تقدّم بخطى وئيدة متثاقلة نحو حديقة عمومية صغيرة تقع في مرتفع يطلّ على البّحر، أخذ مكانه على أحد المقاعد الرّخامية ، أسند ظهره إلى جذع شجرة عتيقة، وأخذ يسرح بنظره في الشّاطئ الجميل الواقع بين جبلين شاهقين، الذي يطلق عليه أهل البلد " الشاطئ المحروق"، تحوّل نظره إلى الصّخرة الكبيرة التي تتوسّط الشاطئ،التي طالما إرتادها وهو صغير،كان يجيد السّباحة كالضّفادع، ومن أعلاها كان يقفز إلى عرض البّحر، تحوّل برأسه نحو الغابة الكثيفة التي تحوط بالسّاحل، تبدّت له موحشة مقفرة مخيفة ، لم تعد كما كانت أيّام الصّبا مخضرّة مورقة باسقة . لم يكن يهمّه من أمر هذه الدّنيا شيء ، كانت آماله صغيرة في حجم مدينته الصغيرة ، لم تكن هذه الآمال تتخطّىّ مرتفعات الجبال والآكام المحيطة بالمدينة من كلّ جانب. كانت الدّنيا بريئة هادئة ، لم يكن يشغله من متاعبها شيء على الإطلاق، لم يكن يطيق المدرسة ، كانت بالنسبة له سجنا رهيبا ينغّص عليه متعة الطفولة ، وبهجة الحياة الطليقة ، ويحرمه من الإستمتاع بأجمل أوقات العمر البريء، كان لا يستطيب من هذه الدّنيا سوى اللّهو واللّعب بشتى ألوانهما. - آه يا والدي العزيز...عليك رحمة الله الواسعة، كم بذلت من الجّهد المضني من أجلي، كم علا سوطك وصوتك ونزلا عليّ نزول الصّاعقة، ولكن دون جدوى. الوعيد والتهديد كانا لا يزيدانه إلاّ التعنت والفرار من الواجب، والمزيد من الإنغماس في ملذّات الحياة التي تتواءم وعمره الصّغير. كان والده يتمنّى له أن يصبح مهندسا أو طبيبا عندما يكبر، بل كانت أحيانا تشطّ به الأحلام بعيدا فكان يقول له : - في يوم من الأيّام ستصبح ذا شأن كبير يا ولدي...! منذ سنتين وهو يعمل بشكل مؤقّت في ورش متواضع لميكانيكا السّيارات ، إنّه عمل متعب ومضن، ولكنّ ظروف الحياة الصّعبة أرغمته على إمتهان هذا العمل الذي قبله على مضض، حتى وإن كان يعمل فى فصل الصّيف فقط حيث يكون الإقبال على الورشة كبيرا مع عودة أفواج هائلة من أفراد جاليتنا من الخارج لأرض الوطن لزيارة أهاليهم ،وذويهم، وعوائلهم ، كان شغوفا بالرياضة البدنية وخاصّة حمل الأثقال ،وقد ساعدته عضلاته القويّة على مزاولة هذا العمل الشاقّ، وكثيرا ما تساءل : -ترى لو كنت واهن القوى، ماذا كنت سأصنع...؟ ظلّ يحدّق في صفحة البّحر الصّافية، التي كانت تبدو له كبحيرة هادئة طفقت تتلألأ في حمرة مذهّبة لإنعكاس لون الغروب الأرجواني عند الشّفق عليها ، وبين إنحناءات ومنحدرات أخاديد الجبلين الشاهقين بدأ هيدب من ضباب خفيف يَتَدَلَّى ويتدنّى فى رفق، وبدا له وكأنّه يطفو على صفحة الماء. كان يشعر بحزن عميق، وإنتابه قلق بالغ، إذ تذكّر كلام صاحب الورشة إليه هذا المساء عندما كان يهمّ بالخروج حيث أخبره بأنّ مدّة عمله هذا الموسم تنتهي اليوم، بعد أن ولّى الصّيف وعاد العمّال المغاربة إلى أماكن عملهم بالبلدان الأوربية، وقد طفق فصل الخريف يطرق الأبواب ، وبدأت الشوارع والحقول تمتلئ بأوراق الأشجارالصّفراء اليابسة التي يعتبرها الفلاّحون بمثابة رسائل تنبئ وتخبر بقرب حلول فصل الشتاء. صار يتأمّل مصيره ، فالفتات القليل من المال الذي تركه والده لعائلته من المعاش الشهري بعد وفاته لا يكفي أبدا لسدّ الرّمق، وإبتداء من الغد عليه أن يفكّر فى البحث عن عمل كيفما كان نوعه،غدا سيذهب إلى المرسى ليجرّب حظه مع الافواج الهائلة من البحّارة الذين يطول بهم إنتظار دورهم فى الحصول على عمل فى مركب من مراكب الصّيد التقليدية التي ترسو فى الميناء، والتي تمخر فى السواحل المجاورة للصّيد، لعلّ الرايّس عبد القادرالذي يملك مركبا صغيرا يتذكّره ، فقد كان صديقا لوالده منذ سنين بعيدة خلت. خيّل إليه أنّه قد تأخّر عن العودة إلى البيت ، قام لتوّه ، كان يرتدي لباس العمل التي لم يكن يدري حتى هذا المساء أنّ هذا هو آخر يوم يرتديها هذا الموسم ، علقت به كالعادة مختلف أنواع الزّيوت، ومواد التشحيم من جرّاء إحتكاكه بالأرض في كلّ حين تحت بطون السّيارات القديمة المهترئة في ورشة العمل، كانت تفوح منه رائحة غريبة ،إشمأزّ من نفسه فقرّر العودة إلى البيت ، وضع يديه في جيوب سترته فتحسّس محفظته الصّغيرة التي لم يكن بداخلها سوى بطاقة تعريفه ، ضغط عليها بأصابعه بشدّة ، وتقدّم مثقل الخطى نحو مسكنه مطأطئ الرّأس، شارد الذهن، كئيبا حزينا، هدّه الملل والضّجر والقلق والرّتابة من تكرارما فعله اليوم، هونفس ما فعله أمس، وأوّل أمس، إستمرّ فى المسير، خائر القوى، منهزما مستسلما، متسربلا بعباءة السأم، والغيظ،والضجر، الثقيلة الحالكة ، يرمي بعينيه هنا وهنالك وهناك، علّهما تقعان على شيء ثمين بين نفايات الشّارع ، ولكنّه لم يعثر أبدا على شيء ذي قيمة. لاحظ تجمّعا كبيرا بالقرب من السّاحة المقابلة لملعب كرة القدم بالمدينة الذي يقع في الطريق إلى بيته ، دفع به الفضول ليعرف ماذا كان يجري هناك ، فإذا بالنّاس قد تجمّعوا وتجمهروا للتفرّج على عرض سينمائي كان يقدّم بالمجّان في الهواء الطّلق، تقيمه بعض القوافل السّينمائية المتنقلة بين الوقت والآخر.إندسّ بين الجموع لعلّه ينسى أو يتناسى تلك الورشة اللعينة التي لا ينقطع فيها الضّجيج، والضوضاء، والصّخب، واللّجب، والدّأب، والعذاب، والسّخم من أوّل النّهار إلى أوّل اللّيل،على إمتداد أيّام الصّيف . تركّزت عيناه على الشّاشة الكبيرة الموثقة إلى عمودين كبيرين يتوسّطان السّاحة، وصار يتتبّع ما كان يجري عليها من أحداث، كان فقط يتتبّع الصّور، ولم يكن يسمع شيئا من الحوار الدائر لكثرة الزّحام، وكأنّ المدينة كلّها قد تجمّعت هناك. شعر بومضات من السعادة التي أوهمته أنّه تغلّب نوعا مّا على الروتين القاتل المتواتر ، والمصير الذي ينتظره بعد أن أصبح منذ اليوم فى عداد البطاليّين إلى جانب أصدقائه ورفقائه فى الحيّ الذي يقطنه والذين يقضون النهار كلّه، وقسطا من الليل متسكّعين فى الأزقّة والشوارع والدّروب، السّعادة التي شعر بها قبل قليل كانت خادعة،إذ فى لحظة خاطفة مرّت كالبّرق سرعان ما عاد إلى قدره الرّهيب، وواقعه المريرعندما صاح فيه بعض الواقفين وراءه من المتفرّجين : - كحاز شويّة أخويا عافاك ، راه ما بقينا نشوفو والو... إلتفت نحو الجهة التي جاء منها الصّوت فإذا به شاب هزيل الجسم ، نحيف البنية ، غائر العينين، يرتدى معطفا رثّا، وطاقية بالية يخفي بها مرضا برأسه ..لم يجبه بل رضخ سريعا لأمره وغيّر مكانه على الفور . إندسّ ثانية بين جموع أخرى حاشدة من البشر، ولكنّه ما أن إستقر بمكانه الجديد حتى إنتهى إليه صوت آخر يصيح : - ما لقيتي غير هاد البلاصة ..؟ راه حنا هنا من العاصر أ صاحبي.. إستدار نحو صاحب الصّوت، فإذا به في حالة ليست أحسن من حالته ، فلم يعره إهتماما هو الآخر، وغيّر مكانه للمرّة الثانية فى هدوه بعد أن شقّ طريقه وسط الجموع المحتشدة باحثا عن مكان آخر ، وما أن رفع رأسه من جديد ليتتبّع الفيلم حتى إنتهى إلى سمعه صوت ثالث، وبنبرة غاضبة، وصوت خشن هذه المرّة، صاح فيه : - أ بعّاد من لهنا ألموسّخ.. إلتفت خلفه فإذا برجل سمين الخلقة، في الأربعين من عمره ذي عينين جاحظتين، ووجنتين محمرّتين، وشدقين منتفخين، رمقه بنظرة فاحصة، ولم ينبس ببنت شفة، ثمّ أدار رأسه نحو الشّاشة من جديد ولم يأبه بكلام الرّجل إليه بل ظلّ واقفا بثبات في مكانه ، وما هي إلاّ لحظة حتى شعر برفسة شديدة على ظهره كادت تفقده صوابه ، غلي الدّم على إثرها في رأسه ، لم يتمالك نفسه، ولم يدر كيف إستدار وهوى على أمّ رأس الرّجل بضربة قويّة أردته طريحا على الأرض في الحين، إلتفت إليه الواقفون، ونهض الجالسون، وإختلطت الأصوات ،وعمّت الفوضى المكان، ظلّ ينظر مشدوها برهة إلى الرّجل السّمين الذي لم يعد يتحرّك ،إنقضّ عليه بعض مرافقيه، وهمّوا بالإمساك به، ولكنّه صدّهم جميعا بقوّة، وهرول صوب ناحية أشجار الصّنوبر الكثيفة المنتشرة خلف الملعب التي كان يغلفها ويلفّها الظلام بجبّته، لم يتفطّن حتى وجد نفسه قد بعد عن مكان الحادث ،إلتفت وراءه، وحوله، علّه يرى أحدا فلم يتعقبه أحد. كان يلهث لهاثا متواصلا من فرط السّرعة والرّكض اللذين قطع بهما هذه المسافة ، لم يدر كيف فعل ذلك، أسند ظهره إلى جذع دوحة عظيمة، وصار يتأمّل مصيره ، محاولا إسترجاع شريط ما جرى. ترى من يكون الرّجل..؟ هل هو من رجال السّلطة ..؟ أم من رجال الشرطة..؟ هل هو من رجال المخابرات السرّييّن المندسّين خفية بين الجموع لدرء القلاقل، وإخماد الفتن ، وصدّ أيّ تحرّك مشبوه بعد المظاهرات الصّاخبة التي عرفتها المدينة مؤخّرا ..؟ لابدّ أنّه يعرفه ..بل حتما عرفه بعض الحاضرين ، إذن ما العمل..؟ لماذا لم يتحرّك الرّجل..؟ هل أرداه قتيلا أو أغمي عليه فقط..؟ أما كان له أن يتروّى قليلا.. ؟ كيف خانته أعصابه ..؟ سرح بفكره بعيدا، يتخيّل الأمور وإلام ستؤول إليه عواقبها، شعر بتعب شديد، وإنهاك مضن، فقرّر العودة إلى مسكنه دون تأخير، وهو يقول في نفسه : - فليكن ما يكون في علم الله . عندما دلف إلى البيت كانت أمّه وأخواته يغطّون في نوم عميق ، سرى على بنان رجليه في هدوء مستقيما كالشّبح ، ثمّ إستلقى على مرتبة بالية من غير أن يخلع عنه ثياب العمل، ظلّ يحملق في الظلام الدّامس الذي يملأ الغرفة، ومنظر الرّجل المسجى على الأرض لا يحيد من أمامه، قهقه عاليا بدون إرادة منه، ردّت جدران الغرفة صدى قهقهاته...وبعد طول تفكير وتأمّل.. قرّر أن يسلّم نفسه لسلطة العياء، ثمّ لسلطان النّوم ...!.