وأخيرا قال وزير الداخلية أن الوقت ملائم للحديث عن مشروع قانون الأحزاب السياسية. قانون سعت بعض الأحزاب التي تعتبر نفسها كبيرة إلى التاعجيل بإقراره من قبل فلم تفلح. فماذا سيضيف هذا القانون الجديد؟ وهل بإمكانه أن يكون وصفة سحرية للنهوض بالعمل السياسي والحزبي النبيل؟ هل يعيد لأحزابنا حيويتها وشبابها وتنافسها في تأطير المواطنين وتربيتهم تربية سياسية جيدة؟ أم ستبقى كما كانت من قبل دكاكين وحوانيت كما يصفها بعض الخبراء، أو زوايا سياسية كما وصفها خبراء آخرون؟ لكن هل الأحزاب السياسية وحدها المسؤولة عما أصابها حتى تحتاج وحدها لقانون جديد؟ ولماذا لا نلقي اللوم كل اللوم، والمسؤولية كل المسؤولية على التربية السياسية العامة التي يتم تداولها عبر قنوات عدة؟ ومهما يكن فإن إعادة الاعتبار للعمل السياسي والحزبي واسترجاع الثقة به يمر عبر إعادة تأهيل شامل تعتبر المؤسسة الحزبية فصلا من فصولها وجزئية من جزئياتها، وإلا فإن العاقبة ستكون سلبية على الجميع. فالتربية السياسية خلق رفيع أولا، والالتزام صادق ثانيا، وتضحية مستمرة بالمصالح الشخصية والفئوية والحزبية من أجل المصلحة العليا للوطن والمواطنين. لمزيد من التوسع والفهم تقترح عليكم "التجديد" هذا الملف الأسبوعي الخاص عن مشروع قانون الأحزاب الجديد. مشروع دار وسيدور حوله كلام طويل. بعد طول انتظار، صرح مصطفى الساهل وزير الداخلية تحت قبة البرلمان في الأسبوع الأخير من شهر ماي المنصرم أن الوقت أصبح على ما يبدو ملائما لطرح مشروع قانون الأحزاب وفتح باب المشاورات والتحاور في شأنه مع الجهات المعنية وخاصة الأحزاب السياسية بقصد الاطلاع على آرائها واقتراحاتها بخصوص المشروع لكي تتم إحالته على الحكومة في أقرب الآجال قبل أن يعرض على أنظار البرلمان. إلا أن بعض الأحزاب السياسية التي تعتبر نفسها كبيرة والتي طالبت بتعجيل طرح المشروع المذكور تفضل الحسم فيه داخل المؤسسة التشريعية. فكيف جاءت فكرة وضع قانون خاص بالأحزاب السياسية؟ وماهي أسباب تأخير طرحه على الحكومة والبرلمان؟ لماذا يسعى البعض إلى الحسم في مشروع قانون الأحزاب داخل القبة البرلمانية؟ وهل سيستطيع المشروع في حال تحوله لقانون تأهيل الحقل الحزبي ورد الاعتبار للعمل السياسي في البلد؟ الملك يطالب بالإصلاح الحزبي جاء مشروع قانون خاص بتأسيس الأحزاب السياسية ليتجاوز القانون المنظم لحق تأسيس الجمعيات المؤرخ ب15نوفمبر,1958 استجابة لإرادة جلالة الملك محمد السادس في إعادة الاعتبار للعمل السياسي، وهي الإرادة التي تجلت بوضوح في أكثر من خطاب، حيث أكد جلالته على ضرورة قيام الأحزاب السياسية بإصلاح ذاتها والاضطلاع الفعلي بدورها التأطيري، داعيا أكثر من مرة إلى إقرار قانون خاص بها قائلا: إن انشغالنا الصادق بإعادة الاعتبار للعمل السياسي بمعناه النبيل يجعلنا نجدد التأكيد على وجوب التعجيل بإقرار قانون خاص للأحزاب ، خاصة بعدما أظهرت الانتخابات الأخيرة استهتارا كبيرا بقواعد العمل السياسي وكشفت عمق أزمة جل الأحزاب السياسية واتساع الهوة بينها وبين المواطنين من خلال الإقبال الضعيف على صناديق الاقتراع، فضلا عن الشيخوخة التي زحفت على جل الأحزاب وتكلس شرايينها. وقد حبذ الكل الفكرة وباركها، وسارعت وزارة حقوق الإنسان يومها -أواخر اكتوبر2001 إلى إعداد مسودة مشروع قانون في الموضوع، جعلت من وظائف الحزب السياسي العمل والمساهمة في تكوين الإرادة السياسية للمواطن. لكن حكومة اليوسفي يومها تبنت مشروعا آخر أعدته وزارة الداخلية لا يفرق بين الحزب السياسي والنقابة والجماعات المحلية في كونها مجرد وسيط وممثل للمواطنين ومؤطر لهم. تأخير طرح المشروع سلمت وزارة الداخلية في الشهور الأخيرة من عمر حكومة التناوب مسودة من مشروع القانون الخاص بتأسيس الأحزاب السياسية وتنظيمها إلى كل الهيئات السياسية لتستجلي آراءهم وتتعرف على ملاحظاتهم وانتقاداتهم وكذلك اقتراحاتهم، لكن الانتقادات الحادة التي قوبل بها المشروع من طرف بعض الأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية من جهة ومصادفة طرح المشروع من الناحية الزمنية انشغال الحكومة بالإعداد لإجراء مجموعة من الاستحقاقات الانتخابية التي عرفها المغرب انطلاقا من انتخابات27 شتنبر دفعت الحكومة لسحبه. ويعود رفض بعض الأحزاب والتوجهات السياسية لبعض مقتضيات مشروع القانون الخاص بتأسيس الأحزاب السياسية لكونها تعتبره بمثابة سيف مسلط على رقابها خاصة في اللحظات التي قد يشتد فيها ما يسمونه بالصراع الطبقي أو السياسي ، فهو في نظرها سلاح يستهدفها لكن بطريقة تلبس معطف القانونية والشرعية، مؤكدة في الوقت نفسه على أن المشروع ينفي حقوق المواطنة ويتناقض مع مبادئ حقوق الإنسان ويشرعن الضبط الأمني للأحزاب السياسية ومكون على مقاسات التشيكلات السياسية الكبرى، بدليل اشتراطه في التصريح بالحزب 1000 توقيع و3000 مندوب للمؤتمر التاسيسي. بل إن النقيب عبد الرحمان عمرو ذهب إلى أن مجرد سهر وزارة الداخلية على إعداد المشروع المذكور كاف للحكم عليه. بالمقابل ترى الأحزاب الكبيرة على أن مشروع القانون الخاص الأحزاب معقول وضروري لكبح حالة الفوضى الحزبية ومعمول به في معظم بلدان العالم. وتتشوف الأحزاب التي تعتبر نفسها كبيرة لطرح المشروع لدرجة طرح افتتاحية الجريدة الناطقة باسم أحدهم لسؤال: أينك يا قانون الأحزاب؟ تحت هاجس الحد من الشتات الحزبي الذي شتتت نتائج الانتخابات وأضعف ثقة المواطنين في الأحزاب لكثرتها وتشابه إنشاءاتها عفوا برامجها وشعاراتها. كيف نحسم في مشروع قانون الأحزاب؟ الآن وبعد أن أصبحت الظروف مواتية لطرح مشروع القانون الخاص بالأحزاب السياسية وتأكيد كل الأحزاب السياسية على التعجيل بأهميته وضرورة إعادة النظر في التسيير الداخلي للأحزاب السياسية وضرورة الاحتكام لأساليب الديمقراطية في إدارة الشان الحزبي الداخلي والتداول على المسؤوليات وانتخاب الأجهزة ، وبالتالي إعادة هيكلة المشهد السياسي المغرب بشكل يعيد للعمل الحزبي والسياسي رمزيته وقيمته لدى المواطنين. بعد هذا يطرح السؤال كيف نحسم في المشروع ونصل إلى اعتماد وإقرار قانون يحظى بإ جماع الفاعلين السياسيين خاصة وأنه يكتسي بعدا تأسيسيا ومستقبليا. مصطفى الساهل وزير الداخلية -من جهته- أكد في جلسة عمومية بمجلس النواب في الأسبوع الأخير من شهرماي المنصرم على تشبث وزارته بضرورة التشاور والتحاور حول المشروع مع كل المعنيين بقصد الاستفادة من القيمة المضافة التي ستترتب عن هذه المشاورات قبل عرضه على الحكومة وإحالته على البرلمان. ربما حرصا منها على توفير شروط تحقيق إجماع أو شبهه حوله مشروع قانون الأحزاب. بالمقابل طالب رئيس الفريق الاشتركي على سبيل المثال -في الجلسة نفسها- بالحسم في الموضوع داخل المؤسسة التشريعية، مشيرا إلى أن الحرص على تحقيق الإجماع والتوافق حوله قد يؤخر طرحه وبالتالي إقراره. طلب الفريق الاشتراكي، الذي نظم بتنسيق مع المعهد الديمقراطي الوطني، أياما دراسية بمراكش أيام و8 و9 من شهر ماي ,2004 حول مشروع قانون الأحزاب السياسية، يوافق بالتأكيد هوى حزب آخر أو أكثر يكشف برأي محمد ضريف الخبير بالمشهد الحزبي المغربي رغبة الأحزاب التي تعتبر نفسها كبيرة في التحكم في الحقل الحزبي وفي إنتاج النخب الحزبية في المغرب، من خلال وضع مجموعة من الشروط لاتتلاءم إلا مع الأحزاب القوية أو الكبيرة رغم أن مفهوم الحزب الكبير أصبح موضع سؤال خاصة بعد اقتراع 27 شتنبر.2002 مع العلم أن الكل يعرف أنه لا يتم الحسم في كثير من المواضيع ولا تؤخذ كثير من القرارات داخل المؤسسة التشريعية، على اعتبار أن هناك قنوات وهيئات عديدة غير موجودة بالبرلمان لها هي الأخرى تمثيلية محترمة ومقدرة. يجب أن يؤخذ برأيها ويستمع له، وحيث أن الأمر يتعلق بمشروع قانون ينظم الأحزاب السياسية، فإن توسيع مجال الاستشارة والنقاش بين كل القوى المعنية كانت ممثلة بالبرلمان أم غير ممثلة يبقى أمرا ضروريا. الحاجة إلى المصداقية مبدئيا يأمل الكثير من القانون الخاص بالأحزاب السياسية أن يهيكل المشهد الحزبي المغربي ويحد من التضخم السرطاني في الذات الحزبية، وبالتالي انصراف الأحزاب السياسية لتأطير المواطنين سياسيا وإعداد الكفاءات القادرة على تحمل مسؤولية تدبير الشان العام وإبداع الحلول. ويرى ميلود بلقاضي المختص في تحليل الخطاب السياسي أنه من شأن القانون نظريا أن يسهم في رد الاعتبار للمشروع للعمل السياسي من خلال حرصه على تحقيق ستة أهداف 1. تأهيل العمل الحزبي المغربي وخلق مشهد حزبي تتساوى فيه الفرص وتتجدد بموجبه النخب ويتقوى الالتزام الأخلاقي في العمل النضالي والسياسي. 2. ترسيخ الديمقراطية الداخلية واعتماد التسيير الحزبي المعقلن والناجع. 3. تقوية الدور التأطيري للأحزاب السياسية ليسمح بدوره وبشكل آلي بتقوية الدور التمثيلي للعمل الحزبي. 4. استهداف العمل الحزبي لتطوير تسيير الشأن العام وتطبيق البرامج بدل الصراع على المناصب فقط. 5. التأكيد على مبدأ التعددية السياسية وحرية تأسيس الأحزاب وفق وظائف وأهداف واضحة. 6. إخضاع العمل الحزبي للقانون وضوابطه في التأسيس والتوقيف والحل، وكذا لأنظمة أساسية وتأسيسية ذات العلاقة بالتسيير والتنظيم والتمويل. غير أن كل ما سبق سيبقى مجرد حلم إذا لم تتغير العقلية الحزبية التي عمرت لفترة طويلة، وإذا لم تتم عملية تشبيب حقيقية للأحزاب السياسية المغربية التي يوجد على رأس أغلبها قيادات هرمة شائخة من الناحية العمرية والفكرية. ويؤكد أكثر من مهتم ومتابع على أن القانون المذكور قد يكون له دور في تغيير واقع العمل السياسي من سوق متخلف للسمسرة والمتاجرة الانتخابية إلى مدرسة للأخلاق والبذل والمواطنة الحقة لكنه يبقى عديم الجدوى إذا لم تعززه ثورة فكرية تهز أركان العقلية الحزبية المتحجرة، وحملة تشبيبية داخل الأحزاب السياسية نفسها. وباختصار إذا لم تحول نخبة هذه الأخيرة الكثير من خطبها ووعودها بالحداثة والتحديث ، بالديمقراطية والتداول على السلطة إلى سلوك يومي معاش، ومجسد داخل مقراتها وفي لقاءاتها ومؤتمراتها المحلية والإقليمية والوطنية، مصداقا للآية الكريمةإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وذلك لأن طبيعة النخبة الحزبية في المغرب تعد أحد المفاتيح المهمة لفهم مصادر العطب في مسار الأحزاب المغربية ومآلها، كما يقول امحمد مالكي، مدير مركز الدراسات الدستورية والسياسية بكلية الحقوق-جامعة القاضي عياض بمراكش- خاصة وأن النخبة تحتل مكانة خاصة في صياغة استراتيجية العمل الحزبي وتنشيط مؤسساته، فأهمية الحزب تقاس بمدى قدرته على توسيع دائرة التعبير عن مطالب الناس وانتظاراتهم، وبحدود كفاءته في إنجاز مهام الوساطة بين مناضليه ومؤسسات المجتمع السياسي، والقدرة على تجديد القيادات، إضافة إلى الأدوار المنوطة به في مجالات التأطير والتعبئة والتربية وفي غياب ذلك لايمكن ان نتكلم عن حزب سياسي فاعل . خلاصة إن إفراد الأحزاب السياسية بقانون خاص أمر في غاية الأهمية على صعيد اكثر من مستوى ، لكن مسودة مشروع القانون الخاص بها سيلقى بكل تأكيد معارضة قوية وخاصة فيما يتعلق باشتراط 1000 عضو أثناء التأسيس المطلوب من ربعهم أن يكون مارس انتدابا انتخابيا أو يمارسه ساعة التقدم بطلب الترخيص، أو فيما يخص ربط استمرارية الاعتراف القانوني بالحزب بمشاركته في الانتخابات. الأمر الذي يستدعي من الفاعلين السياسيين وكل المعنيين استحضار المقاصد الكبرى المتفق حولها والتي يراد تكريسها من خلال المشروع المذكور، والعمل على بلورتها في نصوص ومواد واضحة تحضى بالإجماع بعيدا عن ثنائية الأغلبية والمعارضة، لأن الأمر يتعلق بالتقعيد والتقنين لشروط العمل الحزبي وبالتالي إعادة الاعتبار والمصداقية للعمل السياسي والمشاركة في الحياة العامة وليس بمشروع ميزانية لا يتجاوز عمرها سنة. محمد عيادي اقرأ أيضا محمد ضريف أستاذ العلوم السياسية لالتجديد":جل القيادات الحزبية المغربية مطالبة بالتقاعد السياسي