سلسلة مقالات يومية يسلط من خلالها الدكتور الطيب بوتبقالت الأضواء على صفحات مجيدة من تاريخ المغرب المعاصر؛ ويتعلق الأمر هنا بالأصداء العالمية التي خلفتها حرب الريف (1921-1926) عبر ردود الفعل المتضاربة والمواقف المتناقضة التي سجلتها الصحافة الدولية إبان هذه الفترة العصيبة التي تعرضت فيها حرية وكرامة المغاربة للانتهاك السافر والإهانة النكراء. لقد برهن أبناء الريف عبر انتفاضتهم البطولية في مواجهة العدوان الاستعماري الغاشم عن تشبثهم الدائم بمقومات الهوية الثقافية المغربية الضاربة جذورها في أعماق التاريخ، وعن فخرهم واعتزازهم بالانتماء الحضاري إلى مغرب مستقل ذي سيادة غير قابلة للمساومة. إن أبناء الريف، بشهادة كل مكونات الرأي العام الدولي في هذه الفترة التاريخية ما بين الحربين، أعطوا دليلا قاطعا من خلال دفاعهم المستميت عن الحرية والكرامة أن المغرب بلد يسكنه شعب أصيل لا يرضخ أبدا للذل والهوان مهما كلفه ذلك من ثمن. الصحافة السويدية تمجد عبد الكريم وتفضح استعمال الغازات السامة ضد الريفيين تتبع الرأي العام الاسكندينافي باستمرار تطورات الريف، وكانت الاتجاهات متضاربة، ولكن يغلب عليها تعاطف الاسكندينافيين مع المقاومة الريفية. وكان من أبرز الأصوات التي تعالت لتفضح الهجمة الاستعمارية الشرسة على المغرب وأساليبها الدعائية المبتذلة، صوت الكاتب والصحافي السويدي "سفين هيدين"، الذي تميز بنشاطه الإعلامي المكثف، إذ إن مقالاته كانت تنشر حتى في صحف غير سويدية، مثل صحيفة طاكس انتسايجر السويسرية، وتخلف أصداء واسعة؛ وهو ما كان يثير حفيظة السلطات الكولونيالية المتكالبة على الريفيين، لأن صوتا كهذا لا بد أن يحدث تأثيرا ما على الرأي العام الأوربي، أو على الأقل يضايق الدعاية الاستعمارية الرسمية. وهذا ما دفع برئيس مجلس الوزراء الفرنسي، عضو الحزب الاشتراكي الجمهوري، بول مانلوفي، إلى الرد على مقالات الكاتب السويدي في حديث خص به جريدة فيكو جورنال السويدية يوم 25 دجنبر 1925، محاولا دحض ما ورد في كتابات سفين هيدين: "إنني جد سعيد لتفنيد محاولات السيد سفين هيدين الرامية إلى تمجيد عبد الكريم. هل السيد سفين هيدين يجهل أن فرنسا هي التي اعتدي عليها، وأنها كانت مجبرة على الدفاع عن نفسها؟ ليست فرنسا سفاحة إلى هذه الدرجة حتى تدخل في حرب جديدة! إن سبب الحملة العسكرية الفرنسية في المغرب هو ذلك الاعتداء الذي لا يمكن لأي شعب السكوت عنه. إن واجبنا يفرض علينا حماية القبائل (...) أما في ما يخص اتهام الجيوش الفرنسية باستعمالها الغازات السامة ضد الريفيين، فهذا محض افتراء". بعد مرور ثلاثة أيام على نشر هذا المقال، أعطت الجريدة السويدية، بتوقيع الكاتب والصحافي سفين هيدين، مزيدا من الإيضاحات التي كانت تستهدف تنوير الرأي العام السويدي قبل كل شيء، ولم تقف عند جرد الأحداث الجارية وحسب، بل أعطت بيانات عن الجذور التاريخية للمسألة الكولونيالية بالمغرب، ولم تقصد المجادلة من أجل المجادلة، وإنما كانت تستهدف ملامسة الواقع وإزاحة ستار الدعاية الاستعمارية: "تملك فرنسا شعور بالخوف وأحست بأنها كانت مهددة على الحدود الغربية الجزائرية، لهذا نظمت حملات عسكرية ضد المغرب الذي كان آنذاك دولة مازالت تنعم بسيادتها. بعدها، تبين لفرنسا أن أمنها كان مهددا كذلك في المغرب الأقصى، فقررت قصف الدارالبيضاء والاستيلاء عليها. وما إن مر وقت قصير على هذا الحدث حتى اتضح لفرنسا أن احتلال الدارالبيضاء لا تعطيها ضمانة أمنية كافية، فقامت بالاستيلاء على إقليم الشاوية، وادعت بعد ذلك أن المغرب كان يمارس سياسة عدوانية ضد المقاولات الفرنسية". وحتى تتمكن من «الدفاع عن نفسها»، يكتب الصحافي السويدي متهكما، توغلت فرنسا في قلب المغرب واستولت على مدينة فاس. وهكذا ربط الجيش الكولونيالي خطا متصلا: فاس- تازة. وبدأ الزحف الفرنسي من الأطلنتي في اتجاه فاس، ومن الجزائر في اتجاه الغرب. وهكذا رأى المغاربة "حريتهم تداس تحت الأقدام". ولإضافة مزيد من القدح للدعاية الكولونيالية، كتب سفين هيدين: "بالنسبة لأولئك الذين يتابعون باهتمام منذ عشرين عاما التوسع الاستعماري الفرنسي بالمغرب، أو بعبارة المارشال ليوطي توسع «بقعة الزيت» في البلاد، فإنه لا حاجة لهم بمعرفة من يوجد في وضع المعتدى ومن يكافح من أجل حرية بلده". اعتمد سفين هيدين في رده على بانلوفي على ملاحظاته الشخصية وعلى وثائق تاريخية كان من ضمنها مؤلف ألماني يتعلق بالسياسة الأوربية الخارجية من 1871 إلى 1914. وردا على قول بانلوفي «إن فرنسا لم تحتل المغرب إلا بعدما اعتدي عليها»، فإن ذلك يدخل في إطار ما سماه سفين هيدين «الحقائق الدبلوماسية». وبالمقابل عندما يؤكد الصحافي السويدي أن احتلال الساحل الشمالي المغربي من طرف فرنسا كان سيؤدي حتما إلى نشوب حرب بين فرنسا وبريطانيا، فإن الفرنسيين يقولون إن هذه الفكرة مستمدة قبل كل شيء من دعاية ألمانية محضة. وأما في ما يتعلق بالغازات السامة الخانقة التي استعملت في المغرب ضد الريفيين، فإن سفين هيدين أعاد نشر ما أدلى به في هذا الصدد خبير فرنسي، هو لويس فور من أكاديمية الطب، الذي نصح باستعمال مكثف لهذه الغازات: "إن استعمال الغازات في الحرب ليس عملا وحشيا، فهي أقل دموية من القنابل اليدوية وفي نفس الوقت أكثر منها فعالية. لنستعمل إذن الغازات بشكل مكثف ضد قبائل الريف!". وأكد الصحافي السويدي أن رئيس مجلس الوزراء الفرنسي على علم بأن المغرب كان يشكل عائقا أمام بناء "فرنسا الكبرى"، التي بعد احتلالها له تكونت لديها مجموعة بشرية تضم حوالي 100 مليون نسمة من سكان المستعمرات، ما مكنها من تعبئتهم من أجل استغلالهم. وانتقد الكاتب السويدي سذاجة الرأي العام الفرنسي الذي غرق في بحر الدعاية الاستعمارية إلى درجة أصبح معها يعتقد أنها «دعوة إلى السلام»؛ وكان انتقاده للرأي العام الفرنسي لاذعا ولكن لا يخلو من وعي وتبصر: "ما أكثر الخطابات الفارغة التي ألقيت أمام الجماهير التي يشكل ما يسمى بالرأي العام 90 % منها. إن جهل هذا الغول ذي 1000 رأس مدهش حقا وبلاهته ليست لها حدود إطلاقا". يرى سفين هيدين أن سياسة فرنسا في المغرب كانت تتشابه مع سياسة روسيا القيصرية في ثلاث نقط مع فارق واحد: هو أن قبائل إفريقيا الشمالية كانت أقوى وأكثر اعتزازا بالكرامة من قبائل آسيا الوسطى، ويختتم مقالته المعمقة مستعرضا دوافع رده: "لم يكن ردي على السيد بانلوفي بدافع أكاديمي، ولكن بدافع يكتسي أهمية بالغة: إن نصف البشرية، من الصين إلى المغرب، هو الآن في حالة ثورة ضد الإمبريالية الأوربية. لقد علمت الحرب العالمية الأولى الشعوب مقارنة قواها بضعف أوربا. إن حرب المغول يغذى فتيلها حريق هائل نشب انطلاقا من حقول الموصل النفطية، وإن الإسلام بدأ يجمع أقواما تحت راية الرسول الخضراء". لقد اتسم تحليل سفين هيدين بالهدوء وبعد النظر، وكان على بينة بمجريات الأحداث، وعلق عليها في إطار شمولي، مع الدقة في تناول معطيات المسألة الكولونيالية واستشراف تداعياتها، وبدا واضحا حبه للسلام الحقيقي ودفاعه عن الحق، ومن هنا نشأ تعاطفه مع الريفيين والمغاربة عامة الذين اعتبرهم أصحاب قضية عادلة، وأكد أنه من واجب الأصوات المحبة للسلام أن ترتفع عاليا لمساندتهم، وهذا ما فعله هو بالضبط. وكان رد الدعاية الكولونيالية على موقف سفين هيدين منتظرا، إذ اتهمته بتبعيته العمياء للدعاية الألمانية. * أستاذ التاريخ المعاصر وعلوم الإعلام والاتصال بمدرسة الملك فهد العليا للترجمة- طنجة