خلافا للدفعتين السابقتين من الأساتذة بموجب عقود الذين أدمجوا مباشرة في الحياة المهنية - بموجب عقد شغل مبرم مع الأكاديميات المعنية- تحت ضغط التخفيف من حدة الاكتظاظ الذي عانت منه مجموعة من المؤسسات التعليمية، واعتبارا لردود الفعل والمواقف التي أثيرت حول عملية الزج بمدرسين ومدرسات في الأقسام دون إخضاعهم لتكوينات نظرية وتداريب ميدانية كفيلة بعدم المساس بجودة التعلمات، فقد تم تدارك الأمر من خلال الحرص على إخضاع -الناجحين نهائيا في مباراة 2018- لتداريب تكوينية بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين لتأهيلهم نظريا وتطبيقيا لتحمل مهام التدريس خلال الموسم الدراسي القادم،. وسيتم تأطير هذه التداريب التكوينية من الناحية القانونية بموجب "عقود تدريب" -مبرمة بين الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين من جهة، والمتدربين من جهة ثانية - تفضي إلى "التوظيف بموجب عقود"، وفق توجه يكرس "فصل التكوين عن التوظيف". وعليه، واستقراء لعقد التدريب الذي وضعته الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين رهن إشارة الناجحين بشكل نهائي في مباراة توظيف الأساتذة بموجب عقود، المنظمة بتاريخ 13 يناير 2018، يمكن قراءة مقتضيات هذا العقد على النحو التالي: أولا: المرجعيات القانونية لعقد التدريب يلاحظ أن "عقد التدريب" استهل - شأنه في ذلك شأن عقد التوظيف –بالإحالة على المرجعيات القانونية التي تؤطر وتنظم عمليتي التدريب والتوظيف بموجب عقود بقطاع التعليم، ويتعلق الأمر بالقانون رقم 07.00 (القاضي بإحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.00.203 الصادر في 15 من صفر1421 (19 ماي 2000) كما وقع تغييره وتتميمه)، والمرسوم رقم 2.00.1016 (الصادر في 7 ربيع الآخر 1422 (29 يونيو 2001) القاضي بتطبيق القانون رقم 07.00، والقرار المشترك لوزير التربية الوطنية والتكوين المهني ووزير الاقتصاد والمالية رقم 7259 بتاريخ 7 أكتوبر 2016 (المتعلق بوضعية الأساتذة المتعاقدين مع الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين)، فضلا عن الإحالة على نتائج مباراة التوظيف بموجب عقد المنظمة من طرف الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين للدار البيضاءسطات (بتاريخ 13 يناير 2018). ثانيا: الحقوق والواجبات لا بد من الإشارة أولا إلى أن العقد سيؤطر مدة التداريب التكوينية التي سيخضع لها المتدربون، وبالتالي فهو لا يعد "عقد توظيف" (البند 1) ومدة سريانه تمتد طيلة مدة هذه التداريب التكوينية بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين (البند 2) ولن تقل عن ستة (6) أشهر متواصلة بالمركز، تتوج بتسلم المتدرب (ة) لشهادة اعتراف بعد التصديق على مجزوءات التداريب والتكوينات (البند 3)، بعد أن يكون قد اكتسب المهارات والكفايات الأساسية من خلال التكوين النظري والممارسة الميدانية، حتى يكون قادرا على ممارسة مهنة التدريس (البند4) الحقوق: يخول عقد التدريب للمتدرب(ة) عدة حقوق؛ أولها الحق في الاستفادة -بناء على لائحة الحضور الموقعة من طرف مدير المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين-من "تعويض شهري" قدره "ألف وأربعمائة" (1400) درهم طيلة مدة التدريب والتكوين (البند5)، والتمتع داخل المركز بالحق في الوقاية ضد كل أشكال العنف والتمييز مهما كان مصدرها (البند6)، والاستفادة من الرصيد الوثائقي التي تضمنه خزانة المركز (البند7)، وكذا الاستفادة من نظام الرخص الجاري به العمل بالنسبة للمتدربين (البند8). الواجبات: بموجب عقد التدريب، يتعين على المتدرب(ة) الخضوع لمقتضيات النظام الداخلي للمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين (البند9) والتعهد بالمحافظة على مرافق المركز وتجهيزاته وحسن استعمالها وحمايتها من الإتلاف تحت طائلة التعرض لعملية فسخ العقد (البند 10) وإجبارية الحضور في مختلف حصص التكوينات والتداريب والأنشطة، وعدم قبول أي تأخر إلا بإذن من الإدارة (البند 11)، والامتناع عن القيام داخل المركز بأي أعمال تكتسي طابعا سياسيا أو ايديولوجيا (البند12)، مما من شأنه أن يحد من أية إمكانية للاحتجاج أو مقاطعة التداريب التكوينية...إلخ، فضلا عن العناية بالهندام، مع وجوب ارتداء وزرة بيضاء داخل المركز وأثناء التداريب الميدانية، ماعدا المتدربين في تخصص التربية البدنية والرياضية (البند13) ثالثا: أحكام عامة: عقد التدريب ينتهي عمليا بانتهاء فترة التدريب التكويني والتصديق على مجزوءات التداريب التكوينية والحصول على "شهادة الاعتراف" بذلك، حينها يتوصل المتدرب(ة) بنموذج من "عقد التوظيف" قصد توقيعه والمصادقة عليه وإرجاعه إلى الأكاديمية (البند14)، مما يفيد بأن النجاح النهائي في مباراة الأساتذة بموجب عقود المنظمة من قبل الأكاديميات لا يعني البتة التوظيف بموجب عقد، بل يتيح فقط إبرام "عقد التدريب" الذي يمكن أن يفضي إلى إبرام "عقد التوظيف"، وهذا الانتقال التعاقدي، يبقى رهينا بالخضوع إلى التداريب التكوينية واستيفاء المجزوءات بنجاح، بما في ذلك الانفلات من مخالب "فسخ عقد التدريب" في حالة الإخلال بإحدى الالتزامات المضمنة به، وهذا يعكس إرادة واضحة للمشرع في "فصل التكوين عن التوظيف". مقابل ذلك، أعطى العقد للأكاديمية، ممثلة في شخص المدير(ة)، صلاحية "فسخ" هذه العلاقة التعاقدية دون إخطار أو إشعار المتدرب في عدد من الحالات (البند15)، من قبيل عدم التحاق المتدرب(ة) بالمركز خلال خمسة (5) أيام ابتداء من تاريخ انطلاق التدريب التكويني، وعند القيام بتصرفات ماسة بالأخلاق العامة أو بالسلامة الجسدية أو النفسية تجاه زملائه أو تجاه الأطر الإدارية العاملة بالمركز، أو التغيب بدون إذن مبرر بوثيقة رسمية لأكثر من خمسة (5) أيام أو عشرة (10) أنصاف أيام خلال مدة التدريب، أو إذا لم يخضع للاختبارات النظرية والتطبيقية. أما في حالة "الانقطاع الكلي" عن التدريب التكويني، فإن المتدرب (ة) يبقى ملزما بإرجاع "مبالغ التعويضات" التي استفاد منها خلال فترة التدريب (البند16)، مع الإشارة إلى أن عقد التدريب يصبح ساري المفعول وملزما للطرفين المتعاقدين (الأكاديمية + المتدرب(ة)) بعد عملية التوقيع (البند17)، وبالتالي فالمتدرب(ة) يجب عليه أن يحرص تمام الحرص طيلة مدة التدريب التكويني على الواجبات المفروضة عليه تجنبا لفسخ العقد والحرمان من إبرام "عقد التوظيف". تأسيسا على ما سبق، خلاصة القول إن "عقد التدريب" ما هو إلا صيغة قانونية تؤطر العلاقة التعاقدية بين "الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين" و"المتدربين" على امتداد فترة التدريب التكويني بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، وهو عقد سيفضي ويؤسس لعلاقة شغلية مستقبلية غير متوازنة بين الأكاديميات -كطرف مشغِّل- والأساتذة المتعاقدين -كطرف مشغَّل- أثارت ومازالت تثير الكثير من الجدل في ظل بنود مجحفة تصد باب المطالبة بالإدماج المباشر في أسلاك الوظيفة العمومية وتمنح صلاحيات واسعة للطرف المشغِّل (مدراء الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين) لفسخ العقد وإنهائه، مما يقوي الإحساس الجماعي بانعدام الاستقرار لكل الأساتذة الموظفين بموجب عقود، بشكل قد يدفع إلى التضامن والتكتل دفاعا عن المطالب المشتركة التي من شأنها أن تحقق لهم "الاستقرار" بكل مستوياته، وهذه الوضعية سترخي بظلالها على المدرسة العمومية التي تعيش "زمن الإصلاح" المثير للجدل، في ظل رؤية فاقدة للبوصلة يعتريها الكثير من اللبس والإبهام؛ لذلك لا يمكن توقع نجاحات أو نتائج دون الالتفات إلى المدرس(ة) الذي يعد حجر الزاوية في أي مشروع إصلاحي ابتداء، ودون الحسم في أي "نموذج تعليمي" نرتضيه لمنظومة لم تبارح حدود "الإصلاح" و"إصلاح الإصلاح" انتهاء. *أستاذ التاريخ والجغرافيا بالسلك الثانوي التأهيلي باحث في القانون وقضايا التربية والتكوين [email protected]