من مدينة لملهمي القرن التاسع عشر إلى مختبر للفن المعاصر، تقف طنجة اليوم عند مفترق البحرين كأنها تعيد تعريف نفسها. قناة "تي في 5 موند" الفرنسية خصّصت ركن السفر بموقعها للحديث عن هذا التحول بهدوء، لكنها كانت تقول، بين السطور، إن شيئاً عميقاً يتغيّر في المدينة الواقعة شمال المغرب. وفي مقال بعنوان "في المغرب، طنجة، المدينة المبدعة"، وصفت القناة الفرنسية التحول الجاري في المدينة بأنه "رهان على الإبداع"، حيث لا تكتفي طنجة بعرض تاريخها، بل تعيد صوغه بلغة الفن الحديث. فمن ديلاكروا إلى كيس فان دونغن، ومن نيكولا دو ستايل إلى أحمد اليعقوبي، كانت طنجة دوماً محجّاً لفنانين وجدوا في ضوءها ومضيقها مادة للحلم، لكن المدينة اليوم، كما تقول القناة، تمضي نحو سياحة ثقافية لا تقتصر على النوستالجيا. المقال ينقل عن محمد أوعنايا، الرئيس المدير العام لشركة تهيئة ميناء طنجةالمدينة، أن المشروع الحضري الذي انطلق سنة 2010 يطمح إلى "نسج علاقة جديدة بين المدينة والميناء". مشروع لا يقتصر على الحجر، بل يراهن على "سياحة بحرية وترفيهية بمعدل ارتياد مقبول"، وفق تعبيره. لكن جوهر التحول، كما تراه القناة، يحدث بين الأزقة القديمة. هناك، حيث استيقظت قصور نائمة وتحولت إلى متاحف وفضاءات ثقافية، بفضل مخطط إعادة تأهيل المدينة العتيقة الذي أطلقه محمد السادس. هناك أيضاً، في رواق "كونيل" المخبأ خلف أشجار التين، حيث تتجاور لوحات لفنانين مغاربة وعالميين، وتولد اكتشافات فنية جديدة. وفي باب القصبة، متحف ابن بطوطة يقف شاهداً على الرحالة الطنجاوي الذي غادر المدينة سنة 1325 ولم يعد إليها إلا بعد تسعة وعشرين عاماً. بجواره، متحف القصبة للفن المعاصر الذي بُني على أنقاض سجن قديم، وقد أعاد المعماريون تصميمه بنظرة شاعرية، حيث صارت الحجارة القديمة تنطق بلغة الضوء والممرات الرحبة. طنجة لا تتغير فقط لتُرضي الزوار. بل أيضاً لأجل سكانها. فبحسب "تي في 5 موند"، باتت حشود الطنجاويين تتجمع مساءً عند الأسوار، تنزل بهدوء الأدراج نحو البحر، تتنزه على الممرات الجديدة بين ظلال الأشجار، دون أن تشعر بأنها تغادر مدينتها القديمة. ولأن التحول لم يكتمل بعد، فإن المدينة تواصل ورشتها الممتدة حتى عام 2029، موعد يسبق بكَرة كأس العالم التي ستحتضن بعضاً من مبارياته عام 2030. وطنجة، كما يراها الراعي الفرنسي أوليفييه كونيل المقيم فيها منذ عقدين، تكسب أكثر من واجهة بحرية: "إنها تعيد اكتشاف روحها، وتُثبت فعلاً أنها مدينة الفنانين، ولكن بلغة القرن الحادي والعشرين".