الاتحاد الإسلامي الوجدي يقصي الرجاء    اعتصام ليلي بطنجة يطالب بوقف الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة    منتدى يدعو إلى إقرار نموذج رياضي مستدام لتكريس الريادة المغربية    اعتداء جسدي بليغ على عميد شرطة والرصاص يقوم بالواجب    مأساة بحي بنكيران.. وفاة فتاة يُرجح أنها أنهت حياتها شنقاً    في مباراة مثيرة.. الاتحاد الوجدي يُقصي الرجاء ويتأهل لربع نهائي كأس العرش    يوم غضب أمريكي تحت شعار "ارفعوا أيديكم".. آلاف الأميركيين يتظاهرون ضد ترامب في أنحاء الولايات المتحدة    بلاغ جديد للمنظمة الديمقراطية للصحة – المكتب المحلي للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا – الرباط    "لن أذهب إلى كانوسا" .. بنطلحة يفضح تناقضات الخطاب الرسمي الجزائري    توقيف أربعيني بطنجة روج بمواقع التواصل لعمليات وهمية لاختطاف فتيات    أمن طنجة يفند أخبار اختطاف فتيات    منظمات حقوقية تدين تهميش المهاجرين المغاربة في مليلية المحتلة    حركة حماس تشيد بموقف المهندسة المغربية ابتهال أبو سعد واصفة إياه ب"الشجاع والبطولي"    باريس سان جرمان يحرز بطولة فرنسا    كأس العرش: الضربات الترجيحية تهدي التأهل لأولمبيك آسفي إلى ربع النهائي على حساب شباب السوالم    طنجة تتصدر مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية.. وهذه توقعات الأحد    طنجة .. وفد شبابي إماراتي يطلع على تجربة المغرب في تدبير قطاعي الثقافة والشباب    المغرب يرسخ مكانته كحليف تاريخي و إستراتيجي في مواجهة سياسة ترامب التجارية    برشلونة يسقط في فخ التعادل أمام ريال بيتيس    هذا ما يتوقعه المغاربة من المعطي منجب؟    جهة الداخلة وادي الذهب تستعرض تجربتها التنموية في المنتدى العالمي السادس للتنمية الاقتصادية المحلية    فرنسا: خسائر ب15 مليار دولار بسبب التعريفات الجمركية الأمريكية    الدار البيضاء تستحضر ذكرى 7 أبريل 1947.. محطة مشرقة في مسار الكفاح الوطني والمقاومة    تحالف استراتيجي بين الموريتانية للطيران والخطوط الملكية المغربية يعزز الربط الجوي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإفريقي    العودة إلى الساعة الإضافية وسط رفض واستياء واسع بين المغاربة    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    الأسرة الكروية المغربية تودّع محسن بوهلال بكثير من الحزن والأسى    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    فيديو يوثق استهداف إسرائيل لمسعفين    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي تقيل نائب الرئيس الإيراني    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    كلميم.. القضاء يدين عدة مسؤولين بينهم رئيس الجماعة بالسجن النافذ في قضية تبديد واختلاس أموال عمومية    دعوات للمشاركة المكثفة في مسيرة "الرباط الوطنية" للتنديد بالمحرقة المرتكبة في غزة    سفير جمهورية السلفادور: المملكة المغربية تعد "أفضل" بوابة للولوج إلى إفريقيا    عرض مناخ الأعمال وفرص الاستثمار في المغرب خلال ملتقى بباريس    خبراء "نخرجو ليها ديريكت" يناقشون موضوع انتشار الوسطاء والشناقة داخل الأسواق    حصيلة الزلزال في بورما تتجاوز 3300 قتيل    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    ماذا بعد استقبال مجلس الشيوخ الفرنسي لحكومة جمهورية القبائل؟    الركاني: من يدعم فلسطين توجه له تهم جاهزة وعواقب وخيمة ستلاحق كل من تواطئ لجعل غزة مسرحا للجريمة    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تحقيق يعري عن فضائح مستشفى الجديدة "المغضوب عنه" .. سعى بعضهم إلى حجبها بالغربال عن الجهات العليا
نشر في الجديدة 24 يوم 26 - 12 - 2013

عمدت إدارة المركز الاستشفائي الإقليمي بالجديدة، مساء الاثنين 23 دجنبر 2013 ، إلى طرد مريضة في حالة صحية حرجة، من قاعة الاستشفاء، حيث كانت تخضع للتطبيب والعلاج. ما حدا بالمريضة إلى ملازمة مدخل قسم المستعجلات، والاستنجاد عفويا بصحافيين، ورجل أمن برتبة ضابط، كانوا في انتظار طلائع سيارات الإسعاف، التي كانت تقل تباعا ضحايا حادثة سير مميتة، وقعت على الطريق السيار الرابط بين البئر الجديد وأزمور.

وأطلعت المريضة التي كانت تمسك في يمناها ورقة الخروج، المؤشر عليها من قبل إدارةالمستشفى(bulletin de sortie)، الحاضرين على حالتها الصحية الخطيرة، التي تستدعي الاحتفاظ بها داخل المستشفى، وإخضاعها للعناية الطبية المركزة، عوض طردها في ساعة متأخرة من الليل، دون سابق إشعار، ومن ثمة تعريض حياتها للخطر المحدق. وكانت المريضة ذات البنية الجسمانية النحيلة، ترتدي لباسا بسيطا، لم يكن ليقيها من البرد القارس، الذي كانت ترتعش بسببه، سيما أن ضبابا كثيفا كان يخيم على مدينة الجديدة. وكانت الدموع تنغمر من عينيها، بعد أن وجدت نفسها مرمية ليلا إلى الشارع، في مواجهة مصير مجهول، في مدينة ليس لها فيها لا قريب أو رحيم. لم تكن تقوى على الحركة أو الكلام. وبكلمات متلعتمة وملامح معبرة، توسلت إلى صحافي أن يمكنها من هاتفه النقال، بغية ربط الاتصال بأفراد أسرتها وذويها الذين يقطنون بتراب جماعة أحد أولاد افرج (على بعد حوالي 6 كيلومترا من الجديدة)، لطلب حضورهم، وأخذها إلى البيت.
هذا، واستنكر الحاضرون هذه الفضيحة المدوية التي هزت مشاعرهم، وحركت في أفئدتهم أحاسيس الإنسانية. ودفعتهم إلى الاتصال بالمندوب الإقليمي لوزارة الصحة العمومية، الذي كان يتواجد بمعية مسؤولين أمنيين اثنين، مدخل قسم المستعجلات (...). وإحساسا بالحرج والإحراج، أمر الممثل الإقليمي لوزير الصحة، بحضور الأمنيين رفيعي المستوى، حارسين من الأمن الخاص، بأخذ المريضة إلى داخل المستشفى. وبالموازاة، أبلغ الحاضرون لتوهم استنكارهم وتنديدهم إلى مدير المستشفى الذي كان يتواجد بدوره في عين المكان.
ومن ثمة، فإن هذه الفضيحة التي هزت قطاعا حساسا من قطاعات الدولة، والذي يهم صحة المواطنين، وحياتهم، والتي اهتز على وقعها من في قلبه ذرة من الإنسانية، تجعلنا نسائل كل من يهمه الأمر في مغرب الألفية الثالثة، عن هذه السلوكات والممارسات التي كان الاعتقاد سائدا بأنها قد ولت إلى غير رجعة. كما تجعلنا نسائل القائمين على الشأن العام المحلي بالجديدة، وعلى رأسهم السلطة الإقليمية الأولى معاد الجامعي، عن الجدوى من المركز الاستشفائي الإقليمي الذي فتح أبوابه، منذ أقل من أسبوع ... فهل تغيير البنايات التحتية والبنيات الصحية، كاف لوحده، إن لم يواكبه تغيير في عقليات وسلوكات وممارسات بعض القائمين على قطاع الصحة العمومية ؟!
فإذا كانت إدارة المستشفى لم تستحضر، لحظة طردها المريضة، التي تحمل صفة "مواطنة مغربية"، ومن رعايا جلالة الملك نصره الله، مقتضيات "النظام الداخلي للمستشفيات"، الصادر بشأنه قرار وزارة الصحة رقم : 11-456، بتاريخ : 6 يوليوز 2010، والذي تم نشره في الجريدة الرسمية رقم : 2-5923، بتاريخ : 7 مارس 2011، فلماذا لم تستحضر حتى الجانب الأخلاقي والإنساني في التعامل مع هذه المريضة، التي ألقت بها ليلا إلى الشارع ... إلى مصير مجهول، قد يعرض حياتها للخطر المحدق، خطر تأزيم حالتها الصحية المتدهورة أصلا، وخطر الاعتداء عليها، أو واغتصابها، ولربما قتلها، سيما أن المركز الاستشفائي يقع ترابيا في أطراف عاصمة دكالة، في منطقة معزولة وخلاء، يخيم عليها الظلام ليلا ؟!
هذا، وجاءت هذه الفضيحة على بعد أقل من أسبوع عن تشغيل المركز المستشفى الجديد، بعد نقل جميع الأقسام والمصالح الطبية والاختصاصات الصحية إليه، من مستشفى محمد الخامس. وبالمناسبة، فإن هذا المركز الاستشفائي شهد، في يومه الأول، حدث تخريب متعمد، أتى على زجاج نافذة. اعتداء كان بالإمكان أن يطال داخل حرم المستشفى، حتى المرضى والأطباء والممرضين والمواطنين، رغم كونه مجهزا بكاميرات رقمية متطورة.
هذا، وهاجمت القناة التلفزية الأولى بشدة، في تقرير إخباري حول حادثة سير مميتة، وقعت مساء الاثنين 23 دجنبر الجاري، وبثته خلال أخبار ظهيرة أمس الثلاثاء، إدارة المستشفى الجديد، إثر منعها الصحافة ووسائل الإعلام الوطنية من الولوج إلى المركز الاستشفائي، لإطلاع الرأي العام عن حالة المصابين، الذين بلغ عددهم 31 جريحا، ناهيك عن 6 قتلى. كما اتهم التقرير الإخباري، على لسان أحد ذوي ضحايا الحادثة، إدارة المستشفى بمنعهم من الاطمئنان على أقاربهم المصابين، بعد أن منعهم حراس الأمن الخاص، دون مبرر، من الدخول (...). كما أعرب أحدهم في تصريح على الهواء، عن استيائه من الخدمات العلاجية المقدمة (...).
ومن جهة أخرى، فإن هذه الفضيحة المدوية، التي تعتبر وصمة عار على جبين قطاع الصحة في المغرب، تزامنت مع تنظيم يوم دراسي حول واقع الصحة في إقليم الجديدة، احتضنت أشغاله عمالة الجديدة. فضيحة جاءت لتكشف بالواضح والملموس زيف الخطابات الفضفاضة والشعارات الجوفاء، التي مافتئ يتغنى بها المسؤولون، بغية إعطاء الانطباع أن واقع الصحة المتدني أصلا بالجديدة، "وردي" و"أن كل شيء مرتبط بصحة المواطنين بخير".
وبالمناسبة، نحيل كل من يهمه الأمر، بلغة الأرقام والإحصائيات، ظاهرة الوفيات التي عرفها مستشفى محمد الخامس، خلال النصف الأول من سنة 2013، والتي حطمت الرقم القياسي. إذ بلغت 325 وفاة، حصلت جلها داخل قسم الإنعاش. فيما استقبل مستودع حفظ الأموات، من تراب إقليمي الجديدة وسيدي بنور، 538 جثة برسم سنة 2011، و465 جثة برم سنة 2012. كما استقبل، خلال النصف الأول من السنة الجارية، 68 جثة من إقليم سيدي بنور، و167 جثة من إقليم الجديدة.
ومن باب المقارنة، وكذا، المفارقات المثيرة، أن المركز الاستشفائي الإقليمي بالجديدة، استقبل برسم سنة 2012، ما مجموعه 465 جثة من خارج المستشفى. فيما استقبل مستودع حفظ الأموات البلدي بآسفي، الذي يغطي بالمناسبة جهة دكالة-عبدة برمتها، 274 جثة، برسم السنة ذاتها (2012) !!
ونظرا لأرقام الوفيات المخيفة، والتي قد تولد الإحساس بأن "الداخل إلى المستشفى مفقود، والخارج منه مولود"، فإن لجنة من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، كانت حلت، السنة الجارية، بمستشفى محمد الخامس بالجديدة. حيث وقفت على حقيقة الوفيات، وعلى واقع مستودع حفظ الأموات، الذي لم تكن طاقته الاستيعابية تتعدى 20 جثة، والذي كانت جثت الموتى والقتلى تتكدس فيه أحيانا داخل "ثلاجة جماعية"، في ظروف غير إنسانية، على غرار ما حدث سنة 2002، عندما شب حريق مهول في السجن المحلي سيدي موسى، وأتت النيران على 52 معتقلا، تفحمت جثتهم !!
ولنا عودة مرتقبة إلى موضوع الوفيات والجثث، وغياب تشغيل مستودع حفظ الأموات البلدي بالجديدة، على ضوء المادة 46 من "النظام الداخلي للمستشفيات"، ومحدودية الطاقة الاستيعابية لمستودع حفظ الأموات بالمركز الاستشفائي الإقليمي الجديد، والتي لا تتعدى 12 جثة.

وبالتوقف عند المركز الاستشفائي الإقليمي من الجيل الجديد، الذي لا يتجاوز نظيره في المغرب 12 مركزا استشفائيا، فقد كان وزير الصحة العمومية الأسبق محمد الشيخ بيد الله، وضع، السبت 7 يوليوز 2007، حجر الأساس لبنائه على مساحة إجمالية تبلغ 10 هكتارات، منها 29000 مترا مربعا مغطاة. وبلغت الكلفة الإجمالية لهذا المشروع الضخم، الممول من قبل الميزانية العامة للدولة، والبنك الأوربي للاستثمار : 319.000.000 درهم، خصص منها مبلغ 162.000.000 درهم، لإنجاز الدراسات والبناء، ومبلغ 157.000.000 درهم، للتجهيز. وقد ناهزت هذه الكلفة الباهضة 400 مليون درهم.

هذا، وقد كان مقررا أن يكون هذا المستشفى جاهزا وعمليا، شهر يوليوز 2010، إلا أن ذلك تأخر بأزيد من 3 سنوات، لعدم احترام بنود دفتر التحملات، ولأمور حساسة، تداخل فيها السياسي بالانتخابي والاجتماعي و(...)، ناهيك عن إشكالية سوق الخضر بالجملة، والتي مازالت قائمة، ولا حل لها في الأفق.
وكانت لجن مركزية موفدة من وزارتي الصحة والداخلية وغيرهما، حلت في عدة مناسبات، بهذا المركز الاستشفائي. وكانت السلطات والجهات الوصية دخلت في سباق محموم مع عقارب الساعة، تحسبا لأن يتشرف الملك محمد السادس بتدشينه، على هامش زيارة جلالته، الثلاثاء فاتح أكتوبر 2013، لعاصمة دكالة. حيث أعطى انطلاقة فعاليات معرض الفرس الدولي، في دورته السادسة.
ورغم أن تشغيل المستشفى الجديد تم الخميس 19 دجنبر الجاري، فإن ذلك قد حصل دون أن يكون فعلا جاهزا على أرض الواقع، في غياب اكتمال بنيته التحتية، التي لم يتم بعد توسعتها، بسبب سوق الخضر بالجملة، والذي أبانت السلطات عن عجزها وفشلها الدريع في تدبير ملفه الشائك، واستعصاء نقله إلى تراب جماعة مولاي عبد الله، مع إيجاد حل عادل ينصف التجار، ويراع مصالحهم وحقوقهم المشروعة.

والغريب أن السلطات كانت استصدرت، أو بالأخرى أصدرت، سنة 2007، قرارا يقضي بنقل "سوق الحمراء" من مكان إقامته الأصلي بمحاذاة السجن المحلي سيدي موسى، إلى أرض خلاء، على مقربة من محطة القطار، وبعدها، أصدرت منذ أقل من 3 أسابيع، قرارا ثانيا يقضي بنقل السوق الأسبوعي، إلى تراب جماعة مولاي عبد الله. وبغية فرض الأمر الواقع، استعانت بالقوة العمومية، وبتعزيزات أمنية من مختلف التلوينات. إلا أن السلطات ذاتها فشلت في تدبير وتدبر ملف "سوق الجملة". ما بات يستدعي تدخل الجهات العليا، للحسم في المسألة التي طال أمدها، وتكاد تعصف ب"المنفعة العامة"، التي يجسدها المركز الاستشفائي.
هذا، وقد حال سوق الجملة دون توسعة المستشفى الجديد، الذي كان من المقرر أن تشمل بنايته وبنيته التحتية، تشييد مركز للأمراض النفسية والعقلية، ومركز لتصفية الدم "إيمودياليز"، ومركز لمرض السرطان، وكذا، توسعة الطريق المتفرع عن شارع خليل جبران، وجعله ذي اتجاهين، يؤدي إلى المستشفى الجديد، مرورا بمحاذاة ثكنة المخزن المتنقل 35. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الطريق الذي بات رئيسيا، ويعرف حركة سير ومرور دءوبة في اتجاه المستشفى الجديد، والسجن المحلي (...)، أصبح يشكل خطرا محدقا على سلامة مستعملي الطريق، من راجلين وسائقي الشاحنات والعربات، وسيارات الإسعاف، نظرا لضيقه، وكون منعرجين يتخللانه. ومن ثمة، وفي حال وقوع حادثة مرور أو توقف شاحنة بسبب عطب ميكانيكي، على هذا الطريق الوحيد، يتعذر على سيارات الإسعاف المرور إلى المستشفى. ما قد يعرض حياة المصابين والمسعفين للخطر. وعليه، فإن هذه الإشكالية، لا يمكن البتة حلها وتجاوزها، إلا بإقامة طريق ذي اتجاهين، بعد توسعة الطريق الأصلي، على حساب أرضية سوق الخضر بالجملة، طبقا للتصميم الطرقي المصادق عليه.

وحتى شارع خليل جبران ذي الاتجاهين، والذي يتفرع منه الشطر الطرقي المؤدي إلى المستشفى، مازالت أشغال حفره وتهيئته تعرف، ، في خرق لدفتر التحملات، تدبدبا وارتجالية من جهة الاتجاه الأيمن، المؤدي إلى كلية شعيب الدكالي. وقد بات هذا الشارع الذي يخيم عليه الظلام مساءا، والذي يعرف اكتظاظا واختناقا في حركة السير ومرور العربات، سيما الشاحنات من الحجم الكبير، (قد بات) نقطة سوداء، خلفت قتلى قضوا نحبهم إثر حوادث سير مروعة. وللاطلاع على إحصائيات الضحايا بين قتلى ومصابين، يكفي الرجوع إلى سجل مصلحة حوادث السير لدى أمن الجديدة (S.A.C.)، أو الاطلاع على سجل الوفيات لدى إدارة المستشفى.
وعلممن مصدر مطلع، أن قيادة ثكنة الوقاية المدنية بالجديدة رخصت، فيما يخصها، بتشغيل المستشفى، رغم عدم جاهزيته، ورغم عدم توسعة الشطري الطرقي المؤدي إليه، وما يشكله من أخطار محدقة على حياة المصابين والمسعفين الذين يتم نقلهم على متن سيارات الإسعاف، وكذا، رغم كون جدار "سوق الجملة" الصفيحي، يشكل عائقا في وجه سيارات نقل الموتى، التي تقصد مستودع حفظ الأموات، وكذا، الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية، التي تقصد المصالح المخصصة لها في الجهة الخلفية للمستشفى. حيث إنها (سيارات الإسعاف والشاحنات) تضطر للعودة عبر الشطر الطرقي ذاته، قبل أن تعمد إلى تغيير مسارها إلى اليسار، في اتجاه بوابة الخروج الرئيسية، مرورا بمحاذاة إدارة المستشفى، وقسمي الولادة والمستعجلات.

والطامة الكبرى أن المركز الاستشفائي أقيم بمحاذاة تجمع سكني عشوائي، يفتقر إلى البنيات التحتية الأساسية، وفي طليعتها قنوات الصرف الصحي. حيث يتخلص السكان من سوائلهم الملوثة و(...)، في مجار سطحية تمر عبر الأزقة، لتصب في اتجاه سور المستشفى، مشكلة بذلك مستنقعات، تنبعث منها روائح كريهة، ومرتعا لتكاصر الحشرات والجرذان وغيرها، التي توجد قاعات العلاج، في مرماها.

ومن الجهة الأخرى، فإن المستشفى يتخبط في مستنقع "سوق الجملة"، الذي يحاصره بنفاياته وأزباله، و"أرمدة" صناديقه الخشبية، وروائحه الكريهة، التي تهدد صحة المرضى الذين يخضعون للتطبيب داخل قاعات العلاج. ناهيك عن الجرذان التي تشكل خطرا على صحة المرضى، وعلى سلامة الأسلاك الكهربائية والإلكترونية، وغيرها من المعدات الحساسة، التي تمر تحت الأرض (...). ناهيك عن الفوضى والضوضاء التي يحدثها تجار وباعة الخضر، وشاحناتهم وعرباتهم، في الساعات الأولى من الصباح. ما يزعج راحة المرضى، وينعكس سلبا على نفسيتهم وحالتهم الصحية. كما أن بناية السوق المتآكلة، وجداره الصفيحية تشوه جمالية المستشفى، الذي شيد بمواصفات ومعايير صحية دولية، وكلف بناؤه حوالي 400 مليون درهم.
وتحسبا لزيارة ملكية مباغتة، فإن السلطات عمدت إلى تشييد جدار بارتفاع يناهز 4 أمتار، وطول يناهز 60 مترا، وكذا، طلائه بصباغة بيضاء، همت فقط الجهة الداخلية التي تطل على فضاء المستشفى، واستثنت في ذلك الجهة الخلفية التي تطل على فضاء سوق الجملة، والتي ظلت تحتفظ بلونها الأصلي، لون "الياجور" الإسمنتي الذي بنيت به.

وقد تم تشييد هذا الجدار من خارج الميزانية المخصصة لبناء المركز الاستشفائي. حيث إن الغرض منه يكمن في التمويه، وحجب الرؤية، والتكتم على معضلة "سوق الجملة" الشائكة. وشبه أحدهم هذا الجدار، من باب السخرية والتهكم، ب "جدار برلين"، الذي كان يفصل بين الألمانيتين، ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية. فيما شبهه آخر ب"جدار الفصل العنصري"، الذي كان يفصل الأحياء الراقية في بريتوريا بأفريقيا الجنوبية، و"الكيطوات" (Les ghettos). المخصصة للسود.
هذا، ويجب أن يعلم بالمناسبة مسؤولونا وسلطاتنا، وأن لا يستبعدوا إمكانية أن يقوم الاتحاد الأوربي الذي ساهم، من خلال البنك الأوربي للاستثمار، في ميزانية بناء مستشفى الجديدة من الجيل الجديد، بإنتاج فيلم وثائقي عن هذه المعلمة الصحية الضخمة ... حيث إن التصوير لن يقتصر، في حال إذا ما تم، على الفضاء الداخلي للمركز الاستشفائي، بل ستصل عدسات الكاميرات الرقمية جد المتطورة، إلى خارج أسواره ... إلى الأزبال التي يتخبط في مستنقعها، وإلى الجرذان والحشرات التي توجد في حالة تأهب قصوى للهجوم على قاعات العلاج (...). ولنتصور أن تعمد دول الاتحاد الأوربي إلى بث هذا الشريط الوثائقي – الفضيحة، على قنواتها الفضائية ... فإن المغرب سيصبح مهزلة في العالم.
إن هذه الحقائق التي نجهر بفضحها ليس من باب النظرة السوداوية، أو التشفي، وإنما بدافع الغيرة على مغربنا العزيز، لا ولن تشرف أن يقوم صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، بتدشين المركز الاستشفائي الإقليمي بالجديدة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.