(2) يطرح موضوع إنشاء المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي عدة تساؤلات أساسية. تساؤلات تجد مبرراتها ومنطلقاتها في حقيقة المعطيات التي يطرحها واقع الحياة الشبابية والجمعوية بالمغرب، وهي المعطيات التي لها أسس ومؤشرات سوسيوثقافية وسياسية يمكن أن تقدم من خلال الأسئلة التالية: من يصغي لصوت الشباب اليوم؟ وما هي المؤسسات التي تمثل الشباب؟ وما هي تجليات حضور الشباب وقضاياه وتطلعاته في البرامج الحكومية؟ وكيف تتبلور أهمية ومكانة الشباب والجمعيات من خلال سياسات الدولة في مجالات التربية والتكوين والتشغيل والفن والثقافة والرياضة والإعلام والعمل الجمعوي؟ وكيف يمكن لخلاصات اللجنة الوطنية للحوار الوطني حول المجتمع المدني أن تساهم في بلورة إستراتيجية حكومية لتأطير ومأسسة الحياة الجمعوية وتعزيز حضورها المؤسساتي والقانوني؟ وإلى أي مدى يمكن لهذه الخلاصات أن تعكس الرؤى المجتمعية حول قضايا الشباب والمجتمع المدني؟. لقد أصبحت هناك عدة تحولات ومتغيرات تفرض وجود مناخ وفضاء مؤسساتي وقانوني متقدم في مجالات الشباب وانخراطه في دينامية العمل الجمعوي والمجتمع المدني، حتى تكون وتتحقق مساهمة هذه الفئة في بناء مغرب ديمقراطي وحداثي وتعددي يتسع للجميع وتتبوأ فيه أجيال الغد مكانتها وموقعها الطلائعي. ومن بين الآليات المؤسساتية التي سيكون لها إسهام في تحقيق هذه الانتظارات إنشاء المجلس الوطني للشباب والعمل الجمعوي، رغم أن المنطلق في هذه الحالة هو السعي إلى وجود مجلس وطني بدل مجلس ذو صلاحيات استشارية، وذلك على غرار المجلس الوطني لحقوق الإنسان مثلا. سعي نحو وجود مؤسسة وطنية قادرة على تحقيق الإسهام الناجع في معالجة قضايا الشباب وشؤون العمل الجمعوي بالمغرب والذي عرف تطورا هائلا خلال العقدين الماضيين، تبعا لما ورد في الفصل 13 من الدستور الجديد الذي تضمن إحداث مؤسسة تشاورية تساهم في تعزيز الديمقراطية التشاركية والحكامة الجيدة ومقاربة النوع. وكذا أحكام الفصل 33 القاضي بإدماج الشباب في المنظومة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية عبر إنشاء هيئة وطنية تساهم في بلورة السياسات العمومية الخاصة بالشباب. إن التغيير والإصلاح المنشودين في هذا الصدد، يقوم على تجاوز سلبيات تجربة الهيآت والمؤسسات السابقة، كما هو الشأن بالنسبة لتجربة المجلس الوطني للشباب والمستقبل خلال التسعينيات من القرن الماضي، حتى تكون هذه التجربة المنتظرة القدرة على الإسهام الفعال في بلورة وتطوير قطاعات الشباب والعمل الجمعوي، وهو الأمر الذي ظل مطلبا مطروحا منذ عدة سنوات، لكنه أصبح أكثر إلحاحا مع الانخراط الواسع للشباب في دينامية الحراك الشبابي والاجتماعي الذي عرفه المغرب. وهناك عدة تجارب ونماذج لآليات ومؤسسات وطنية على الصعيد الدولي، ضمن نطاق التجارب الأخرى الهادفة إلى خلق استراتيجيات التنمية والديمقراطية والاستقرار، التي يمكن الانفتاح عليها والاستفادة منها دون أن يعني ذلك استنساخ هذه التجارب أو تكرارها، مع إعطاء هذه المؤسسات الطابع التعددي والديمقراطي الواسع. بمعنى القطع النهائي مع الطابع الاستشاري أو الشكلي فقط الذي كان يصبغ عمل ووجود بعض هذه المؤسسات والهيآت التي يجب أن ترقى إلى مؤسسات وطنية بصلاحيات واختصاصات وسلطات فعلية. إن ملف الشباب والقضايا المرتبطة به، هو ملف متعدد الأبعاد التي تتداخل في ما بينها، وبالتالي فمداخل معالجته تستوجب أن تكون هي الأخرى متعددة المقاربات. ومن بين هذه الأبعاد التي لابد من الإشارة إليها، البعد والطابع الحقوقي الذي يعد واحد من المستويات التي على الجمعيات والمنظمات الحقوقية أن تناضل في سبيلها وتترافع من أجلها لتعزيز مكتسبات الحركة الشبابية والاستجابة لمزيد من متطلبات تأهيل هذا الحقل ومواكبة تحولاته. كما أن هذا الأمر يستوجب من الإطارات والمنظمات الشبابية نفسها مزيد من تعزيز موقعها الترافعي على صعيد قضايا الشباب وإبداء التصورات والمقاربات الفعالة في تناول ومعالجة هذه القضايا ورسم ومعالم السياسات العمومية في مجالات مختلفة. وإذا كان التفعيل الديمقراطي لدستور 2011 يقتضي إخراج القوانين التنظيمية وتفعيل أحكام ومقتضيات هذا الدستور، بما في ذلك تنصيصه على إنشاء مؤسسات وطنية، فإن إنشاء المجلس الوطني للشباب والعمل الجمعوي يعد واحد من هذه المؤسسات التي يراهن على إنشاءها من أجل أن يكون لها الإسهام في تدبير ومعالجة قضايا الشأن الشبابي والجمعوي، من خلال الانخراط الفاعل في الأوراش الوطنية والحوارات العمومية التي تهم رسم وبلورة السياسات العمومية في مجال تطوير وتنمية الحياة الشبابية التي عرفت تطورا هائلا بالمغرب، وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه الشريحة تشكل 40 % من بنية الهرم السكاني بالمغرب، أي ما يعادل 16 مليون نسمة ممن تتراوح أعمارهم ما بين 15 و 35 سنة. كما يبلغ عدد الجمعيات ببلدنا حوالي 95 ألف جمعية. ومن هنا تتجلى لنا أهمية هذه المعطيات الأولية المرتبطة بالنسيج الشبابي والجمعوي وديناميته. وإذا كانت هناك بعض المكتسبات التي حققتها الحركة الجمعوية والشابية بالمغرب على صعيد التقدم المسجل في الرقي بهذه المكونات على المستوى القانوني والدستوري إلى إعطاءها مكانة معتبرة، فهي في حاجة إلى أجرأة وتنفيذ وبلورة على أرض الواقع. ذلك أن تفعيل وتحصين هذه المكتسبات والاستجابة للمطالب المتبقية يشكل في حد ذاته إجابة موضوعية على سؤال تمثيلية الشباب وجمعيات المجتمع المدني في مواقع تسمح لها بإبداء آراءها وتصوراتها والمساهمة في اتخاذ القرارات التي تهم قضايا مختلفة، ولعل هذا هو التحدي الأساس الذي يواجه مثلا إنشاء المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، لأن بعض التدابير التي تم اتخاذها على مستوى تمثيلية الشباب والإقرار بها داخل المؤسسة التشريعية عبر تخصيص 30 مقعدا برلمانيا للائحة الشباب لم تستطع هذه التجربة أن تعكس حقيقة تمثيلية الشباب داخل المؤسسات الوطنية. وهنا يمكن أن نطرح التساؤلات التالية: كيف يمكن تقييم حصيلة العمل النيابي الشبابي؟ وكيف يمكن الارتقاء بها نحو تمثيلية فعالة وناجعة؟ وما هي ميكنزمات إعطاء هذا التمثيلية طابعا استراتيجيا يؤسس لتجربة من تجارب إدماج الشباب وتعزيز مكانته في مختلف المواقع؟.. ومن جملة المهام والتحديات المطروحة على إنشاء المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، تعزيز مكانة وتمثيلة الشباب والجمعيات وموقعهما في النسيج المجتمعي، والرقي بهذه المكانة إلى موقع يوفر شروط تأهيل الحياة الشبابية والجمعوية والمدنية نحو مستقبل أفضل عبر تعزيز مكتسبات الشباب المغربي وحضوره في مختلف المجالات. إضافة إلى الإسهام في إيجاد وبلورة حلول ومقاربات ناجعة لإشكالات وقضايا العمل الجمعوي والشبابي، والمساهمة في رسم معالم السياسات العمومية المرتبطة بهما من خلال إعمال آليات المقاربة التشاركية والديمقراطية والحكامة الجيدة. كما يعد تأطير وتوجيه ديناميات الشباب والمجتمع المدني وفق أهداف محددة ومعينة من صميم المهام والتحديات التي ينبغي على المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي العمل على تحقيقها. فضلا عن الإجابة على الإشكالات التي تفرضها العديد من التحولات الاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي من خلال عدة مؤشرات سوسيوثقافية وذهنية تصبغ صيرورة هذه التحولات، والتي لها علاقة وثيقة بمسارات دينامية الشباب والحياة الجمعوية والمدنية في مغرب اليوم. ومن شأن هذه التحديات التي سبقت الإشارة إليها أن تساهم في الإجابة وطرح البدائل والصيغ الممكنة لمستقبل هذه الطاقة والحيوية وقدرة الإبداع وروح المبادرة التي تتسم بها دينامية الشباب والمجتمع المدني، وكذا تمكين هذه الأخيرة من سبل وقنوات المشاركة الفعالة والتتبع والمراقبة والقوة الإقتراحية قصد مواكبة مستجدات الحياة الاجتماعية والسياسية وتعزيز شروط ومرتكزات البناء الديمقراطي عبر توسيع وتنويع مشاركة الشباب في تطوير السياسات العمومية في مختلف المجالات. وإذا كان دستور 2011 قد أكد على أهمية الشباب ودور إدماجه في المنظومة العامة، فقد أكد من جهة أخرى على الأدوار الدستورية الجديدة التي خولها للمجتمع المدني والمتعلقة بالإسهام في وضع سياسات عمومية متكاملة وحقه في رفع العرائض والمرافعات ومنحه سلطة التشريع عبر آلية الملتمسات التشريعية على اعتبار أهمية الفاعل المدني في سيرورة المجتمع. وقد سبق في هذا الإطار أن تضمن التقرير الختامي للجنة الوطنية للحوار الوطني حول المجتمع المدني الدعوة إلى وضع "ميثاق وطني للديمقراطية التشاركية" وإنشاء "اللجنة الوزارية لتنسيق السياسات العمومية المتعلقة بالمجتمع المدني" والتي سيعهد برئاستها لرئيس الحكومة، وهي الإجراءات التي يمكن أن ترقى بالمجتمع المدني إلى موقع يسمح له بالمشاركة الفعالة في مسارات الإصلاح والتحول والانتقال نحو وضع ديمقراطي أفضل. ورغم هذه الإجراءات والتوصيات الشاملة التي تقدمت بها اللجنة المذكورة في ختام الحوار الوطني الذي امتد طيلة أزيد من سنة وشمل مختلف مناطق المغرب، وهي التوصيات الهادفة إلى تعزيز مسالك الديمقراطية التشاركية، فقد أكدت مجمل التدخلات والآراء والتصورات التي طرحت خلال أشواط هذا الحوار على أهمية عنصر الاستقلالية التامة لجمعيات المجتمع المدني عن مختلف الفاعلين الآخرين، وذلك بغية تأهيل وتطوير الحركة الجمعوية وتكثيف دورها في مأسسة وتنظيم روافد الديمقراطية التشاركية. وهنا يجب التأكيد على ضرورة تعزيز آليات ووضع الترسانة القانونية وتأهيل شروط إصلاح الحياة السياسية وتفعيلها الأمثل حتى تتكامل مداخل تحقيق التنمية والديمقراطية والاستقرار والمواطنة، وذلك عبر مختلف السياسات والبرامج والمخططات التي لها ارتباط بالحياة الشبابية والجمعوية، وكذا توسيع دور هده الأخيرة في المساهمة في إعداد وتتبع تنفيذ هذه السياسات والمخططات حتى يتم التأسيس لتجربة رائدة على هذا المستوى، وما أحوج المغرب إليها. وعموما، يمكن القول بأن خلق مناخ مناسب وبلورة إستراتيجية شاملة لتعزيز حضور الشباب في مختلف الفضاءات، من خلال آليات قانونية ومؤسساتية وسياسية ستجعل من المغرب تجربة واعدة على صعيد التجارب المميزة في مجالات الاهتمام بقضايا ومستقبل الشباب والعمل الجمعوي، لاسيما داخل بلد قاعدته العريضة على مستوى الهرم السكاني هي من الشباب. بلد يقر بتحولاته وباختياراته الديمقراطية، لاسيما في ظل الممارسات والسلوكات التي كانت تطبع المراحل السابقة والتي ساهمت بشكل سلبي في رسم مسارات خاطئة في هذا الإطار. لقد أصبحت هناك عدة تحولات ومتغيرات تفرض وجود مناخ وفضاء مؤسساتي وقانوني متقدم في مجالات الشباب وانخراطه في دينامية العمل الجمعوي والمجتمع المدني، حتى تكون وتتحقق مساهمة هذه الفئة في بناء مغرب ديمقراطي وحداثي وتعددي يتسع للجميع وتتبوأ فيه أجيال الغد مكانتها وموقعها الطلائعي. ومن بين الآليات المؤسساتية التي سيكون لها إسهام في تحقيق هذه الانتظارات إنشاء المجلس الوطني للشباب والعمل الجمعوي. من هنا تتجلى لنا أهمية هذه التجربة التي ينبغي أن تعكس مجمل التنوع والتعددية والاختلاف والمشارب والتصورات الموجودة، حتى لا تظل تجربة حبيسة توجهات معينة فقط أو المقاربات الرسمية.