تعليق على قرار محكمة النقض الفرنسية القاضي بجواز إبرام المغاربة لعقود زواج مثلية عملت محكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 28 يناير 2015، عدد 13-50059، على اعتبار مصلحة ليست فقط مرجوحة بل ملغاة بموجب اتفاقية بين المغرب وفرنسا، ضاربة عرض الحائط بمجموعة من النصوص القانونية من أجل مصلحة شرذمة من الناس تقول إن مصلحتهم هي الأرجح، إنه نموذج الخطأ الفاحش في تقدير المصلحة وتقديمها على النص من قبل أعلى هيئة قضائية في فرنسا. يريد هذا القرار القضائي الفرنسي أن يفسد أخلاق رعايا الدول المسلمة، ويبيح لهم ما حرمته عليهم التشريعات السماوية والوضعية؛ إذ قضت محكمة النقض الفرنسية بموجب هذا القرار بأن مقتضيات الزواج المثلي يجب أن تسري حتى على المغاربة المقيمين بفرنسا، وعللت قرارها بكون القانون المغربي قانون مجحف، يجب أن يستبعد من التطبيق بمقتضى المادة 4 من الاتفاقية المذكورة، ويجب أن تضمن فرنسا للشواذ المغاربة حقهم في إبرام عقود زواج رسمية على الأراضي الفرنسية، مادام مشرعهم الوطني لا يسمح لهم بذلك. وأعطت المحكمة لنفسها الحق في تقويم التشريع المغربي، واعتباره تشريعا مجحفا ينتهك حقوق الشواذ جنسيا، ومن ثمة، يجب استبعاده ولو كانت هناك اتفاقية صريحة بين المغرب وفرنسا، وليس فقط مقتضيات المادة 6 من القانون المدني الفرنسي. علمت محكمة النقض بخطورة قرارها فأصدرت على غير العادة بيانا صحافيا تبين فيه وتؤكد أن هذا الاجتهاد خاص فقط بالمغاربة المقيمين بفرنسا إقامة اعتيادية، علما أن القانون والاتفاقية صريحة بهذا الخصوص: رعايا كل من الدولتين يخضعان لقانون أحوالهما الشخصية فيما يتعلق بشروط إبرام عقد الزواج. لقد بين هذا القرار كيف تراعي محكمة النقض حرمة النصوص، وكيف تقدم مصلحة مرجوحة بل ملغية على كل النصوص الشرعية والقانونية الخاصة بالتشريع المغربي، وتتنكر حتى للتشريع الفرنسي (المادة 16 من القانون المدني)، ولالتزاماتها الدولية التي تربطها مع المغرب منذ غشت 1981. لقد عللت محكمة النقض الفرنسية قرارها بتعليل خطير وهو كون "المغرب لا يرفض مطلقا زواج المثليين"، هذا هو الغريب والعجيب حقا من جهتين، إن كان كذبا، وإن كان صدقا بأن المغرب لا يرفض هذا المنكر جملة وتفصيلا. يتبين من هاته الحيثيات أنه لو كانت القضية تتعلق بأحد رعايا دولة إسلامية أخرى غير المغرب، ما اتخذت محكمة النقض بخصوصها هذا الاجتهاد، حيث تعتبر أن المغرب متساهل بخصوص المثلية الجنسية، والعجيب أن هذا القرار قد صدر في ظل الحكومة الأكثر تذكيرا بالمرجعية الإسلامية، ولم نر، على حد علمي، أي نكير أو رد فعل من قبل الطرف المغربي. لا يجب أن تمر هاته القضية مسكوتا عنها؛ ذلك أن كثيرا من المقتضيات في قانون الأحوال الشخصية المغربي يمكن التفاوض بشأنها؛ إذ أوجد لها المغرب تأويلا وعمل على تعديلها مثل مسألة التعدد، الطلاق بإرادة منفردة، وإثبات النسب في فترة الخطوبة... إلا الزواج المثلي، هذا الأمر لا تمني فرنسا النفس بأنه سيأتي اليوم الذي تغير فيه المملكة المغربية تعريف عقد الزواج، من كونه ميثاق ترابط وتماسك شرعي بين رجل وامرأة إلى شيء آخر. لقد عرضت محكمة النقض بموجب هذا القرار مصالح وعلاقات فرنسا للاهتزاز، من أجل اعتبار مصلحة أحد الشواذ جنسيا، وكل ذلك إمعانا في وجوب أن يرضخ الشعب الفرنسي لتعديل 2013، وكون هذا الحق صار في مصاف قيم فرنسا السامية أحب من أحب وكره من كره من الشعب الفرنسي، ومن أجل هذا الحق (الباطل) سوف يتصرف القضاء الفرنسي كما كان يتصرف بخصوص المقتضيات الموجودة في التشريعات الأجنبية المخالفة للنظام العام الفرنسي مثل إباحة الطلاق بإرادة منفردة، أو تعدد الزوجات، أو غيرها من المقتضيات غير المقبولة. وأكدت في القرار نفسه أن الزواج المثلي مسألة لا يمكن التفاوض بشأنها، وأن أي تشريع يحرم الزواج المثلي هو تشريع غير مقبول؛ بحيث إن التشريع الفرنسي الجديد يجب أن يسري حتى على الدول الأخرى، ولو كانت دولا إسلامية. يجب احترام إرادة المشرع المغربي؛ فمازال وسيبقى كما كانت فرنسا قبل 17 ماي 2013، وليس كفرنسا بعد هذا التاريخ التي استجابت لمطالب الشواذ جنسيا رغم معارضة عموم أبناء الشعب الفرنسي؛ إذ إن هاته المسألة لا تحوز الاتفاق حتى داخل البلد الواحد، ومع ذلك تُقاتل دونها محكمة النقض الفرنسية، وتعتبرها حقا أساسيا يُضحى من أجله بجميع العهود والمواثيق، وتبقى حقوق الشواذ الذين جلبوا لفرنسا المزيد من المتاعب والمشاكل؛ إذ صاروا الآن يطالبون بحق إثبات النسب لأطفال تم إنجابهم عن طريق كراء الأرحام (gestation pour autrui). لقد صار الزواج المثلي في فرنسا بين عشية وضحاها قيمة أساسية (une valeur fondamentale)، تستبعد من أجلها كل التشريعات والاتفاقيات التي لا تعترف بهذا الباطل، وهنا يطرح التساؤل كم دولة في العالم تعترف بها؟ هل هذه قيمة أساسية عالية لا نقاش فيها؟ هل كل هاته الدول التي لا تعترف بالزواج المثلي على ضَلاَل وفرنسا ماي 2013 على حق؟ إن ادخال الزواج المثلي في خانة النظام العام الدولي مسألة لا تقنع أحدا، فإلى عهد قريب كانت محكمة النقض الفرنسية نفسها ترفض قرارات قضائية أجنبية تسمح بالتبني لزوجين من الجنس نفسه، فكيف أنه لم تمر إلا أيام على قانون ماي 2013 حتى صار الزواج المثلي من أسس المجتمع الفرنسي، والحال أنه مازال في فرنسا من ينادي ويضع في برامجه الانتخابية أنه سوف يعمل على إلغاء ونسخ قانون 17 ماي 2013؟ قد نتفق على مسألة أن حل الرابطة الزوجية لا يجب أن يكون بإرادة منفردة، وأن من حق فرنسا أن ترفض أن ينتج مثل هذا الطلاق آثاره في بلدها، ونتفق بالتالي أن المساواة بين الزوجين مبدأ يدخل في النظام العام الدولي. لكن بخصوص مسألة قسمت المجتمع الفرنسي لا أقول إلى نصفين، بل تقريبا كل المجتمع مقابل فئة قليلة من الناس، ثم تصير حسب محكمة النقض الفرنسية قيمة أساسية لا تقبل الجدال، ويجب معها رفض كل التشريعات المخالفة، فهذا الأمر لا يكاد يستسيغه العقل السليم. وكل ما في الأمر أن المحكمة العليا قررت توجيه ضربة قاضية للمعارضين للقانون داخل فرنسا، ولقد كان كبش الفداء في هاته المعركة الأخيرة التشريع المغربي. تعتقد المحكمة أنها بهذا القرار كانت وفية لنية المشرع الفرنسي، والحال أنها لم تكن كذلك البتة؛ إذ بالرجوع إلى الأعمال التحضيرية التي رافقت مشروع الفقرة 2 من المادة 202 من القانون المدني، سنجد أن التقرير يقرر صراحة ويعطي مثالا بالمغرب على وجه التحديد: "إذا تعلق الأمر بالمغرب أو فيتنام لا تطبيق لهذا النص"، خاصة وأن هناك اتفاقية صريحة بهذا الخصوص تجمع بين فرنسا والمغرب منذ 10 غشت 1981، غايتها احترام الهوية الوطنية لرعايا كلا البلدين، ومن ثمة فالقرار المذكور تعدي صارخ من محكمة النقض الفرنسية على النص بدون موجب أو مصلحة راجحة تبرر تعطيل النصوص القانونية الصريحة. يجب على المغرب مع هذا القرار أن يسجل موقفا بهذا الخصوص، وأن لا يدع الحبل على الغارب لمحكمة النقض الفرنسية تفسر مقتضيات اتفاقية 10 غشت 1981 كما شاءت وخارج مقصود المشرع الفرنسي الموثق في تقرير الأعمال التحضرية التي رافقت مشروع قانون 17 ماي 2013. إن محكمة النقض الفرنسية بهذا القرار القضائي لا تسعى إلى تشجيع التقارب بين الأنظمة القانونية المختلفة، بل تسعى إلى تعميق الهوة والاختلاف بين التشريعات الدولية، ولقد حاولت الدول العربية الإسلامية من جهتها أن تقترب من الأنظمة القانونية الأوروبية، لكن بهذا الاجتهاد يبدو أن فرنسا مصرة على الابتعاد، فالأكيد أنه لن يأت اليوم الذي تقلد فيه الدول المسلمة فرنسا فيما يتعلق بتغيير تعريف عقد الزواج بشكل يسمح بانعقاده بين شخصين من جنس واحد. يظهر أن هناك أزمة عميقة لتحديد مفهوم القانون والحق الأساسي. وفي هذا الإطار، هناك من يرى أنه يجب أن تكون هناك تراتبية على الحقوق الأساسية، "ما هو معترف به عالميا كحق أساسي، له من الحماية الواجبة، وما ليس كذلك، فلن يحظى إلا بحماية في أضيق الحدود"، تقول عميدة كلية الحقوق بيروت، مضيفة أن "لائحة الاختلافات طويلة، ثم تزيد عليها محكمة النقض الفرنسية أمرا مشينا يضع النظامين على طرفي نقيض، فلا يمكن أن تلتحق يوما قوانين الدول المسلمة بالقانون الفرنسي الذي يسمح للمنحلين بالحق في إبرام عقود زواج رسمية". خلاصة القول إنه بحق زمن مبدأ سلطان الإرادة، لم تعد التشريعات تضع حدا لرغبات البشر، حتى السفهاء منهم، إنه زمن الفوضى التي ستعود بنا في الأخير إلى وضع الحدود من جديد، فكما قال الأولون: "التاريخ يعيد نفسه"، سوف يشهد العالم ثورة فرنسية جديدة، وسوف يعود القانون المدني لسنة 1804 من جديد، لقد تعلمنا شيئا واحدا من التاريخ هو أن دروس التاريخ لا يتعلم منها أحد. *باحث في القانون الخاص بجامعة السوربون- باريس 1