استفسارات المواطنين عن طبيعة الخدمات وعن آفة الرشوة بالمركز الصحى، بمدينة سوق السبت، ليس وليد الصدفة ،بقدر ماهو نِتاج لتساؤلاتٍ مشروعة.، شكلت موضوع احتجاجاتٍ واسعة ووقفاتٍ تنديديةٍ لهيئاتٍ حقوقيةٍ وجمعويةٍ، خاصة منها حركة 20فبراير والفرع المحلى للجمعية المغربية لحقوق الانسان .. تساؤلات لامست الوضعية المأساوية التى يعيشها المركز، والتى يتجرَّع مرارَتَها المواطنون ..وارتبطت بمشاكل لا حصر لها يمكن اختزالها فى ضعف التجهيزات والمعدات وقلة الأطر البشرية ،وبتردِّى الخدمات المُقدَّمة للمرضى، الذين ينتمون الى الطبقات الفقيرة التى لا تتوفر على تغطية صحية وتلجأ على اساس ذلك الى هذه المراكز العمومية بُغْيَةَ تلقى علاج اقل تكلفة. والحديث هنا عن طبيعة الخدمات الصحية بهذا المركز ،لا يشكل،فى اعتقادنا، استثناءاً عما تعانيه مختلف المرافق الصحية بالجهة، خاصة منها القروية حيث ينتشر العوز الإقتصادى والاجتماعى بمختلف تجلِّياته كالفقر والأمية، اللذان غالبا ما يُشكلان اساس استفحال مجموعة من الظواهر المرضية ، وعلى رأسها ظاهرة الرشوة.، لأن الإنسان المقهور، بطبيعته وطبْعه، وضُعف امكاناته المادية، وعدم قدرته على تحمل أعباء المستشفيات الكبرى ماديا وروحيا ، يبحث دائما عن الحل الأبسط والأسرع لمعالجة مشاكله ،ولذلك نجد أغلب انتماءاته الفئوية، هى الأكثر تعاطيا للرشوة من غيرها ،إما لأنها تكون لقمة سائغة للمرتشين بحكم طبيعة وعيها بثقافة المجتمع وبالتدابير الإجرائية التى يسعى المجتمع المدنى الى تفعيلها، او لأنها تخاف من قهر الزمان! وعنف الإدارة ك"إرث" حاضرٍِ فى لا وعيها،مند سنوات الإقصاء، بالقوة لا بالفعل.. ولأجل ذلك ايضا ، نجد ان طروحات عدة، حاولت ان" تُلَفِّقَ" سبب وجود هذه الظاهرة للمواطن نفسه، وليس للمستفدين منها،دون البحث عن أبعاد الأزمة وخلفياتها ، مُعتمدة فى ابحاثها وبرؤية تنقائية، على بعض الإحصائيات التى اصدرتها الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة ، والتى تكفل بها مكتب الدراسات "مزار" الذى اشار الى ان 23% من المُسْتجوبين اعترفوا بانهم كانوا مصدراً للرشوة، بل ان منهم من كان من المبادرين لتقديمها، وان معدل إدانة الظاهرة لم يتجاوز 1%، وان 93% يفضلون إغلاق أعينهم والسماح بتداولها.. وأرجعت الدراسة هذه السلبية فى إدانة الرشوة الى كون المستجوبين لا يريدون الوقوع فى المشاكل ، ويروْن انه لا جدوى من الإدانة اذا كان المسؤولون لا يُعاقِبون عليها ..وهو الطرح نفسه، التى حاولت الجهات المعنية بقطاع الصحة تقديمه كوصفة جاهزة لتبرير مظاهر الفساد ، مُعثبرة ذلك، "اشكالا" يحتاج الى دراسات وابحاث انتربولوجية لطبيعة السلوك البشرى. ،لكن واقع الحال ينْطِق بما هو خارج نطاق هذه الإشكالية ،اذ تُشير أستفساراتنا- حول هذه الظاهرة، لِعَيِّنة من المواطنات ب"دار الولادة"، بالمركز الصحى المحلى، على أن طرائق الابتزاز اختلفت باختلاف أوجه تحليلات مسؤولينا.. وبالرغم من ذلك ،لابد من الاشارة الى ان من يسعى الى الحديث عن مستوى الخدمات وعن آفة الرشوة بهذا المركز الصحى قد يبدو مجانبا للصواب ،لأن أى حديث يروم المصداقية يقتضى مساءلة الجوانب الايجابية والسلبية للموضوع وحديثنا لم يجد الا السلبيات ،فالانتهاكات الخدماتية جد واسعة ، وآفة الرشوة أمست ملازمة لأى اجراء طبى، وفيروسها انتشر بين كافة اعضاء الطاقم الصحى، باستثناء الطبيب الرئيسى وممرضين على حد شهادة المُسْتجوبين. تقول (م.ع):"انا خاصْنى غير نقضى حاجتى وامَّا الرشوة فهى فى كل بلاصة ، فين مامشيتى تعطى، وهادشى معوّلين عليه لأننا من اول زيارة لينا منذ 5سنوات واحنا كنعطيوا للى قسّم الله ،مرّة 20درهم،ومرة50 درهم، ومرة تتوصل حتى200درهم إذا كانت المرأة عندها الولدة الاولى...." اما السيدة(ف)فلها رأى أخر تقول" هادشى بزاف علينا اولدى،حنا قتلنا المرض والدوا ،وهاذ الناس تيزيدو إمرضونا ،انا واقفة هنا من 7الصباح وهاهى 11 ومازال ماوصلتنى النوبة، ولكن انا عارفة راه للى كيعطى، تيديرو ليه السبب باش ادخل . اما السيد( جمال.م) الذى جاء ليأخد زوجته من قاعة الولادة فقد أكد لنا، أنه اعطى 200 درهم واعتبر ذلك امرٍاً عاديا مادام الكل يعرف ان هذه هى الطريقة التى تجرى بها الأمور هنا ،وانه بالنسبة له هذه ابسط الطرق وأقصرها، بما أنه لا يرغب فى ترك اشغاله والتوجه الى المستشفى الاقليمى لان ذلك لن يزيد عنه الا المصاريف. وعن سؤالنا عن مدى قدرته بإدلاء شهادة مسجلة حول الموضوع قال لنا بالحرف "انا هارب من المشاكل وانتما تبحثون لى عنها وبضحكة مُنرْفزة قال " حتى دابا انا معطيت ماشفت". بعد هذا التدخل، حاولنا توجيه النقاش الى موضوع الخدمات بالمركز وتبين لنا بعد الإنصات الى بعض الأمهات ، ان الوضع كارثى بمعنى الكلمة ..فالمركز اضافة الى صغر حجمه، يفتقر الى ابسط ظروف الولادة : أدوية شبه مفقودة..، أَسِرّة قليلة واغلبها بدون أغطية ولا تكفى لإحتضان كافة النساء، فالكثير من الحالات ،وفق بعض التصريحات،يفترشن الارض وهو مايلزم مِنْهن استحضار كافة لوازم المبيت تقول الحاجة(ر) "اليوم راه العدد قليل ،لو حضرتوا فى نهار آخر ،غادى توجْدوا النساء ناعسين على الارض..راه واخا تعطى للى اعطيتى .هُما مايْهَمْهُم غير الولادة فقط.." ليبقى السؤال اذن ،أين نحن من مخطط "الإستراتيجية الوطنية" لتخليق قطاع الصحة(2008-2012) التى حدد اجراءات واضحة وملموسةوالتى ندكر منها مثلا: تحسين استقبال المرضى بالمرافق الصحية وتحسين الاداء والخدمات وتطوير الحكامة وتنمية الشفافية وتحسين تدبير الموارد البشرية؟وماموقع هذا المركز فى أجِنْدةِ اللجنة الوزارية التى كلفتها الوزارة المعنية لتتبع هذا المخطط وتنفيده واصلاح الاختلالات والعوائق؟؟