يمثل أدب الرحلة فرصة سانحة للدارس من أجل الاطلاع على عادات المجتمعات وخصائصها ، فالرحالة حين يكتب ، يكون خاضعا لسيطرة الانفعال بمشاهداته الخارجة عن سياق المألوف لديه ،وهي مشاهدات غالبا ما تختلف عن مشاهدات المقيمين من أبناء هذه المجتمعات فتعبر بصدق عن دهشة الاكتشاف وصدمة الخروج عن طور المعتاد، وفضلا عن ذلك فأدب الرحلة يقدم للباحثين معطيات ثرية عن الفوارق الحضارية والثقافية والسلوكية وغيرها بين بلد الرحالة الأم وبلد زيارته . إن الرحالة ما يفتأ يعقد المقارنات ويشير إلى الاختلافات ويحاكم ويقضي في العادات ، فلا يقف محايدا في وصفه مهما توخى الموضوعية والحياد في نقله، فيكفي أن تند عنه إشارة تعجب لنفهم من استغرابه أنه أمام وضع جديد مستغرب بالنسبة إليه ويكفي أن يستهجن عادة أو يستقبح طعاما لندرك أنه يعتمد على ذوق بيئته وأعراف أهله في محاكمة عادات الآخرين ومعاشهم . وأبو سالم العياشي واحد من هؤلاء الرحالة الذين أغنوا أدب الرحلة من خلال تدويناتهم، تكتشف فيه تلك الرغبة الجامحة في تنمية الوعي بالذات والآخر ، فلا يقف عند حدود الوصف المجرد في رحلاته بل يوظف زاده الفقهي والعلمي لتقويم ما يراه معوجا في سلوك الأمم التي يحتك بها ، ومن خلاله ينعقد الحوار بين الحضارة المشرقية والمغربية ويُسلطُ الضوءُ على وضع المرأة في الشرق والغرب ويناقش عِلمُ الظاهر عِلمَ الباطن .. من هذا المنطلق كان العياشي نافذة على لون جديد ينتمي إلى أدب الرحلة، من سماته وفق ماذهب إليه الدكتور إبراهيم القادري بوتشيش أنه يمثل مصدرا تاريخيا إثنوغرافيا عظيم الأهمية . ولد أبو سالم عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي عام 1628م بقبيلة آيت عياش وكان والده شيخا لزاوية كانت آنذاك فرعا للزاوية الدلائية ، فنشأ متصوفا زاهدا وهذا ما سيظهر جليا في تنقيبه وبحثه عن متصوفة عصره أينما حل وارتحل ،تتلمذ العياشي لمجموعة من أئمة عصره كأبي بكر بن يوسف الكتاني وعبد القادر الفاسي ومحمد بن ناصر الدرعي وأبي بكر السكتاني وغيرهم، وبسبب الظروف العصيبة التي كان يمر منها المغرب يومها اضطر إلى مغادرة المغرب نحو المدينةالمنورة ، كما أن نشأته الصوفية شكلت بالنسبة إليه دافعا قويا لزيارة الأماكن المقدسة ، وقد ذهب الدكتور القادري بوتشيش إلى أن الرغبة العلمية الجامحة لدى العياشي شكلت أهم بواعث انطلاقه في رحلاته الثالث ، يقول بوتشيش : ” وكان الوضع المتردي الذي عاش فيه بالمغرب لا يلائم طموحاته العلمية ، في حين كان الجو العلمي السائد بالمدينةالمنورة يجذبه إليه بقوة ” ، غير أن هذا الاستنتاج يبدو مجانبا للصواب عندما نستعيد الأجواء العلمية التي كانت سائدة بالمغرب يومها فقد تتلمذ العياشي لجماعة من الفقهاء والنحويين والمفسرين المغاربة ممن ذكر في فهرسته “اقتفاء الأثر بعد ذهاب أهل الاثر ” ومما لا شك فيه أن العياشي قد اتصل بعدد كبير من العلماء في رحلته كالخفاجي وإبراهيم الماموني المصريين ، وعلي بن الجمال وحسين العجمي أثناء مجاورته بالحجاز ، وعيسى الثعالبي الجزائري ، وعبد العزيز النفاتي التونسي قاضي القدس ، فأخذ عنهم التصوف والعلم ، وكان يتصل بأهل العلم في كل الأقطار التي يحل بها في المدينة وغيرها فهل يكون طلب العلم في كل قطر من تلك الأقطار مسوغا للقول بأن الأجواء العلمية في باقي الأقطار لم تكن ترضي طموحه للمعرفة ؟؟. خلف العياشي مجموعة من المؤلفات ما يزال بعضها محفوظا في الزاوية العياشية منها :”إظهار المنة على المبشرين بالجنة ” و “تحفة الأخلاء بأسانيد الأجلاء “و تنبيه ذوي الهمم العالية على الزهد في الدنيا الفانية “، غير أن أجلها على الإطلاق كتابه “ماء الموائد” وبه اشتهر فغلب لذلك وصف الرحالة عليه أكثر من الفقيه والمتصوف والشاعر رغم أنه كان أولئك جميعا ، يقول العلامة عبد الهادي التازي : ” وتعد رحلة العياشي ‘ماء الموائد' من أهم الرحلات المغربية وأكثرها انتشارا ، لأنها أكثر مادة وتنوعا ، وقد طفق الرحالون من اللاحقين ينقلون عنها من دون أن يرجعوا إلى مصادر أخرى أحيانا ، ومن هنا نرى أن الاهتمام بها يعد اهتماما بجل الرحلات التي تلتها …” غير أن المتأمل لنص رحلته الكبرى سرعان ما يكتشف الجوانب الأخرى من شخصية الرحالة العياشي . وكما أسلفنا فلا يقف العياشي محايدا إزاء مشاهداته في تلك الرحلات فهو تارة يعبر عن نزعاته الصوفية عند الحديث عن زيارة المقابر دون أن يستند إلى أدلة الشرع فيقول : ” وزرنا قبر الإمام الذي لا ينبغي لأحد دخل مصر أن يهمل زيارته ، إذ هو صاحب التعريف التام بمصر ” ثم يسترسل في وصف قبر الإمام الشافعي وزائريه ويعقب على ذلك بذكر فضل الشافعي وعلمه دون أن يخفي موقفه المؤيد لطقوس الزيارة النابع من قناعاته الصوفية ،وإذا تحدث عن عوام العرب من اليمن والحجاز وتهامة ما يلبث أن يقارنهم بعوام المغرب ” وبالجملة فعرب الدرب والحجاز وتهامة ونجد أجهل العرب وأكثرهم جفاء، قلما تجد أحدهم يحسن شيئا من رسوم الشريعة الظاهرة وصلاة و صيام إلا القليل ، وعوام الأعراب والبربر بمغربنا بالنسبة لهؤلاء فقهاء ، فلا تجد عاميا بالمغرب وإن بلغ الغاية في الجهل ، إلا وهو يعلم أن الصلاة ذات ركوع وسجود” ،والعياشي في هذا المقام يحاكم أولئك الأعراب إلى المعلوم من الدين بالضرورة من علم الظاهر خلاف استناده إلى ميوله الصوفي الباطني في تجويز زيارة المقابر والأضرحة في سائر رحلته. وفي موضع آخر يجاهر العياشي بعقيدته الأشعرية ويقدم رأي الأشعري المنتشر في المغرب في مسائل الصفات على غيره فيقول “ومن أراد أن ينشرح صدره ويتبين له تبينا لا مراء في صحة مذهب الإمام الأشعري وأنه مذهب أهل السنة والجماعة فليطالع كتاب الإمام أبي القاسم بن عساكر”. والعياشي لم يُقم بالمدينة للمجاورة وطلب العلم وكفى ، فقد أقرأ الناس مختصر الشيخ خليل في فقه مالك وفي ذلك يقول : ألجأني أصحابنا المالكية بالمدينةالمنورة أن أقرأ لهم مختصر الشيخ خليل في فقه مالك ” ومما يدل على علو كعبه في الفقه قوله : ” فقرأنا لهم قراءة لا بأس بها زعموا أنهم لم يروا مثلها منذ أزمان ” ثم يتعرض العياشي لوضع المرأة في المدينة فينحي على النساء والرجال باللائمة لفساد مفهوم القوامة لديهم خاصة عندما يتحدث عن إتاوات تفرضها النساء على الرجال ، فلا يسع الرجال غير الأداء والامتثال ويذكر أنهن يصرفن مبالغ باهظة في شراء الطيب وهي عادة ما تزال قائمة إلى يوم الناس هذا . إن ما يشد الانتباه في رحلة العياشي كما هو الشأن في رحلة سلفه ابن بطوطة هي أمانة النقل التي تتجلى واضحة في الكثير من رواياته فهو ينتقد الحجاج المغاربة لأنهم ليسوا أوفياء فقد جلب لهم أحد الشيوخ فرسا سرقت منهم “فواعدوه بكسوة فلم يوفوا له بما وعدوا “ويعلق العياشي على ذلك قائلا : “تلك شيمة في حجاج المغاربة يكادوا أن يعاملوا بمثلها ، والله يلطف بالعباد ” يصف العياشي في رحلاته أطعمة الناس وعاداتهم ويصف ألبستهم وأفراحهم وجنائزهم ويذكر اختلاط الأجناس في بعض المدن وما يميز كل جنس في الملبس والسلوك . ثم يضفي على رحلته بين الفينة والأخرى لمسات شعرية تُنبي بتمكنه من صناعة القريض ومن نماذج ذلك قوله : فكأنه لما بدا متشمرا والزائرين به جميعا أحدقوا ملك همام ناهض للقاء من قد زاره ولهم إليه تشوق تتبادر الغلمان رفع ذيوله حتى إذا رجعوا جميعا أطلقوا وعلى الجملة فرحلة العياشي ليست كتاب أخبار ودرس جغرافيا فحسب بل إنها اشتملت إلى جانب ذلك على تراجم جماعة من الأعلام وتناولت في طياتها قضايا عقدية وفقهية في أكثر من موضع مما جعل منها على حد تعبير صاحبها ديوان علم لا كتاب سمر وفكاهة فقط . والرحلة وإن سلطت الضوء على جوانب متعددة في شخصية أبي سالم فلا تمثل غير جزء من شخصيته ولا تكتمل الأجزاء الأخرى إلا بتحقيق ما بقي من تراثه . عاد أبو سالم إلى المغرب الأقصى بعد فراغه من رحلاته وصار شيخا للزاوية التي أقام بها والده فعرفت باسمه إلى اليوم وحولها إلى محج للفقراء وطلبة العلم وظل بها إلى أن وافته المنية عام 1679م الموفق لعام1090 ه بعد إصابته بالطاعون .