رئيس كولومبيا يتخبط أمام ترامب    حريق جزئي في بناية 'دار النيابة' التاريخية بطنجة بسبب تماس كهربائي    انفجار نفق بسد المختار السوسي بضواحي تارودانت.. بعد مرور أكثر من 12 ساعة من الحادث لا زال 5 عمال مفقودين    نشرة إنذارية: هبات رياح محليا قوية من 70 إلى 95 كلم/س بعدد من أقاليم الشمال    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الاثنين    تأني الفتح يغلب استعجال الرجاء    نادي الشارقة الإماراتي يعلن تعاقده مع اللاعب المغربي عادل تاعرابت    السنغال تبدأ تنفيذ مشروع أنبوب الغاز الرابط بين المغرب ونيجيريا    العيون تُعلن عاصمة للمجتمع المدني المغربي لسنة 2025    الكاف: أكثر من 90 بلدا سيتابعون قرعة كأس أمم إفريقيا بالمغرب    جريمة تهز وزان: مقتل سيدة وإصابة شقيقتها في اعتداء دموي بالسلاح الأبيض    الشرقاوي حبوب: تفكيك خلية إرهابية بمنطقة حد السوالم يندرج في إطار الجهود المبذولة للتصدي للخطر الإرهابي    الدورة 35 لماراطون مراكش الدولي: العداء الكيني ألفونس كيغين كيبووت والإثيوبية تيرفي تسيغاي يفوزان باللقب    المغرب يحقق سابقة تاريخية في كأس إفريقيا.. معسكرات تدريبية فاخرة لكل منتخب مشارك    وزارة التربية الوطنية تكشف خلاصات لقاءات العمل المشترك مع النقابات التعليمية    إحباط تهريب 200 كيلوغرام من الحشيش بميناء سبتة المحتلة    الملك محمد السادس يهنئ الحاكمة العامة لكومنولث أستراليا بمناسبة العيد الوطني لبلادها    تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية ومرفوضة فلسطينيا وعربيا.. ترامب يقترح ترحيل الفلسطينيين من غزة إلى الدول العربية المجاورة    تراجع للدرهم أمام الأورو.. و4% نمو سنوي في الاحتياطيات    هذه خطة المغرب لتعزيز شراكته الاقتصادية مع الصين وتقليص العجز التجاري    المفوضية الأوروبية: الاتفاقيات الجوية بين المغرب والاتحاد الأوروبي لا تشمل الصحراء    تقرير: المغرب يواجه عام 2025 بتطلعات متفائلة مدعومة بالتعاون الاقتصادي مع الخليج وأوروبا    الشرقاوي: تفكيك الخلية الإرهابية بحد السوالم يندرج في إطار التصدي للخطر الإرهابي    غرق بحار ونجاة أربعة آخرين بعد انقلاب قارب صيد بساحل العرائش    وزارة الصحة تعلن عن الإجراءات الصحية الجديدة لأداء مناسك العمرة    15 قتيلا بنيران إسرائيل بجنوب لبنان    "كاف": الركراكي مطالب بالتتويج    ريدوان وحاتم عمور وجيمس طاقم تنشيط حفل قرعة كأس أمم إفريقيا    بعد نجاحه مع نشيد ريال مدريد.. ريدوان يستعد لإطلاق أغنية خاصة ب"أسود الأطلس"    تفكيك "شبكة حريڭ" باستخدام عقود عمل مزورة    كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم: الكشف عن الشعار الرسمي للبطولة    تفشي مرض الحصبة في المغرب.. الوضع يتفاقم والسلطات تتحرك لمواجهة اتساع رقعة انتشاره    وزارة التجهيز والماء تطلق ورشات تشاورية لتثمين الملك العمومي البحري    تدشين وإطلاق عدة مشاريع للتنمية الفلاحية والقروية بإقليم شفشاون    الطماطم المغربية تغزو الأسواق الأوروبية أمام تراجع إسبانيا وهولندا    جمعوية: الكلاب المتخلى عنها الأخطر على المواطنين مقارنة بالضالة    أساتذة "الزنزانة 10" يحتجون بالرباط‬    المغرب حاضر بقوة في المعرض الدولي للسياحة في مدريد    رحلة مؤثر بريطاني شهير اكتشف سحر المغرب وأعلن إسلامه    شبكة صحية تنتقد الفشل في التصدي ل"بوحمرون" وتدعو لإعلان حالة طوارئ صحية    المحكمة الكورية ترفض طلب تمديد اعتقال الرئيس المعزول    الجزائر تتجه نحو "القطيعة" مع الفرنسية.. مشروع قانون لإلغائها من الجريدة الرسمية    الصين: ارتفاع الإيرادات المالية بنسبة 1,3 بالمائة في 2024    أخنوش أصبح يتحرك في المجالات الملكية مستبقا انتخابات 2026.. (صور)    معرض القاهرة الدولي للكتاب .. حضور وازن للشاعر والإعلامي المغربي سعيد كوبريت في أمسية شعرية دولية    لقاء ينبش في ذاكرة ابن الموقت    الولايات المتحدة.. طائرات عسكرية لنقل المهاجرين المرحلين    الخارجية الأمريكية تقرر حظر رفع علم المثليين في السفارات والمباني الحكومية    القنصلية العامة للمملكة بمدريد تحتفل برأس السنة الامازيغية    هوية بصرية جديدة و برنامج ثقافي و فني لشهر فبراير 2025    وزارة الصحة تعلن عن الإجراءات الصحية الجديدة لأداء مناسك العمرة    من العروي إلى مصر :كتاب "العناد" في معرض القاهرة الدولي    فعاليات فنية وثقافية في بني عمارت تحتفل بمناسبة السنة الأمازيغية 2975    غياب لقاح المينانجيت في الصيدليات يعرقل سفرالمغاربة لأداء العمرة    أرسلان: الاتفاقيات الدولية في مجال الأسرة مقبولة ما لم تخالف أصول الإسلام    المجلس العلمي المحلي لإقليم الناظور يواصل برامجه التكوينية للحجاج والمعتمرين    ثمود هوليود: أنطولوجيا النار والتطهير    الأمازيغية :اللغة الأم….«أسكاس امباركي»    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المراجعات الفكرية للجماعة الإسلامية في مصر
نشر في التجديد يوم 14 - 07 - 2002


تمهيد
يبدو أن الأمر قد بات مهيئا لنقلة نوعية وجذرية فيما يتعلق بالجماعة الإسلامية المصرية سواء في العلاقة بينها وبين الدولة أو في بنيتها الفكرية وعلاقتها بالمجتمع الذي تعيش فيه. فمنذ دخول السجن بعد عام81 توصل القادة التاريخيون للجماعة الإسلامية المصرية إلى أن الخط الفكري الذي سلكوه كانت نهايته: المأزق, وطرح سؤال: هل من سبيل؟ وكان أول من بادروا بالحديث عن هذه الأخ كرم زهدي, وطرح المراجعات الفكرية على جميع القادة التاريخيين, وظلت المناقشات طوال15 عاما, وكانت العملية تسير ببطء شديد, وتواصلت الحوارات والأبحاث حتى أطلقت مبادرة وقف العنف في يوليوز عام97. ثم سلسلة المراجعات الفكرية التي حدثت وتم تتويجها بنشرها في أربعة كتب وتداولها على نطاق واسع في مصر والعالم العربي.
فكيف جاءت هذه المبادرة ؟ وماهي أسبابها ؟ وماذا قالت الجماعة الإسلامية في هذه المراجعات؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذه الحلقة، على أن نتطرق إلى تفاعلات مكونات المجتمع المصري والدولة مع المراجعات في حلقة أخرى.
تكوين الجماعة الإسلامية
يرجع قادة الجماعة الإسلامية المصرية، سبب تأسيس الجماعة في بداية السبعينات إلى عدم الالتزام الديني لجماعة الاخوان المسلمين المحظورة.
ولهذا يقول المهندس حمدي عبدالرحمن باعتباره واحدا من قادة الجماعة الإسلامية, والذي أفرج عنه أخيرا, وهو يحتل الآن عضوية مجلس شورى الجماعة القيادة التاريخية، في حوار له مع موقع إسلام أون لاين : كنا ندعو الطلبة في كليات اسيوط ونلتقي معهم في ظل رغبة لعمل حاجة مستقلة عن جماعة الاخوان لوجود تحفظات واعتراضات لنا عليهم... كانوا يكثرون من الكلام عن التعذيب والمحن وكأن هذه هي الدعوة الاسلامية، وكان لديهم تقديس زائد للشيح حسن البنا مؤسس الجماعة وجعلوا كلامه لا يقبل المراجعة، كما كان لديهم بعض التسيب في أمور دينية وكان اهتمامهم مركزاً على ضم الاشخاص دون ضوابط.
بدأ تكوين الجماعة الاسلامية عبر لقاءات في جامعة المنيا وجامعة القاهرة وبدأت الفكرة تنشر في باقي الجامعات، ضمت الشيخ صلاح هاشم، وكرم زهدي، واسامة حافظ، ومحمد شوقي الاسلامبولي وتلا ذلك بفترة انضمام ناجح ابراهيم وعاصم عبد الماجد وعصام دربالة.
وهكذا جاء تكوين الجماعة بهدف دعوي في محاولة لاعادة الثوابت التي تخلى عنها الاخوان أو غيرهم من الجماعات الاسلامية. فلماذا تحول هذا الفكر الدعوي بعد ذلك ليصبح فكر عنف ويمتد إلى اغتيال السادات؟
أسباب التحول إلى العنف
يتفق جل المحللين على أن اندلاع شرارة العنف في مصر راجع بالأساس إلى الإحتقان السياسي الذي تعرفه البلاد، بالإضافة إلى الفساد، والفقر والجهل بالفهم الصحيح للدين.
وكان من أكبر محفزاته التعامل الأمني مع المسألة، سواء في منع تأسيس الجمعيات أو الأحزاب، حيث اعتبر تصدي الأمن لبعض مؤتمرات التي كانت تعقدها الجماعة الإسلامية السبب في تصعيد الصدامات والمواجهات، وأمام الضعف الذي شعرت به الجماعة ظهرت فكرة الحصول على شكل من أشكال القوه كعملية ردع وحماية للدعوة، وكانت تهدف فقط تخفيف محاولات التضييق التي بدأت تمارس ضد الجماعة. ومن هنا تطورت الأمور ثم وقعت أحداث سبتمبر في مصر ونفذت عملية اغتيال السادات بعد ذلك.
مبادرة وقف العنف
في الخامس من يوليوز عام 1997، أثناء نظر القضية رقم " 235 عسكرية " ألقى أحد المتهمين، وهو محمد عبدالعليم، بيانا مذيلا بتوقيع القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية يدعو فيه الي وقف العمليات المسلحة كافة والتحريض عليها داخل وخارج مصر حقنا للدماء، وشكل البيان مفاجأة للكثيرين خارج وداخل الجماعة، وتباينت المواقف بين مؤيد ومعارض ومشكك.
وهذا يفند الإتهام الموجه للمبادرة على أنها جاءت تحت ضغوطات تفجيرات 11 سبتمبر، وما أعقابها من هجمة شرسة على الإسلام بصفة عامة والحركات الإسلامية خاصة.
ولا شك في أن هناك مراجعات ومناقشات سبقت ذلك الحادث تمت داخل السجن نتيجة التأمل في مسيرة العمل الإسلامي من جهة والنتائج التي أتيحت للشباب القادة.
فجذور المراجعات الفكرية لقادة الجماعة الإسلامية تعود إلى أكثر من ( 20 ) عشرين سنة، أي منذ دخول القادة التاريخيين السجن بعد عام81، وكان أول من بادروا بالحديث عن هذه المراجعات الفكرية كرم زهدي رئيس مجلس شوري الجماعة ومن أوائل مؤسسيها, وطرح ذلك علي جميع القادة, وظلت المناقشات طوال15 عاما, وكانت العملية تسير ببطء شديد, وتواصلت الحوارات والأبحاث حتى أطلقت مبادرة وقف العنف في يوليوز عام97. ثم توالت الاحداث والتأييدات والمناقشات حتى يومنا هذا.
كانت الشرارة التي أطلقت المبادرة هي حادث الأقصر المفجع التي فتح النار فيها عدد من الشباب على جموع السياح في الدير البحري وأزهقت أرواح زهاء ستين من الأبرياء، وما صاحبها من عمليات قتل دموية أثارت غضب وسخط الجميع، ودعت إلى مزيد من الاهتمام بضرورة وقف نزيف الدماء الذي أدى إلى إرهاق الجميع بل إلى تشويه صورة الإسلام نفسه كدين وحضارة.
وقد شجعت البشاعة التي تم بها الحادث الرافضبن داخل الجماعة الإسلامية خاصة قيادات الخارج على مراجعة مواقفهم وإعلان تأييدهم للمبادرة في 28 مارس 1999، من جهة، وأعاق تعاطي الدولة وردها على مبادرة وقف العنف وعطل المبادرة لمدة 5 سنوات من جهة أخرى، ويضيف حمدي عبد الرحمن عضو مجلس شوري الجماعة القيادة التاريخية، سببا آخر لتأخر مبادرة وقف العنف التي أطلقت عام 97 موعدها المحدد، وهو هروب ضابط الجيش المصري عصام القمري رفيق أيمن الظواهري في تنظيم الجهاد من محبسه في عام 88.
الوساطات لم تنجح
لقد تمت وساطات بين القيادات التاريخية وبعض العلماء والمفكرين، من بينهم الشيخ محمد متولي الشعراوي، والدكتور أحمد كمال أبو المجد،ولكن لم يكتب لها النجاح، لتدخل أطراف أفسدت ذلك.
وحكى كرم زهدي، في الحوار الذي أجراه مكرم محمد، رئيس تحرير أسبوعتة المصور، عدد 4054، مع القيادات التاريخية للجماعة الإسلامية في سجن العقرب،مراحل نضج المبادرة والمراجعات فقال لقد بدأنا التفكير فيها بعد أحداث 1981 وكنا نريد الصلح مع مؤسسات الدولة.
وكانت هناك محاولة منذ عام 1988 بعدما عرض الشيخ الشعراوي، رحمه الله، التدخل حيث استأذن كبار المسئولين في الدولة للحديث مع القادة، الذين وافقوا وسعدوا بذلك ولكن أخوة في جماعات أخرى خالفوا وقطعوا الطريق على هذه الوساطة، بهروب عصام القمري الذي أجهض مبادرة الجماعة لإعلان وقف العنف.
وفي عام 1993 بادرت الجماعة الإسلامية إلى مراسلة الحكماء والعقلاء والمفكرين الذين سارعوا لتشكيل لجنة الوساطة ولكن هذه المحاولة فشلت لأن هناك من تحرك لإفسادها.
وكانت هناك محاولات أخرى لأن الموقف عليه شبه إجماع، ولكنها لم تتم، فقررت الجماعة الإسلامية إعلان هذه المبادرة على الملأ في يوليوز 98. واستمرت الأمور ما بين شد وجذب بين الجماعة والحكومة المصرية، حتى صدرت المراجعات الأخيرة في شكل أربعة كتب.
المبادرة والتواصل
عرفت المبادرة في بدايتها وخصوصا بعد الإعلان عليها مشكلا في التواصل مع كوادر الجماعة خصوصا مع قيادات الجماعة الإسلامية في الخارج، التي شككت في البداية في المبادرة إثر الإعلان عليها، وكانت زيارات محاميي الجماعة للقيادات التاريخية في السجون، قناة التواصل، سواء مع الإعلام أو مع قيادات الخارج المختصة بالعمل الميداني، في حين أن من في السجن مختصون بالأمور الفكرية والشرعية.
تساؤلات قيادات في الخارج
لم يحط قادة الجماعة في الخارج علما بالمبادرة التي أطلقت، ودارت تساؤلاتهم عمن أطلقها هل القادة التاريخيون فعلا؟! أم أنها خدعة أمنية أم تمت تحت إكراه؟ وحاولوا التأكد من ذلك، وحالت ظروف القيادات التاريخية وراء الأسوار من الاتصال بهم، وأمكن من خلال المحامين نقل الصورة الحقيقية للوضع، والتأكيد للموجودين في الخارج بأن المبادرة صادرة عن القيادات، ومن جانب واحد فقط، وأنها صدرت من منطلق شرعي، ولم تكن ثمة مطالب من الدولة خشية أن تجهض المبادرة من أساسها. وكانت الردود من جانبهم إيجابية، بما فيها رد الشيخ عمر عبدالرحمن، المحبوس في اميركا، بالتأييد الذي أعطى زخما وقوة للمبادرة، وأعقبها البيان التاريخي الذي صدر عن القيادة في الخارج، ليلة عيد الأضحي المبارك في مارس99، وأعلنوا فيه تأييدهم للمبادرة. ويعتبر الحصول علي تأييد الذين هاجروا الي الخارج تأكيدا وقوة للمبادرة، وأنه لا ضغوط على أحد في الداخل والخارج.
جولات في السجون
لتجاوز إشكالية التواصل مع كوادر الجماعة المعتقلون في السجون، والذين يعدون بالآلاف، ولتفعيل المبادرة، قام القادة التاريخيون بجولات في مختلف سجون مصر للقاء أعضاء الجماعة المعتقلين وكسب تأييدهم. ومهدت الدولة لذلك بإصلاح حال السجون إلي الأفضل.
وقال صفوت عبد الغنى، المتهم الأول في قضية اغتيال رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب السابق، إننا نبذل جهودا كبيرة في الحوار مع إخواننا المسجونين من أعضاء الجماعة لإقناعهم بالفكر الجديد، وقد طفنا كل سجون الجمهورية وأقنعنا زملاءنا.
مع المجتمع
جاء الحوار المطول الذي أجراه مع القيادات التاريخية للجماعة، مكرم محمد رئيس تحرير مجلة المصور ليفتح للجماعة الإسلامية ثقبا للتواصل مع المجتمع المصري بل والعالم، كما أن السماح للكتب الأربعة التي أصدرتها قياديي مجلس شورى الجماعة في معرض القاهره الدولي الأخير خطوة أخرى في هذا الإتجاه، وقد جاء في الكتاب الأول: مبادرة وقف العنف. رؤية شرعية ونظرية واقعية " فإلي إخواننا الذين غابوا خلف الأسوار فحجبوا عن الدنيا وحرموا فرص اللقاء والمعرفة، وإلي إخواننا في الخارج الذين غبنا عنهم خلف الأسوار، فحالت بيننا وبين إخبارهم بدوافعنا ومنطلقاتنا، وإلي كل من يتساءل نقول:
إن المبادرة التي أطلقناها ليست مقايضة بين دين وعرض زائل من الدنيا.. وليست مقايضة بين السعي لإعلان دين الله وشرعته وبين دنيا رخيصة ألقيناها خلف ظهورنا، ولكن موقف اقتتال منعته الشريعة الغراء لمفاسده العظيمة، وواجب شرعي تصدينا له بكل شجاعة.. وهو لا يتنافي مع واجب آخر يلزمنا جميعا، وهو السعي لإعلاء دين الله وإقامة شريعته".
زيادة على خروج الآلاف من السجون دون أن يخالف واحد منهم مبادئ المبادرة. مما يبشر بقبول المجتمع لهم، ويعتبر إطلاق الشرطة مؤخرا سراح حمدي عبد الرحمن - أحد القادة - وذلك بعد انتهاء فترة سجنه، في بادرة غير مسبوقة، مؤشرا على رغبة في قتح قنةات التةاصل، حيث أجرى حوارات مع عديد من المنابر الإعلامية.
الكتب الأربعة
كان إصدار المراجعات الفكرية، في مطلع شهر فبراير الماضي، قاطعا لتصور البعض أنها خطوة تكتيكية لالتقاط الأنفاس. وكانت عبارة على أربعة كتب، الصادرة في نحو600 صفحة، حملت مراجعات فكرية وبحوث فقهية توضح الأسس الشرعية لوقف العنف وتبين الأخطاء التي وقعت أثناء مسيرة الجماعة الإسلامية.
ويذكر أن زمناً طويلاً مر بين كتابة هذه البحوث وبين خروجها اخيراً الي النور في صورة كتيبات أربعة، والتي يعتبر حمدي عبد الرحمن قائد الترويج لها، ظلت فيها حبيسة أدراج وزارة الداخلية المصرية، وهذه الكتب هي: مبادرة وقف العنف. رؤية شرعية ونظرية واقعية، حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين، تسليط الأضواء علي ما وقع في الجهاد من اخطاء، وأخيراً النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين.
وعناوين الكتب تدلل بوضوح على التغير الجوهري الذي طرأ على فكر هؤلاء القادة ، خاصة اذا قورنت بما جاء في كتب" ميثاق العمل الاسلامي" الذي وضعه كل من عاصم عبد الماجد وعصام درباله وناجح ابراهيم عام 1979، والكتب الاربعة شارك في صياغتها وكتابتها كل من : كرم زهدي، وناجح ابراهيم، وعصام دربالة، وعاصم عبد الماجد، واسامة حافظ، وفؤاد الدواليبي، وعلي الشريف، وحمدي عبد الرحمن، والاخير حمل مراجعات الجماعة لدى خروجه من السجن لنشرها وعرضها على المجتمع.
إعتبار المقاصد الشرعية
كان اهم ما بنيت عليه افكار الكتيبات الاربعة هو العودة الي اعتبار المقاصد: مآلات الأعمال، أو المصلحة والمفسدة.
فقد ساهمت الحصيلة الفقهية والتجربة العملية في السجون، حيث يقولون بوضوح في كتيب مبادرة وقف العنف : إن أي عمل ينبغي أن تحكمه المصلحة الشرعية سواء في إنشائه ابتداء أو في توجيهه إذا انحرف. بمعني أنه ينبغي لمن يتخذ قراراً بعمل شيء أن ترجح لديه مصلحته علي مفسدته، فإن تبين له، سواء قبل إنشائه أو بعد الشروع فيه، ترجيح المفسدة بل غياب المصلحة بالكلية فينبغي أن يمتنع علي الفور. ولا شك أنه تحقق بعد هذه التجربة الطويلة أن هذه الدماء المهدرة، وهذه المعارك الطاحنة لم تجلب مصلحة تذكر، بل ترتبت عليها عشرات المفاسد التي ينبغي لها أن تدرأ.
وهذه القواعد تكاد تكون موضع اتفاق الأصوليين قاطبة، واجتمعت عليها أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، لذلك لزم العلماء اعتبارها في استنباط الأحكام الشرعية، ولزم كل من يتخذ قرارا شرعيا أن يتوجه قراره بهذه القواعد. والآن بقي أن نطبق القواعد علي ما يحدث ليتضح لنا جميعا أن ما يحدث يتنافي مع هذه الأصول الشرعية الثابتة المتفق عليها، مما استلزم أن تكون لنا وقفة لتقويم ما يحدث ثم تقويمه ليوافق ما نحسبه مقصود الشارع الحكيم في هذه المسألة.
الخروج على الحاكم
وبنفس الرؤية المقاصدية تجيب المراجعات عن سؤال محوري في قضية العنف : هل يجوز الخروج على الحاكم؟
لقد غالي البعض وخرجوا حاملين السلاح علي دولة قوية ذات شوكة، وتملك من أسباب القوة البشرية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية والسياسية، ما يجعل هؤلاء الشباب فريسة سهلة الالتهام، وينتج عن قتالهم هذا من المفاسد والمصائب الكثيرة ما لا يحصي، ويقتل العدد الكبير من الطرفين، ويحبس الجم الغفير منهم، ويشرد الباقون في الجبال والزراعات، ويعود الضرر علي أسرهم وذويهم، وتنطفئ هذه الشعلة سريعا مخلفة وراءها كل هذه المفاسد دون تحقيق أي نوع من المصالح.
فقه الحسبة
تناولت المراجعات الكثير من الأحداث التي خاضتها الجماعة في السنوات السابقة، كالمواجهات العنيفة مع الدولة مما أصاب قطاع السياحة المصري بأضرار بالغة، وكذلك الاعتداءات التي تكررت ضد الأقباط لأجل الضغط علي الدولة، أو ما صاحب حملات الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من تجاوزات وخروج علي الاحكام الفقهية المستقرة والمعروفة، وهو ما أشاروا إليه في " تسليط الاضواء علي ما وقع في الجهاد من اخطاء" والكتاب "التصحيح والتبين في تصتيح مفاهيم المحتسبين".
فقه الواقع
وتحت عنوان رؤية واقعية قال القادة التاريخيون في بحثهم: إن من الخطأ البين أن تُتخذ المواقف وتُبني الأحكام وتصدر الفتاوي بعيداً عن النظر للواقع واستقراء معطياته واعتباره مرتكزاً رئيسياً من مرتكزات تلك الفتوى فإن أي حكم أو أي فتوى ينبغي أن ترتكز علي أمرين أساسيين: الواقع ومعطياته والدليل الشرعي المتضمن في الكتاب أو السنة أو غيرها من مصادر التشريع المعتبرة.
واختتم القادة بحثهم قائلين:إننا كجزء من الحركة الإسلامية يجب أن يكون واضحاً أمامنا الهدف الذي نسعي إليه، ولا بد أن نقوم كل خطوة نخطوها على ضوء مدى مساهمتها في تحقيق هذا الهدف، وإن هدفنا الأسمي هو ما جاء به الرسل أقوامهم. هدفنا تعبيد الناس لربهم أي: هداية الخلائق ولا بد أن نمتلك الشجاعة الكافية للإقدام على أي قرار نراه محققاً لهذا الهدف. ولا بد أيضاً أن نمتلك الشجاعة الكافية للإحجام عن أي قرار نراه مباعداً بيننا وبين هذا الهدف ولا بد كذلك أن نمتلك شجاعة أكبر وأكبر للعدول عن أي قرار أو خطوة قد أقدم عليها بعضنا بالفعل ويتبين لنا أنها لن تعين على الوصول إلى هدفنا.
خاتمة
وقد عد المراقبون هذه الكتب نقلة نوعية في منهج الجماعة الإسلامية من شأنه أن يلقي بظلاله على مسار الحركات الإسلامية في مصر وخارجها، وعلى الأنظمة العربية، خصوصا إذا اعتبرنا الحملة التي تشن على الحركات الإسلامية بعد أحداث 11 شتنبر.
إعداد خليل بن الشهبة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.