في طنجة، لا يحتاج العيد إلى دعوة كي يحلّ. يأتي محمولا على الأكتاف، مُزيّنا بزينة العفوية، ومغمورا بضحكات الأطفال، وبأنامل تزين الأزقة كما لو أنها تستعيد مشاهد من أعياد الطفولة التي اختفت خلف أسوار الإسمنت وضجيج المعيش. وبينما كانت أحياء المدينة تتوشح بالألوان وتُطلق الفرح في سماء ضيقة، خرج الجدل من مكبرات الصوت، لا ليُشكّك في حق الناس في الاحتفال، بل في الكلمات التي رافقت الاحتفال. فلم تكن مظاهر البهجة محل رفض. بل إن كثيرا من الأصوات اعتبرتها تنفيسا ضروريا، وفعلا جماعيا فيه شيء من المقاومة الثقافية ضد التهميش والبرودة الرسمية. لكنّ ما أثار الاستنكار، هو أن تتسلل إلى مشاهد العيد أغانٍ ومضامين لا تمتّ بصلة لا لروح المناسبة، ولا لثقافة الأحياء التي احتضنت تلك المبادرات. كلمات تتحدث — بوضوح أو تلميح — عن السكر، والعلاقات العابرة، والسهرات المشبوهة، في مشهد يبدو منفصلا عن اللحظة، وغريبا عن الذائقة العامة لفئات ترى في العيد محطة تطهّر وتراحم، لا مناسبة للتطبيع مع ابتذال اللفظ وخدش السمع. الذين عبّروا عن انزعاجهم، لم يرفضوا الفرح، ولم يدعوا إلى قمع التعبير، بل طالبوا باحترام السياق، والتفريق بين بهجة تُسعد النفوس، وعبث يجرح المشاعر. انتقدوا اختيارات فنية لا تنسجم مع رمزية المناسبة، دون أن يتبنوا لغة التهجم أو الوصاية. عباراتهم كانت تحمل خوفا مشروعا من أن تُترك الساحة فارغة أمام فوضى لا صوت لها سوى صوت الميكروفون. الذي جرى لم يكن مؤامرة على القيم، ولا انتصارا للانفلات، بقدر ما كان دليلا على فراغ تأطيري وثقافي عميق. فحين يغيب الفعل الجمعوي المسؤول، ويُترك الفضاء العام لمبادرات فردية تحركها النية الحسنة أحيانا، وتستغلها الحاجة إلى الترفيه أحيانا أخرى، يصبح من السهل أن يتسلل إلى الفرحة ما يفسدها، لا عن عمد، بل عن غفلة جماعية. طنجة التي عوّدتنا على أن تحتفل بهدوء، وجدت نفسها أمام نمط جديد من التعبير الشعبي، لا يخلو من الارتباك. وهو ارتباك لا يُعالج بالصراخ، بل بالاحتضان والتوجيه. لا بالمزايدة على النوايا، بل بتوفير البدائل. لأن الإشكال الحقيقي ليس في حفلة أقيمت، ولا في أغنية عُرضت، بل في غياب منظومة تؤطر الفرح وتوجهه، وتضمن أن يكون الاحتفال مساحة للارتقاء لا للانحدار. إن الدفاع عن الحق في الاحتفال لا يجب أن يُفهم باعتباره تبريرا لكل ما يرافقه. كما أن نقد بعض مظاهره لا ينبغي أن يتحول إلى جلد جماعي لمنظميه. ما نحتاجه اليوم هو أن نعيد صياغة مفهوم الفرح في أحيائنا، ليبقى نابضا بالحياة، دون أن يُفرّغ من قيمه، ودون أن يُختطف من أصحابه. في النهاية، العيد فرحة، لكنه أيضا مسؤولية. والاحتفال حق، لكنه أيضاً ذوق عام. والمجتمع، بكل فئاته، مدعوّ لأن يصون هذا التوازن، لا بتبادل الاتهامات، بل بإشعال شمعة تُضيء الطريق لمن يريد أن يفرح… دون أن يعتذر.