الصراع السياسي هو حالة من التنافس حول الحكم او السلطة، يأطره اختلاف الأفكار السياسية، ويتأثر بحجم الاهداف (كلما كبرت الاهداف كبر الصراع)، وتتحكم الامكانيات والموارد المتاحة لأطراف الصراع في مدته واتجاهه. وتختلف النتائج المرتبطة بالصرعات السياسية، قد يكون بعضها ايجابيا مثل عدم احتكار السلطة بيد فئة فاسدة وقد يكون سلبيا عندما يقاوم عرابو الفساد أي محاولة للإصلاح مستخدمين في ذلك كل الاساليب القذرة من اجل تحريك جيوب المقاومة كالإشاعة، العنف، الفوضى. كما ان امتلاك أحد الاطراف للإمكانيات او دعمه من قبل جهات مختلفة يؤدي الى حسم الصراع لصالحه على الرغم من فساده او عدم صلاحية افكاره وسلوكياته. وتعد حالتي العقل والهمجية محددين لضبط الصراع السياسي، فالأخير يتأثر بمدى ارتكان المتنافسين لقواعد العقل وهنا يكون الصراع مبنيا على الدفع نحو المصالحة وتكريس ثقافة الاعتراف، او انه يؤدي الى حالة من اللاسلم وتكريس ثقافة العنف عند اقترانه بالهمجية. والواقع ان اغلب الصراعات التي اقترنت بالعنف والتي تولد حتما عنفا مضادا هي صراعات همجية بامتياز، والتجارب التاريخية حبلى بهذه النماذج، فالفكر النازي الذي بني على فكرة همجية مفادها ان العرق الاري هو أسمى الاجناس البشرية ادخلت العالم في حرب عالمية ابادت شعوبا بأكملها. لقد ادى البعد عن العقلنة الى تشوه كبير في الممارسات السياسية السائدة، فالتغيرات المتلاحقة في الاحداث وفي البنيات السوسيوثقافية ادى الى بروز مرونة فكرية كان من نتائجها انهيار العقل واستشراء الهمجية، وهو ما اسماه المفكر إرنست كاسيرر بالهمجيات الحديثة. ويرى هذا المفكر ان من نتائج الازمات الاجتماعية انها تحدث هزات عميقة في التصورات العقلانية للواقع وتشجع اللجوء الى "الاحكام المسبقة والدين والاسطورة". هذه الهزات الفكرية ستجعل من التصرفات السياسية بعيدة عن منطق العقل وهو تماما ما يحدث اليوم بالساحة السياسية المغربية، حيث الممارسة السياسية باتت تؤطرها صراعات سياسية لاعقلانية يحضر فيها كل شيء وتغيب فيها مصلحة الوطن، صراعات ابدعت في انجاب مفاهيم دخيلة على الثقافة السياسية للبلد من قبيل (اخونة المجتمع، التحكم، البلوكاج،...) وكلها مفاهيم تكرس الهمجية في السلوك السياسي الغاية منها تحوير النقاش العام عن القضايا المصيرية والدخول في سجالات لاعقلانية. هذا الوضع سيجعل من الثالوث الذي عبر عنه كسيرر: الاحكام المسبقة (فاسد، تاجر مخدرات، ارهابي) والدين (حكم الفقهاء) والاسطورة (الملك المنقذ)، اسلوبا جديدا في السلوك السياسي بالمغرب. وما يغذي حالة الهمجية التي تعرفها الساحة السياسية من صراعات هو رفض حزب التحالف مع حزب اخر دون ان يكون هناك خلاف ايديولوجي او تاريخي بل على العكس كانت تشكل تحالف سياسي في وقت سابق، وهو ما سينتج تفاعلا سلبيا بين أطراف الصراع دون ان ينبني هذا التفاعل على اسس عقلانية. هذه الظواهر لن تساهم سوى في انتقال عدوى الهمجية من الساسة الى المواطن وهو امر حدث بالفعل وان بدرجات متفاوتة اخرها ما وقع بدورة مارس 2017 لمجلس جهة كلميم وادنون حيث تم رمي رئيس المجلس ووالي الجهة بالبيض والطماطم من طرف بعض الحاضرين وهي سابقة بالمغرب مجسدين بذلك ابتعاد الصراع السياسي عن دائرة العقل ودخوله دائرة الهمجية. لعل صورة المشهد السياسي الذي يغلب الصراعات الشخصية على المصلحة العامة وتحتل فيه الديماغوجيا محل التعاون، هي بداية لرسم صورة ضد مجتمع ديموقراطي يروم التناغم والانسجام وينزع كل اشكال التوثر بين المواطنين، هؤلاء هم الحلقة الاضعف في لعبة غير متكافئة، فالسياسي بات يوظف كل الوسائل في سبيل بسط سيطرته، اولها الاعلام الذي يتم تجييشه بغية صناعة الاجماع. ليصبح السلوك السياسي برمته يتأسس على فرضية خداع مصطنع وليست حقيقة موضوعية، الشيء الذي لا ينم عن التلاعب بالمواطنين بقدر ما يكشف عن نزعة همجية ستكون نتائجها وخيمة على العملية الديموقراطية. *باحث في العلوم السياسية [email protected]