في منتدى غرناطة.. عبد القادر الكيحل يدعو إلى تعبئة برلمانية لمواجهة تحديات المتوسط    حزب الحركة الشعبية يصادق على أعضاء أمانته العامة    المنتخب المغربي للسيدات يهزم تونس وديا بثلاثية    أكادير.. تبادل عنف جماعي في الشارع والأمن يتحرك بسرعة لتوقيف المشتبه بهم    الطقس غدا السبت.. تساقطات مطرية ورياح قوية مرتقبة في عدة مناطق    حادث سير يُصيب 12 جنديًا من القوات المسلحة الملكية بإقليم شفشاون    جمعية "قلوب أصيلة" تواصل مبادراتها الاجتماعية خلال شهر رمضان وتوزع مئات الوجبات يوميًا    أسود القاعة ضمن الستة الأوائل في تصنيف الفيفا الجديد    مديونة تحتضن الدورة الرابعة من "خطوات النصر النسائية"    ترامب يبقي سياسته الجمركية رغم الإجراءات الانتقامية من الصين    الممثل الخاص للأمين العام للحلف: المغرب شريك فاعل لحلف شمال الأطلسي في الجوار الجنوبي    عراقة المغرب في سيمفونية ساحرة.. طهور يفاجئ الجمهور بعمل استثنائي    السكوري يروّج لجهود المغرب بجنيف    مشاريع سينمائية مغربية تبحث عن التسويق في "ملتقى قمرة" بالدوحة    الملياني يبرز أبعاد "جيتيكس أفريقيا"    تطورات جديدة في ملف بعيوي والمحكمة تؤجل المحاكمة إلى الجمعة المقبل    الحكومة تمكن آلاف الأجراء من الاستفادة من التقاعد بشرط 1320 يوما عوض 3240    حكيمي: اللقب مع المغرب سيكون رائعا    انطلاق أشغال الندوة الدولية بالسعيدية حول تطوير الريكبي الإفريقي    جلالة الملك يهنئ رئيس جمهورية السنغال بمناسبة الذكرى ال65 لاستقلال بلاده    رغم اعتراض المعارضة الاتحادية على عدد من مقتضياته الحكومة تدخل قانون العقوبات البديلة حيز التنفيذ في غشت القادم    بورصة الدار البيضاء تنهي تداولاتها بأداء سلبي    إير أوروبا تستأنف رحلاتها بين مدريد ومراكش    تراجع أسعار النفط بأكثر من 6 بالمئة متأثرة بالرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة    "البيجيدي" يطلب وزير التجارة إلى البرلمان بهدف تحديد تأثير رسوم ترامب التي بقيت في حدها الأدنى على صادرات المغرب    تعادل أمام زامبيا في ثاني مبارياته بالبطولة .. منتخب للفتيان يقترب من المونديال ونبيل باها يعد بمسار جيد في كأس إفريقيا    ثمن نهائي كأس العرش .. «الطاس» يحمل على عاتقه آمال الهواة ومهمة شاقة للوداد والرجاء خارج القواعد    عزل رئيس كوريا الجنوبية    الاضطرابات الجوية تلغي رحلات بحرية بين المغرب وإسبانيا    المغرب فرنسا.. 3    عشرات الوقفات الاحتجاجية بالمدن المغربية للتنديد بحرب الإبادة الإسرائيلية في غزة    الصحراء وسوس من خلال الوثائق والمخطوطات التواصل والآفاق – 28-    دي ميستورا يحل بالعيون المغربية    زيارة رئيس مجلس الشيوخ التشيلي إلى العيون تجسد دعماً برلمانياً متجدداً للوحدة الترابية للمغرب    على عتبة التسعين.. رحلة مع الشيخ عبد الرحمن الملحوني في دروب الحياة والثقافة والفن 28 شيخ أشياخ مراكش    الإعلان عن فتح باب الترشح لنيل الجائزة الوطنية للثقافة الأمازيغية برسم سنة 2024    "أتومان" رجل الريح.. في القاعات السينمائيّة ابتداء من 23 أبريل    الرباط: انطلاق اللحاق الوطني ال20 للسيارات الخاص بالسلك الدبلوماسي    برلين: بمبادرة من المغرب..الإعلان عن إحداث شبكة إفريقية للإدماج الاجتماعي والتضامن والإعاقة    الصفريوي وبنجلون يتصدران أثرياء المغرب وأخنوش يتراجع إلى المرتبة الثالثة (فوربس)    تسجيل رقم قياسي في صيد الأخطبوط قيمته 644 مليون درهم    أمين الراضي يقدم عرضه الكوميدي بالدار البيضاء    بعد إدانتها بالسجن.. ترامب يدعم زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان    30 قتيلاً في غزة إثر ضربة إسرائيلية    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الجمعة    بنعلي تجري مباحثات مع وفد فرنسي رفيع المستوى من جهة نورماندي    النيابة العامة تقرر متابعة صاحب أغنية "نضرب الطاسة"    الصين تطلق قمرا اصطناعيا جديدا    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    بلجيكا تشدد إجراءات الوقاية بعد رصد سلالة حصبة مغربية ببروكسيل    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أردوغان.. «بائع الكعك» الذي يريد أن يكون سلطانا
نشر في مغارب كم يوم 24 - 07 - 2013

كانت أحداث «30 يونيو» في مصر قد أخرجته عن «الأصول الدبلوماسية» التي تعامل بها مع الخارج، والتي كانت تختلف عما يقوم به في الداخل من فرض لهيبته بالصوت العالي متسلحا ب«ثقة الجماهير» التي نالها في الانتخابات المتتالية منذ عام 2002 وحتى اليوم، إلى أن حدثت «نكسة تقسيم» في إسطنبول عندما نزل شباب أتراك إلى الشارع يتظاهرون ضد ما يسمونه «أحلامه السلطانية».
يحلو لشبان «ساحة تقسيم»، التي تحولت إلى رمز للانتفاضة على أردوغان، وصفه ب«السلطان»، معتبرين أنه يحاول إحياء «النزعة العثمانية» من خلال سياساته في الداخل والخارج. ويستند هؤلاء إلى شخصية الرجل القوية وتعابيره السليطة أحيانا وتمسكه برأيه إلى حد المكابرة، كما حدث حين قرر إكمال جولته الخارجية إلى دول المغرب العربي وكأن شيئا لا يجري في ساحات بلاده التي كانت تعج بمتظاهرين ضده.
نويان أومروك، الدكتور في العلوم السياسية والاجتماعية، يرى أن «صعود أردوغان السريع جعله يزيد من انتقاده اللاذع إلى درجة التوبيخ أو نعت الآخرين بنعوت لم يتعود عليها الشارع السياسي والدبلوماسي التركي»، معربا عن اعتقاده أن السبب في هذا هو الدعم من قبل الناخبين الذي جعله يجد الحق لنفسه لممارسة أعتى أنواع الضغط النفسي والمادي وإهانة الآخرين لأن خلفه كتلة شعبية هائلة، كما أن الكتل التي تنتخبه لا ترى ضيرا في استخدامه مثل هذه الأساليب».
يرى أومروك أن شخصية أردوغان «لها تأثير كبير جدا على الناخب، ولكن بعد أحداث ساحة تقسيم بدأ هذا التأثير يضمحل رويدا رويدا». وهو يؤمن بأن حزب التنمية والعدالة من دون أردوغان «كان سيصبح مثل الأحزاب التركية الأخرى، أو بالأحرى، كان سيتحول مثل حزب الوطن الأم عندما أصبح تورغوت أوزال رئيسا للدولة، أي كان سيمحى عن الساحة السياسية التركية، لأن أردوغان له شخصيته وتأثيره المنقطع النظير على الحزب نفسه».
ويعتبر أومروك أنه «توجد للتنظيم الهرمي للحزب مصالح مترابطة بقوة، ويتربع في أعلى الهرم من يتحكم في جميع هذه المصالح، لهذا لا ترى أي صوت معارض لأردوغان داخل الحزب». ويرد السبب في ذلك إلى أن أردوغان «لم يتعلم السياسة في الأكاديميات، بل تخضرم في أروقة الأحزاب، وبات يعرف كل دواهي السياسة والسياسيين، ولهذا إذا انسحب أردوغان من الحزب فإن حزبه سيتحول إلى ما آل إليه حزب الوطن الأم بعد رحيل أوزال».
من جهة ثانية، يرى أومروك أن ثمة سببين وراء اختيار الشعب أردوغان: الأول هو «أننا ننحدر من شعب حكمه العثمانيون لفترة طويلة، ومن ثم عاش في ظل النظام الجمهوري، لأكثر من 80 سنة، وتوجد في هذا المجتمع نسبة لا بأس بها تحاول أن تعيد أمجاد الحكم العثماني، وترى أنه الأنجع لحكم تركيا. ولقد بدأ هذا التيار في الظهور من خلال الأحزاب التي أنشأها نجم الدين أربكان، وهذا التيار تتراوح نسبة ناخبيه بين 20 و22 في المائة». أما السبب الثاني فهو أنه «بعد الأزمة الاقتصادية التي هبت على العالم عام 2002 باشرت بعض المحافل الإقليمية والدولية ضخ الأموال إلى تركيا، وساعدت هذه الأموال البلاد في تحقيق استقرار اقتصادي سطحي، وبما أن الإنسان التركي شب على ثقافة القناعة والرضا والشكر فإنه يعمل على المحافظة على مكتسباته ولا يميل إلى المخاطرة بطلب الأكثر أو الربح الأكثر». ولهذه الشخصية دافع آخر في رأي أومروك هو أن «جذور أردوغان ترجع إلى الأغلبية أو العامة من الشعب، كما أن ترعرعه في حي قاسم باشا، المعروف عنه أنه يخرج فتوّات (قبضايات) إسطنبول، وانعكاس هذا على تصرفاته وأقواله أيضا، أكسبه شعبية بين الجماهير».
من ناحية ثانية، يقول ألبير بيردال، عضو هيئة تحرير جريدة «صول» المعارضة، إن «أسلوب مخاطبة أردوغان الجماهير يتسم بوجهين: الأول التعالي والابتزاز وفي بعض الأحيان الاحتقار للجزء المعارض له ولسياسته، ويظهر لهم في كل مناسبة أنهم عوام يجب ألا يخرجوا عن طاعته، بل إن طاعته فرض عليهم لأنه استطاع أن يطبق الأسلوب الإسلامي العثماني الذي يعتمد على طاعة أولياء الأمر ولكن بأسلوب جديد.. والثاني نجاح استخدامه العنترية في زيادة تعلق الجزء المؤيد له به لأن هؤلاء يعتبرونه لسان حالهم، وكلما ارتفع صوته حيال المعارضين يزيد إعجابهم به، ولهذا يعتمد هذا الأسلوب منذ أن أصبح رئيسا ل(العدالة والتنمية)».
غير أن بيردال يأخذ على أردوغان أنه «في كل مناسبة يشدد في أسلوب خطابه على أنه رئيس منتخب بأغلبية عظمى ولا يمكن لأحد سواء من الداخل أو الخارج أن يملي عليه شيئا، وأنه ضد الرأسمالية المحلية والاحتكار وضد هيمنة القوى العظمى في العالم». ويتابع «هذا أيضا يجعل المعجبين به يرفعونه إلى مستوى الأبطال، لكن الحقيقة غير ذلك».
وفي المقابل يرى ينار دونماز، مدير جريدة «عقد» في أنقرة، أن أردوغان استطاع بلوغ سدة الحكم بعدما حصل على أصوات الأغلبية العظمى من شعب تركيا. ويضيف «مع أن حزبه كان جديدا فإنه استطاع أن يستحوذ على نسبة عالية جدا من الأصوات، وتزايدت هذه النسبة في كل انتخابات أجريت بعد ذلك، وبها حطم الأرقام القياسية في تركيا على صعيد الانتخابات». ويرجع دونماز هذا النجاح إلى «الأسلوب الذي يتبعه السيد الرئيس من شكل الخطاب والأسلوب الطبيعي الذي يستخدمه حيال العامة، فالشعب يحبذ مثل هذه الشخصيات، فهو ابن لهذا الشعب لا يصطنع الحركات ولا التصرفات، فجميع تصرفاته شعبية نابعة من الصميم، والشارع يؤيده في الأسلوب ولهذا يمنحه الثقة التي تزداد يوما بعد يوم. ومع أن له في الحكم فترة طويلة تراه لم يغير أسلوبه، وبقي يتصرف بكل عفوية وطبيعة، ويعتبره الشارع لسان حاله. وها هو الآن دخل تاريخ تركيا الناصع من أوسع أبوابه».
كذلك يشير دونماز إلى أنه في تاريخ تركيا المعاصر لم يحقق سوى الحزب الديمقراطي بقيادة عدنان مندرس هذه النسبة من الأصوات. ويرى أن «السبب الأول والأهم في النجاح الذي يحققه العدالة والتنمية يوما بعد يوم هو أسلوب رجب طيب أردوغان والكاريزما التي يتمتع بها، فلو لم يكن أردوغان على رأس الحزب فإنه لن يستطيع تحقيق هذا النسبة ولا هذا النجاح». ثم يدعم حجته بالقول «انظروا إلى الأحزاب الكلاسيكية في تركيا من دون استثناء، وأعتقد أن العدالة والتنمية كان سيحصل على أصوات قريبة أو أقل منها. الأحزاب الأخرى مجتمعة لم تستطع الحصول على مجموع الأصوات التي حصل عليها رجب طيب أردوغان».
جدير بالذكر أن إحدى الروايات غير الرسمية تقول إن أردوغان أوقف ذات مرة موكبه الرسمي ليتحادث مع بائع السميط (الكعك) المشهور في تركيا، بعدما لمح فيه علامات التعب واليأس، وقال له «لقد كنت أبيع الكعك يوما، وها أنا ذا رئيس للحكومة.. لا تيأس من رحمة الله».
والواقع أن أردوغان لم يأت إلى ميدان السياسة التركية من بوابة العائلات السياسية، ولا من مجتمع رجال الأعمال الذي تحلق حوله في وقت لاحق من فوزه بالانتخابات. فهو ولد في 26 فبراير (شباط) 1954 في إسطنبول التي قدم أبوه إلى أحد أحيائها الفقيرة آتيا من مدينة طرابزون (شمال شرقي الأناضول). وأمضى طفولته المبكرة في محافظة ريزا على البحر الأسود، ثم عاد مرة أخرى إلى إسطنبول وعمره 13 سنة. ولقد تحدث أردوغان عن هذه الفترة في إحدى المناظرات التلفزيونية قائلا «لم يكن أمامي غير بيع البطيخ والسميط في مرحلتي الابتدائية والإعدادية، لكي أستطيع معاونة والدي وتوفير قسم من مصاريف تعليمي، فقد كان والدي فقيرا».
وحقا، لم يلتحق أردوغان بالمدارس التقليدية، بل درس في مدارس «الأئمة والخطباء» وهي مدارس ذات طابع ديني، تعلم فيها القرآن الذي يتلوه أردوغان بصوت جميل، وتنتشر له مقاطع فيديو تظهره يتلو القرآن بعربية جيدة لفظا. لكن مستوى إلمامه بالعربية دون قدرته على إجراء حوارات كاملة من دون مترجمه، ولذا يتمسك بلغته التركية التي يعتز بها كثيرا. وبعد ذلك التحق بكلية الاقتصاد والأعمال في جامعة مرمرة التي تخرج فيها مجازا بالعلوم الاقتصادية.
وانضم أردوغان لاحقا إلى حزب الخلاص الوطني بقيادة نجم الدين أربكان في نهاية السبعينات، إلا أن نشاطه أوقف في عام 1983 بسبب الانقلاب العسكري الذي حل حينذاك جميع الأحزاب. ولكن مع عودة الحياة الحزبية فاجأ حزب الرفاه الجميع عام 1994 بترشيح شاب مغمور اسمه رجب طيب أردوغان لمنصب عمدة - أو رئيس بلدية - إسطنبول، كبرى مدن البلاد وعاصمتها القديمة، واستطاع أردوغان أن يفاجئ الجميع ويفوز في تلك الانتخابات التي كانت بداية حياته السياسية.
ومن ثم كان نجاحه في إدارة إسطنبول مفتاحه للنجاح السياسي. إذ استطاع نقل اسطنبول من عجز مالي بلغ ملياري دولار إلى ربحية، كما استطاع أن يطور بنيتها التحتية بشكل جذري ويحسن خدماتها إلى أبعد الحدود، كما حوّل «القرن الذهبي» من مكب نفايات إلى معلم سياحي كبير.
عودة إلى دونماز الذي يعتبر أن نجاحات أردوغان في الحكم المحلي كانت بالنسبة للناس عربون مصداقيته. وبعدما حقق تلك نجاحات بدأت القوى المتنفذة في تلفيق التهم له، فحوكم وسجن، وآن ذاك كتبت الصحف أن أردوغان لن يستطيع أن يكون مختارا على حي، ثم منع من ممارسة السياسة. لكن الشعب التركي كان مؤمنا بأن أردوغان تعرض لظلم وغدر، وبما أنه شعب يقف إلى جانب المظلومين وقف وقفة وفاء مع أردوغان وانتخبه لأنه شاهد على أرض الواقع منجزاته التي حققها خلال فترة توليه رئاسة بلدية اسطنبول. وشدد على أن أردوغان قام ب«خطوات عملية لترسيخ أسس الديمقراطية الحقيقية في تركيا، وهذه الإجراءات كانت عبارة عن إثبات حسن نية وتأشيرة لكي يمنحه الشعب ثقته في الانتخابات الثانية، ومن ثم الثالثة. وأعتقد أنه في المرحلة الرابعة التي ستعيشها تركيا لا يوجد منافس لأردوغان حتى اليوم، ولهذا سيمنحه الشعب الثقة للمرة الرابعة»، ويستطرد «إذا واظب طاقم أردوغان على استخدام الأسلوب نفسه في الإدارة فإنه سيحكم تركيا لفترة طويلة من الزمن».
وعن أسباب منح الناخب صوته لأردوغان، أوضح دونماز معددا «أولا يجب أن ننظر إلى ماضي أردوغان الذي قاد اسطنبول ممثلا حزب الرفاه وحزب الفضيلة اللذين كان يتزعمهما المرحوم نجم الدين أربكان. لقد استطاع أن يحل أكبر المعضلات التي كانت تعيشها بلدية المدينة، وعلى سبيل المثال مشكلة الماء التي كانت تعاني منها، حيث كانت توزع المياه مرتين في الأسبوع على الأحياء، وعندما بدأ في حل هذا الموضع بدأ الإعلام الموالي للنخبة يهاجمه، ويقول إن أردوغان سيحل مشكلة المياه بالدعاء والتضرع إلى الله. وكانت مشكلة البيئة كبيرة أيضا، فلم تكن هناك فسحات خضراء ومتنزهات في المدينة. وكان (القرن الذهبي) جسما مائيا تخرج منه روائح كريهة استطاع أن ينظفها، والآن عادت الحياة البحرية إليه، كما كان من أهم المعضلات تلوث الهواء، وقد استطاع أردوغان بمشروع الغاز الطبيعي أن يجعل هواء اسطنبول أنقى هواء في تركيا».
ولكن عام 1998 جاء حاملا مفاجأة سيئة لأردوغان الذي أدين بتهمة التحريض على الكراهية الدينية. وصدر حكم قضائي بسجنه ومنعه من العمل في الوظائف الحكومية، ومنها الترشح للانتخابات العامة بسبب اقتباسه أبياتا من شعر تركي أثناء خطاب جماهيري. وبدلا من أن تشكل هذه الواقعة نهاية حياته السياسية، استغلها لانطلاقة جديدة بالانشقاق عن أستاذه أربكان، بعد حظر حزب الفضيلة، مع عدد من الأعضاء منهم رئيس الجمهورية الحالي عبد الله غل، وأسسوا معا حزب العدالة والتنمية عام 2001، مقدمين هذا الحزب بصيغة بعيدة عن الصبغة الدينية، مع التأكيد على أن الحزب سيسعى للحفاظ على أسس النظام الجمهوري. وقال «سنتبع سياسة واضحة ونشطة من أجل الوصول إلى الهدف الذي رسمه مؤسس الجمهورية مصطفى كمال الملقب ب(أتاتورك) لبناء المجتمع المتحضر والمعاصر في إطار القيم الإسلامية التي يؤمن بها 99 في المائة من مواطني تركيا».
في أول انتخابات خاضها الحزب الناشئ عام 2002، فاز بأكثر من 30 في المائة من الأصوات، وحصل على 363 مقعدا. إلا أن أردوغان لم يترأس حكومته بسبب تبعات سجنه، وتولى تلك المهمة عبد الله غل حتى مارس (آذار) عام 2003، عندما أخلى المنصب لأردوغان بعد إسقاط الحكم عنه، ليبقى في هذا المنصب حتى الآن، رافعا رصيده في البرلمان إلى أكثر من النصف ونصيبه من أصوات الناخبين إلى نحو 50 في المائة في آخر انتخابات نيابية.
استطاع أردوغان التغلب على تحديات العسكر وعلى القضاة، متسلحا بسعي بلاده للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فأقر قوانين أضعفت الجانبين لصالح حكومته، إلى أن تمكن أخيرا من وضع كبار الضباط وراء القضبان بتهم تدبير محاولات انقلاب. وهنا يشير بيردال إلى أن أردوغان عبر قيادته للعدالة والتنمية «لعب دورا مهما في تغيير النظام، وهذا ينعكس على نتائج الانتخابات مباشرة»، معتبرا أن «كاريزميته» تلعب «دورا مهما في استقطاب الطبقات الفقيرة والمتوسطة من الشعب»، لكنه يشير إلى حدوث «تغير في موازين القوى منذ نحو شهر بعد أحداث حديقة جيزي وما تلاها». ويؤكد بيردال أن «مجموعة النخبة التي تدعم أردوغان تضاءلت هيبتها إلى أقل مستوى خلال وبعد أحداث ساحة تقسيم. ولذا فإن أردوغان وحاشيته يحاولون بأقصى سرعة ومن خلال تغيير بعض مواد الدستور حماية أنفسهم ومكتسباتهم، وحماية النظام الذي أسسوه خلال السنوات ال10 الماضية، ويعتبرون التغييرات الدستورية أو الدستور الجديد هو الحامي لهم».
وبصراحة لا يرى بيردال أي إيجابيات في فترة حكم أردوغان، مبررا ب«أنه وحاشيته خلال الفترة التي حكموا فيها البلاد لم يفعلوا أي شيء لصالح الشعب.. بل كل ما فعلوه هو إثراء المقربين من عائلة أردوغان وطغمته، أما بالنسبة إلى سلبياته فهي تعدت سلبيات الأنظمة التي كانت تحكم اليمن ومصر». ويتابع بيردال أن من أهم سلبيات رئيس الحكومة الحالي «أنه استطاع أن يجعل أصحاب رؤوس الأموال يتحكمون في البلاد، ومن خلاله استطاعوا أن يصلوا إلى شيء كانوا يحلمون به منذ 90 سنة.. ألا وهو السلطة المطلقة. وبالفعل أصبحت تركيا تحكم من قبل ديكتاتورية الرأسمالية». ويواصل كلامه الناقد «دور أردوغان ما كان فقط دور الدمية في هذا، بل استطاع أن يستنفع ويدخل مع بعض التجار في طبقة البورجوازية التركية، وكوّن ما يعرف باسم الرأسمال الإسلامي العثماني الرجعي الذي له أطماع استغلالية خاصة في الدول المجاورة والعالم الإسلامي». ويفند بيردال مقولة إن الدخل القومي التركي ارتفع إلى 3 أضعاف، معتبرا أن «هذا لم ينعكس على المواطن الذي يعيش اليوم بالاقتراض من البنوك بينما القيمة الشرائية لمرتبه تتناقص شهرا بعد شهر».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.