قال الصحفي والأكاديمي أبو بكر الجامعي، إن السياسة الخارجية للمغرب اتخذت منحى أكثر تصادمية في السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن "الملك محمد السادس أعلن صراحة أن المحدد الأساسي لجودة علاقات المغرب مع شركائه هو موقفهم من قضية الصحراء". جاء ذلك خلال حديثه في بودكاست أكسفورد لمنطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا، حيث تناول الجامعي العلاقة بين التطبيع المغربي مع إسرائيل والسياسات الداخلية والخارجية للبلاد. وأوضح الجامعي أن قضية الصحراء أصبحت المحور الأساسي للسياسة الخارجية للمغرب، وهو ما أدى إلى تهميش قضايا أخرى لا تقل أهمية، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الاستراتيجي. وأضاف أن هذه الرؤية، وإن كانت مفهومة من الناحية الخطابية والدبلوماسية، إلا أن ربط السياسة الخارجية للمغرب بقضية واحدة قد يحد من إمكانيات البلاد في تحقيق مصالح أخرى على المستوى الدولي، ويقلل من الخيارات المتاحة في مواجهة تحديات أخرى لا تقل أهمية.
وقال إن ربط السياسة الخارجية بقضية واحدة قد يؤدي إلى اتخاذ قرارات لا تصب في مصلحة البلاد على المدى الطويل. وفي هذا السياق، انتقد الجامعي "التطبيع المغربي مع إسرائيل"، الذي اعتبره أحد النتائج السلبية لهذا التوجه، فقد أشار إلى أن المغرب قد برر تطبيعه مع إسرائيل بالحصول على الاعتراف الأمريكي بسيادته على الصحراء، قائلا: "لقد تم تسويق التطبيع على أنه صفقة سياسية لصالح المغرب"، موضحا أن هذا الاعتراف الأمريكي لم يكن إلا جزءا من عملية "مقايضة" على حساب المصالح الأخرى. وأضاف: "التطبيع مع إسرائيل كان بمثابة صفقة، حيث تم تقديم التنازلات الكبرى للحصول على هذا المقابل المحدود". ولم يقتصر حديث الجامعي على التطبيع مع إسرائيل فقط، بل أشار أيضا إلى ما أسماه بالبعد الجيوستراتيجي لهذا القرار. فقد اعتبر أن النخب السياسية المغربية تتطلع من خلال هذا التطبيع إلى تعزيز علاقاتها مع النخب السياسية الأمريكية، وخاصة تلك المؤيدة لإسرائيل، في خطوة تهدف إلى ضمان الدعم الأمريكي في مجالات متعددة. وعلق الجامعي قائلا: "الأنظمة الاستبدادية عادة ما تبحث عن ما أسميه 'الريع الجيوستراتيجي'، أي الحصول على دعم خارجي مقابل الولاء، وفي هذه الحالة مع إسرائيل، التي تعتبر حليفا استراتيجيا للولايات المتحدة". وأشار إلى أن موقف المغرب من القضية الفلسطينية أصبح موضع تساؤل، خاصة مع استمرار عمليات القمع الإسرائيلي في فلسطين، موضحا أن الحكومة المغربية لم تكن صريحة في انتقادها لإسرائيل، بل إن المغرب استمر في شراء الأسلحة منها، وهو ما يرسل رسالة خاطئة إلى الداخل والخارج. وأكد أن الشعوب ليست غافلة عن هذه الأمور، وأنه لا يمكن تبرير هذه السياسات بمجرد بيانات دبلوماسية تصدر عن وزارة الخارجية. وعند الحديث عن التحديث والتنمية، أوضح الجامعي أن مفهوم الحداثة في المغرب يعتمد على مشاريع بنية تحتية ضخمة، مثل القطار فائق السرعة ودار الأوبرا، لكن هذه المشاريع لم يكن لها تأثير كبير على التنمية البشرية أو تحسين الظروف المعيشية للمغاربة. وأشار إلى أن المغرب يُعد من بين الدول الأقل كفاءة في استثمار موارده، حيث أن العائد التنموي للاستثمارات العامة لا يرقى إلى حجم الإنفاق الكبير عليها. وأوضح قائلا: "إذا كانت الحداثة تعني وجود قطار فائق السرعة أو دار أوبرا تكلف مليارات الدولارات، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن المغرب قد حقق التحديث". وأضاف أن المشاريع الضخمة مثل القطار فائق السرعة ودار الأوبرا قد لا تكون بالضرورة الأولويات التي يحتاجها الشعب المغربي. وأوضح: "لقد استثمرنا مليارات الدولارات في هذه المشاريع، ولكن ماذا عن تحسين نظام التعليم أو الرعاية الصحية؟". كما أشار إلى أن المغرب يعتبر من بين الدول الأقل كفاءة في استثمار موارده، حيث أن العائد التنموي للاستثمارات العامة لا يرقى إلى حجم الإنفاق الكبير عليها، وهو ما يعكس خللا في عملية صنع القرار في البلاد. وتابع الجامعي قائلا: "المغرب يعاني من نظام تعليمي ضعيف جدا، حيث يُعتبر من أسوأ الدول في المنطقة من حيث جودة التعليم، وهو ما ينعكس سلبا على تنمية رأس المال البشري". ولفت إلى أن هذا الضعف في التعليم يعد أحد الأسباب الرئيسية وراء تراجع قدرة المغرب على المنافسة في عالم معولم ومتطور. كما تحدث عن تراجع مستوى الحريات العامة في المغرب، حيث أكد أن "المغرب لم يتعاف من موجة القمع الإعلامي التي شهدها في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين"، مشيرا إلى أن الأمور قد ازدادت سوءا مع مرور الوقت. وأكد الجامعي أن المشكلة تكمن في غياب النقاش الديمقراطي حول الأولويات الوطنية، حيث يتم اتخاذ قرارات كبيرة مثل بناء القطار فائق السرعة أو إنشاء مشاريع ضخمة بدون مناقشة تأثيرها على حياة المواطنين، مشيرا إلى أن هذا النمط من الحكم يعكس طبيعة الأنظمة الاستبدادية التي لا تأخذ في الاعتبار تكلفة الفرصة البديلة. وركز الجامعي على غياب النقاش الديمقراطي حول الأولويات الوطنية، معبرا عن أسفه لأن قرارات كبيرة مثل بناء القطار فائق السرعة أو إنشاء دار الأوبرا لم يتم التوصل إليها من خلال مناقشات ديمقراطية مفتوحة. وقال: "في الأنظمة الاستبدادية، تُتخذ القرارات الكبيرة دون أن يكون هناك نقاش حقيقي حول تأثيرها على حياة المواطنين، وهو ما يعكس غياب الشفافية والمشاركة في عملية اتخاذ القرار". وأضاف: "هذه الأنظمة تفضل تنفيذ مشاريع ضخمة يمكن أن تروج لها على أنها رمز للتقدم، بينما يتم تجاهل قضايا أكثر أهمية مثل التعليم والصحة". وأشار قائلا: "المغرب قد يكون قد حقق بعض التطورات في البنية التحتية، ولكن في الواقع، ما نحتاج إليه هو إصلاحات حقيقية تضع المواطن في قلب السياسات العامة، ولا تقتصر على مشاريع براقة تهدف إلى تحسين الصورة الدولية فقط".