توفي في بداية هذا الشهر فنان الجاز الأسود الأمريكي الشهير راندي ويستن، والذي كانت له علاقة ثقافية وفنية بالمغرب، لاسيما من خلال اتصاله بموسيقيي كناوة الذين يعتبر موسيقاهم أصل موسيقى البلوز التي اشتهر بها عالميا السود الذين يعتزون بأصولهم الإفريقية. كانت لي مع ويستن ذكرى عندما كنت مديرا لمعهد الدراسات الإفريقية (1990-1995)، فقد كان يتردد على المغرب، وكان مبتهجا باهتمام المعهد بكل ما هو تراث ثقافي مشترك بين المغرب وبلدان إفريقيا جنوبي الصحراء، بما في ذلك التراث الموسيقي؛ وقد استضافه المعهد في بعض المرات. ومن الطريف أننا كنا نجد صعوبة في إيجاد فندق فيه سرير مناسب لمقاس قامة راندي الذي كان طوله لا يقل عن مترين، وقد عبر ذات مرة عن استعداده لإقامة حفل باسم المعهد في فاس، ولكن الأمر لم يتحقق لأننا لم نجد، لا في الرباط ولا في فاس، آلة بيانو بالشروط المطلوبة، وهي أن تكون حبالها مستوية بالجودة التي يعمل بها راندي، وأن يكون علوها يسمح بدخول ركبتيه. وجدنا آلة بالمركز الثقافي الفرنسي بالرباط، ولكن راندي تحفظ لأنها قد تفسد حبالها بالاهتزاز أثناء النقل. عندما أسترجع هذه الذكرى أجد أنني كنت من السذاجة بحيث لم أتطرق مع هذا العملاق إلى المقابل المادي لأدائه في الحفل المذكور، وهو ولا شك مقابل لا بد من البحث له عن ممول خارجي. للمغرب إمكانيات لم تستثمر بعد في توطيد العلائق الروحية الممكنة مع الأمريكيين من أصول إفريقية. كنت أتحدث في الموضوع مع أحد أعلام هؤلاء، وهو الأستاذ الجامعي أكبر محمد، أخو وارث الدين محمد، وهما ابنا الزعيم إيليجا محمد. ووارث هو الذي شهدت أمريكا بعمله الإصلاحي داخل السجون، وهو أول مسلم فتح دورة الكونغريس بقراءة القرآن؛ كان أخوه محمد يكلمني في مشروع كتاب مشترك حول السلطان المولى إسماعيل، وكان يذكر لي عام 1992 ما في أعماق الأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية من تشوف إلى مراجع روحية إفريقية. ومعهد الدراسات الإفريقية مازال قائما، ولا شك أن بإمكانه أن يجعل هذا الموضوع ضمن تنقيباته.