بعد ان استنفدت مايسة سلامة الناجي كل ما في قاموسها من ألفاظ مثل خونة،منحلون،مكبوتون،أعداء الوطن،وما الى ذلك،استنجدت كاتبتنا هذه المرة باللغة اللاتينية في مقالها الأخير الذي سمتنا فيه ب 20 كانيبال... منذ مدة ليست بالقصيرة وأنا أقرٲ لها،ليس من باب الإعجاب بكتاباتها،ولكن لأنني أخذت على عاتقي قراءة كل مقالات الرأي التي يكتبها زملائي كتاب الأعمدة في هسبريس قصد تكوين فكرة عنهم،ورغم كل التقاطع والاختلاف الذي قد أجده في مجموعة من المقالات،إلا أنني لم أفكر يوما في كتابة رد على كاتب ما،لكن ان تصل الوقاحة بالأستاذة مايسة لأن تصفنا بالكانيبال في استغلال سافر لتلك المساحة الصغيرة التي يقدمها لها هذا الموقع من اجل سب وشتم الناس،فهذا أمر لا يتقبله عقل.. آنستي مايسة،في الكتابة الصحفية عموما يوجد ما يسمى بأخلاقيات المهنة،وهي مجموعة من القواعد الأخلاقية التي تمنع على الكاتب الصحفي السب والشتم ،وان خالفتني في الرأي فابحثي في الأعمدة الصحفية لكبار الصحفيين المغاربة والأجانب لكي تدركي ان المباشراتية لا توجد في كتابة عمود الرأي،وان الصحفي مهما انتقد الشيء لا يصل به الأمر الى حد السب والشتم.. لكن،ربما سأتجاوز عن هذه النقطة،ما دام المتطفلون على الكتابة الصحفية قد تزايد عددهم وصارت أخلاقيات المهنة تحتضر،لأمر مباشرة لمناقشة مضمون المقال الجميل.. تحدثت الآنسة عن كرونولوجيا لحركة 20 فبراير،حيث وقفت على حد قولها عند أهم المحطات التي رافقت ظهور واستمرارية هذه الحركة،رغم أنني أرى ان تقديم الجرد التاريخي لا يتم في مقالات الرأي وإنما في الملفات والتقارير الخاصة،على اعتبار ان الرأي لا يستطيع ان يؤرخ الحدث بموضوعية،وهذا هو ما وقعت فيه كاتبتنا،حيث أرخت للحركة كما تريد هي وليس كما كتب التاريخ،والدليل على ذلك أنها ذكرت محطات معينة وأغفلت محطات أخرى كالقمع الذي حدث يوم 13 مارس.. ورد في مقالها ان خطاب الملك ل9 مارس أتى بملكية تضمن الوحدة الترابية العرقية،بمعنى أو بآخر،ان قبل هذا التاريخ لم تكن لدينا هذه الملكية،وقالت أيضا ان إمارة المؤمنين هي من تثبت هوية كل مسلم،وكم استغرب عندما اسمع هذا،فلم أكن اعرف ان هويتنا مهددة في حال إلغاء إمارة المؤمنين،ولم أكن اعرف ان هذه الإمارة هي من تحمي الإسلام في المغرب... يبدو ان جميلتنا لم تقرٲ الدستور المغربي،ولا تعرف ان الإسلام منصوص عليه في فصل لوحده هو الفصل السادس وليس الفصل 19،وذلك بعبارة "الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية"،بمعنى ان إلغاء الفصل 19 لا يؤدي الى إفراغ الدستور من الهوية الدينية،على اعتبار ان هذا الفصل ينصص على الصلاحيات المطلقة للملك،وقد تم وضعه تاريخيا من اجل جعل مشروعية الملكية بالمغرب مشروعية إلهية،بحيث لا تخضع للمحاسبة أو للمسائلة. من يحمي الدين الإسلامي في المغرب ليس إمارة المؤمنين،وليس حتى الدستور نفسه،ولكن من يحميه هو الالتزام بتعاليمه وضمان حرية العقيدة وإصلاح الدين بحيث يبتعد عن حماية الدولة الى حماية الوطن والشعب،علما ان الدين الإسلامي في المغرب غير مهدد ان نحن فهمنا التركيبة السوسيولوجية للشعب المغربي،وعندما تقول مايسة بأن حركة 20 فبراير تهدف الى إسقاط الإسلام،فلتعطني دليلا واحدا على ان الحركة طالبت يوما بإسقاط الفصل السادس ونادت يوما ما بالخروج عن الإسلام.. ثم لماذا تقع كاتبتنا في التناقض؟لأول مرة في حياتي اسمع ان اليساريين والإسلاميين يجتمعان معا للدعوة الى دولة علمانية،فعلى حد علمي،لا يوجد حزب أو جماعة بمرجعية إسلامية تنادي بالعلمانية ما دامت مثل هذه التنظيمات ترى في الدين الأصل الأول للتشريع في الدولة وليس القانون الوضعي،فمن أين أتت الأستاذة مايسة بهذه المعلومة المتناقضة؟؟ في فقرة أخرى تقول كاتبتنا بالحرف"حين توفت المنية شخصا من بين المواطنين المغرر بهم لما تحمل من قوات الأمن ما يفوق طاقة جسده في الاستيعاب"،بمعنى ان هناك مقدار من الضرب لكل مواطن مغربي،وبأن كل متظاهر يجب ضربه بالحد الذي تستوعبه طاقة جسمه،بمعنى آخر،ان كاتبتنا مع قمع المظاهرات والاحتجاجات تحت ما تقول انه استفزاز للدولة،وقد تناست كاتبتنا ان حق الإضراب والاحتجاج السلمي تنص عليه جميع الاتفاقيات العالمية،وحتى ان أردنا تبرير قمع الدولة للمتظاهرين،فالتبرير الوحيد سيكون هو ان هذه المظاهرات تقوم بخلخلة الأمن العام وتؤدي الى الشغب والتخريب،والواقع يقول،ان كل مظاهرة من مظاهرات الحركة-ان نحن استثنينا ما حدث ليلة 20 فبراير-لم تشهد ولو حادثا صغيرا واحدا رغم أنها عرفت مشاركة الآلاف،بل حتى عندما كسرت قوات القمع عظام المتظاهرين،لم يسجل أي سلوك عدائي،ولم يدافع أي محتج عن نفسه،والعالم كله شاهد فضيحة الأمن المغربي حتى مع النساء والأطفال.. أما افترائها بأن كمال عماري ليس بشهيد،فتقديم حكم كهذا يخرج عادة من أفواه العلماء ممن درسوا الفقه بشكل مستفيض،على اعتبار ان ما نعرفه هو ان القتيل في معركة الكرامة على أيدي رجال الأمن يعتبر شهيدا،وإلا فقتلى الثورتين المصرية والتونسية ليسوا بشهداء،فإن صدقنا بوجود رأي مخالف،فالمعروف انه يصدر عن عالم مشهود له بالكفاءة وليس من فم كاتبة تريد قيادة نهضة إسلامية وهي لم ترتدي حتى حجابها الشرعي... التناقض طويل جدا في مقالها،ففي سياق معين قالت بأن الشعب المغربي ضد حركة 20 فبراير،وقد تناست الآنسة الغالية تلك العشرات المؤلفة من الناس التي تخرج للتظاهر في كل مظاهرة تدعو لها الحركة،ورغم كل هذا،لا ادعي أبدا ان الحركة تمثل الشعب المغربي ككل،فهو منقسم بين داعم للحركة وبين معارض لها،وبين غافل عن الإصلاح،وبين من يريد العيش فقط حتى ولو كان مثل "الذبانة فالبطانة"،وبين من يرى ان التغيير هو هدف الشماخ أو رقصة شاكيرا،فلا داعي للحديث باسم الشعب المغربي.. وفي اتهام خطير،قالت بالحرف"أخرجوا بذلات المحاماة الباهتة من كل فج عميق ليحاكموا البلاد والعباد"،وهذا اتهام خطير ما كان ليصدر عن إنسان عاقل،فلو حضرت الآنسة المحترمة لمظاهرات الرباط مثلا،لوجدت عشرات المحامين من خيرة دارسي القانون في المظاهرات،ولو كان لديها شك،فلترى الفيديوهات الموجودة في هذا الصدد،ولتستفسر عن هويات هؤلاء المحامين بدلا من ان ترمي الاتهامات بدون رقيب ولا حسيب.. طبعا من حق أي مغربي ان يكون ضد حركة 20 فبراير كما له الحق في ان يكون معها،ومن حق الجميع ان يوجه النقد للحركة،فهي ليست بمقدسة وهناك العديد من الأخطاء التي ارتكبتها-وسأعرج عليها في مقال قادم بإذن الله-،لكن ان نسمع ذلك الكلام السطحي من قبيل ان الحركة خائنة وان أفرادها منحلون وأنها تهدف الى زرع الفتنة،فهو ما لا يقبل على اعتبار أنها مجرد ثرثرة ظهر منذ زمن عدم صدقها،ولم يعد يتحدث عنها احد باستثناء بعض الناس ممن يعيشون خارج نطاق الزمن والتاريخ... لذلك،فإن كانت كاتبتنا تعني بالكانيبال أكلة لحوم البشر بالشكل المعروف،فأنا ادعوها لمشاهدة فيلم "كانيبال هولوكست" لروجيرو ديوتاتو كي تعرف المعنى الحقيقي لهذه الكلمة،وان كانت تعني بها أمرا من وجهة نظر إسلامية،فليس هناك سوى الغيبة والنميمة التي قد تفهم في سياق أكل لحوم الناس،ولا اعتقد ان الحركة تمارس هذا الأمر،اللهم ان كانت مايسة ترى في الاحتجاجات نميمة ضد النظام المغربي،أما ان كان هناك معنى،فلتتفضل الآنسة مشكورة بشرحه لنا ولها كل الاحترام والتقدير.. [email protected] http://ismailpress.blogspot.com