب حصرها، غيرت تماما من وجه المملكة المغربية ووضعتها في مسار التقدم والنهوض والازدهار، وهي، بلاشك، تعود للتلاحم الدائم، والتجاوب التلقائي، بين العرش والشعب. وبخصال الصدق والتفاؤل، وبالتسامح والانفتاح، والاعتزاز بالتقاليد العريقة، وبالهوية الوطنية الموحدة التي تميز المغاربة، وإن التسلح بمبدأ الجدية سيجعل مملكتنا الشريفة ترتقي إلى مرحلة جديدة في طريق النهضة والازدهار كما أكد جلالته في الخطاب ((فإننا في حاجة إلى هذه الجدية، للارتقاء به إلى مرحلة جديدة، وفتح آفاق أوسع من الإصلاحات والمشاريع الكبرى، التي يستحقها المغاربة)).
الهوامش:
1 / ابن منظور لسان العرب: 5/135
2 / السيوطي الإتقان في علوم القرآن: 3/280، طبعة مؤسسة النداء
3 / عز الدين علي السيد، التكرير بين المثير والتأثير، 1978 م ص:136 / عن مجلة فكر صحيفة أدبية ثقافية عامة تصدرها مؤسسة الفكر للثقافة والإعلام
4 / كشف المشكل من حديث الصحيحين 3/279
5 / مؤسس مفاهيم الجدية في العمل ومؤسس معهد الجدية في العمل عام 1975 (الجدية في العمل وعلاقتها بالرضا الوظيفي) أطروحة ما جستير في الإدارة التربوية كلية الدراسات التربوية العليا جامعة النجاح، نابلس، فلسطين 2006 .
6 / المصدر السابق
7 / المصدر السابق
8 / الجرجاني علي بن محمد بن علي المتوفى (816 ه) كتاب التعريفات (1/74) الناشر: دار الكتب العلمية يروت، لبنان، الطبعة الأولى :1403 ه 1983 م .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.