خرجت المملكة العربية السعودية، مؤخرا، تلمح إلى إمكانية إلغاء موسم الحج لهذا العام إذا لم ينحسر انتشار وباء كورونا. الأمر الذي فاجأ الكثيرين، وجعلهم يعتبرون أنه لأول مرة في تاريخ المسلمين سوف تتوقف الصلاة والعمرة في المسجد الحرام. وقد ظهر ذلك واضحا في التعاليق والصور التي تداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي ب"واتساب" و"فيسبوك" ومدمنو قنوات "يوتيوب"؛ وهو ما يدل على أن الجيل المعاصر من رواد هذه المواقع ليست له دراية بتاريخنا الإسلامي وبكثير من الأحداث التي تميز بها. علينا أن نعلم أن توقيف الشعائر الدينية، وخاصة بالمسجد الحرام, ليس بالأمر الجديد؛ بل هو حدث تكرر كثيرا في تاريخ هذا البيت المقدس عندنا, وإن كان ذلك غائبا عن الأجيال الجديدة التي تسكن مواقع التواصل الاجتماعي, حيث أصبحت ضحية ثقافة سطحية وغياب معرفتها بتاريخنا الإسلامي, وهي مشكلة أخرى ابتلينا بها في زمن الرداءة هذا. تذكر المصادر التاريخية أن الحج والعمرة توقف أكثر من أربعين مرة, ولفترات طويلة وصلت أحيانا إلى ثلاثين سنة من التوقف, وفي مرات دام التوقف أياما معدودة. وتختلف أسباب التوقف بين الكوارث وانتشار الأمراض بين الحجاج, والأزمات السياسية والحروب مما يمنع تنظيم فريضة الحج أو العمرة والصلات بالمسجد الحرام. وسوف نخصص هذا الموضوع للحديث عن الأسباب السياسية؛ ومن بينها حدث قريب منا، وهو: حادثة عام 1979م وفيها استولت جماعة إسلامية تسمى الجماعة السلفية المحتسبة على المسجد الحرام عن طريق عناصرها المسلحة وكان عددهم 200 شخص, وقتلوا الكثير من رجال الأمن والعمال بالمسجد, ودام احتلاله أسبوعا قام فيه أمير الجماعة الشيخ جهيمان العتيبي بتوجيه خطاب إلى المسلمين يعظهم ويدعوهم إلى التخلي عن البدع والعودة إلى الإسلام حسب فهم الجماعة, كما حذرهم من قيام الساعة وأن شروطها قد اكتملت, وبشرهم بمجيء المهدي المنتظر. ومعلوم أن هذه الجماعة انشقت عن السلفية الوهابية، المذهب الرسمي للدولة السعودية، واختلفت معها كثيرا؛ غير أن الطريف في الأمر طلب السعودية من فرنسا التدخل والمساعدة في تحرير المسجد الحرام من المسلحين, الأمر الذي استجابت له فرنسا من خلال إرسال ضباط مكافحة الإرهاب مجهزين بأسلحة وغازات, فاستطاعوا من خلال هذا التدخل قتل بعضهم وأسر آخرين. المهم أن هذا الحدث صدم المسلمين في أنحاء العالم وأخرج الكثير من الاحتجاجات, وأحرج الأسرة الحاكمة في السعودية؛ لأنها تقدم نفسها كخادمة للحرم الشريف والحادث بين مدى تقصيرها في خدمته وحمايته. - مذبحة جبل عرفة عام 865م, ذكرها الإمام الطبري في كتابه "تاريخ الطبري" ج/7,ص492. ويحكي أن الأمير إسماعيل بن يوسف العلوي، خلال حربه مع الخليفة العباسي, شن هجوما على مكة وبالضبط على جبل عرفة والناس حجاج, فقتل الكثيرين منهم؛ وهو ما جعل موسم الحج يتوقف, يقول الإمام الطبري: "ظهر إسماعيل بن يوسف بمكة... وقتل الجند وجماعة من أهل مكة... وأخذ ما كان في الكعبة من ذهب وما في خزائنها من ذهب وفضة والطيب وكسوة الكعبة...وأنهب مكة وأحرق بعضها", وهو ما جعل الناس تتخوف من تنظيم مناسك الحج لمدة طويلة لغياب الأمن والاستقرار. -مجزرة القرامطة سمة 317ه, تتلخص الصورة البشعة لهذا الحادث، الذي جعل مناسك الحج تتوقف لأكثر من 20 سنة, في مقتل 30 ألف حاج في يوم واحد, مع هدم الكعبة وسرقة الحجر الأسود وردم بئر زمزم بجثث الحجاج. صورة يصعب علينا تخيلها؛ لكنها وقعت للأسف في أكثر الأماكن قداسة وأمنا في وجدان المسلمين. وتتلخص هذه الواقعة في أن أبا الطاهر القرمطي، وهو ملك دولة القرامطة بالبحرين, كان في صراع سياسي مع الخليفة العباسي حول الأحقية بالخلافة, وكثرت بينهم الحروب واشتد الصراع إلى أن حدث ما لم يكن متوقعا, حيث قاد القرامطة جيشا سنة 317ه نحو مكة أثناء موسم الحج وقتلوا والي مكة وشيوخها, و30 ألف حاج. وقد ذكر هذه الواقعة وأفاض في وصفها الإمام شمس الدين الذهبي في كتابه سيرة أعلام النبلاء، وقال: "أبو الطاهر القرمطي...الذي سار إلى مكة في سبعمائة فارس, فاستباح الحجيج كلهم في الحرم واقتلع الحجر الأسود, وردم زمزم بالقتلى, وصعد على الكعبة وهو يصيح: أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا". ثم إن الذهبي يحكي أنه بعد أن هشم الحجر الأسود واقتلعه من مكانه, أرسله إلى البحرين عاصمة دولة القرامطة, وبقي أكثر من 20 سنة حتى تدخل الخلفاء العباسيون بمشقة وافتدوه بالأموال الطائلة, وأعادوه إلى مكانه بمكة. ويضيف الذهبي في كتابه: "دخل أبو الطاهر القرمطي سكران على فرسه وبال على الكعبة, وضرب الحجر الأسود بدبوس, وهشمه ثم اقتلعه, وأقام بمكة أحد عشر يوما وبقي الحجر الأسود عنده عشرون سنة". علينا أن نعلم أن القرامطة فرقة إسلامية, انشقت عن المذهب الإسماعيلي بالعراق, ودخلت في صراع مع الدولة الفاطمية التي تعتنق أيضا المذهب الإسماعيلي؛ غير أن الفاطميين أسسوا دولتهم بتونس وشمال إفريقيا, والقرامطة نجحوا في نشر مذهبهم في البحرين وشكلوا دولة قوية بها, فطمعوا بالخلافة ونشر دعوتهم الدينية, ونجد خلاصة مذهبهم عند الإمام عبد الكريم الشهرستاني في كتابه الملل والنحل والإمام عبد القاهر البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق, ويظهر أنهم باطنيون يقسمون الشريعة إلى ظاهر وباطن ويقولون بالتأويل؛ غير أن مذهبهم تعرض كثيرا للتحريف من طرف مخالفيهم ويصعب العثور على نص يقدم مذهبهم بشكل موضوعي, لأن أغلب من أرخ لهم كان من المخالفين وأصحاب المذاهب الأخرى. ويقول الإمام الذهبي أيضا عن أبي الطاهر القرمطي أنه عندما دخل المسجد الحرام, صاح بجيشه: "أجهزوا على الكفار وعبدة الأحجار ودكوا أركان الكعبة وأقلعوا الحجر الأسود", ويقصد بذلك الحجاج وهم يطوفون بالكعبة. صورة تبدو صادمة لنا، خصوصا أن الصراع كان بين مذاهب وشخصيات تنتمي إلى الإسلام, لكن لكل واحد منها فهمه وتأويله. *كاتب