الاتحاد الإسلامي الوجدي يقصي الرجاء    اعتصام ليلي بطنجة يطالب بوقف الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة    منتدى يدعو إلى إقرار نموذج رياضي مستدام لتكريس الريادة المغربية    اعتداء جسدي بليغ على عميد شرطة والرصاص يقوم بالواجب    مأساة بحي بنكيران.. وفاة فتاة يُرجح أنها أنهت حياتها شنقاً    في مباراة مثيرة.. الاتحاد الوجدي يُقصي الرجاء ويتأهل لربع نهائي كأس العرش    يوم غضب أمريكي تحت شعار "ارفعوا أيديكم".. آلاف الأميركيين يتظاهرون ضد ترامب في أنحاء الولايات المتحدة    بلاغ جديد للمنظمة الديمقراطية للصحة – المكتب المحلي للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا – الرباط    "لن أذهب إلى كانوسا" .. بنطلحة يفضح تناقضات الخطاب الرسمي الجزائري    توقيف أربعيني بطنجة روج بمواقع التواصل لعمليات وهمية لاختطاف فتيات    أمن طنجة يفند أخبار اختطاف فتيات    منظمات حقوقية تدين تهميش المهاجرين المغاربة في مليلية المحتلة    حركة حماس تشيد بموقف المهندسة المغربية ابتهال أبو سعد واصفة إياه ب"الشجاع والبطولي"    باريس سان جرمان يحرز بطولة فرنسا    كأس العرش: الضربات الترجيحية تهدي التأهل لأولمبيك آسفي إلى ربع النهائي على حساب شباب السوالم    طنجة تتصدر مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية.. وهذه توقعات الأحد    طنجة .. وفد شبابي إماراتي يطلع على تجربة المغرب في تدبير قطاعي الثقافة والشباب    المغرب يرسخ مكانته كحليف تاريخي و إستراتيجي في مواجهة سياسة ترامب التجارية    برشلونة يسقط في فخ التعادل أمام ريال بيتيس    هذا ما يتوقعه المغاربة من المعطي منجب؟    جهة الداخلة وادي الذهب تستعرض تجربتها التنموية في المنتدى العالمي السادس للتنمية الاقتصادية المحلية    فرنسا: خسائر ب15 مليار دولار بسبب التعريفات الجمركية الأمريكية    الدار البيضاء تستحضر ذكرى 7 أبريل 1947.. محطة مشرقة في مسار الكفاح الوطني والمقاومة    تحالف استراتيجي بين الموريتانية للطيران والخطوط الملكية المغربية يعزز الربط الجوي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإفريقي    العودة إلى الساعة الإضافية وسط رفض واستياء واسع بين المغاربة    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    الأسرة الكروية المغربية تودّع محسن بوهلال بكثير من الحزن والأسى    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    فيديو يوثق استهداف إسرائيل لمسعفين    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي تقيل نائب الرئيس الإيراني    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    كلميم.. القضاء يدين عدة مسؤولين بينهم رئيس الجماعة بالسجن النافذ في قضية تبديد واختلاس أموال عمومية    دعوات للمشاركة المكثفة في مسيرة "الرباط الوطنية" للتنديد بالمحرقة المرتكبة في غزة    سفير جمهورية السلفادور: المملكة المغربية تعد "أفضل" بوابة للولوج إلى إفريقيا    عرض مناخ الأعمال وفرص الاستثمار في المغرب خلال ملتقى بباريس    خبراء "نخرجو ليها ديريكت" يناقشون موضوع انتشار الوسطاء والشناقة داخل الأسواق    حصيلة الزلزال في بورما تتجاوز 3300 قتيل    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    ماذا بعد استقبال مجلس الشيوخ الفرنسي لحكومة جمهورية القبائل؟    الركاني: من يدعم فلسطين توجه له تهم جاهزة وعواقب وخيمة ستلاحق كل من تواطئ لجعل غزة مسرحا للجريمة    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ذ محمد المهدي علوش يكتب عن اتحادية قلعية: الحلقة الأولى..قلعية بين الإيتيمولوجيا والطوبونيميا 1 /3
نشر في أريفينو يوم 10 - 07 - 2019

كتب ذ محمد المهدي علوش/ بوسطن 9 يوليوز 2019
ينشر باتفاق خاص بين اريفينو و الكاتب
دراسة حول اتحادية قلعية
لو سألت مغربيا من الجيل الحالي عن قبيلته وأصول أجداده لما عرف كيف يجيب عن سؤالك. حاول أن تطرح السؤال على أبنائك وأقربائك وجيرانك ومعارفك وسوف تستغرب لعجزهم عن الرد. قد يحسب البعض السؤال متخلفا وتافها، ومجرد محاولة الرد عليه ضرب من العبث ومضيعة للوقت. هذا صحيح إذا كان القصد هو الانتصار للروح القبلية والتشيع للعشيرة على حساب قيم المواطنة والمساواة التي يجب ان تسود المجتمعات الحديثة وتعلو فوق كل الاعتبارات الفئوية والعشائرية. لكن إذا كانت القضية تخص معرفة الجذور والأصول من أجل إثبات الذات والاعتزاز بالانتماء والدفاع عن الهوية فإن الأمر يختلف. لأنك هنا تتعرف على نفسك من خلال أصولك القبلية ولا أقول العرقية، فتاريخك هو تاريخ أجدادك، وأجدادك هم قبيلتك وتاريخهم تاريخها، فإن جهلت قبيلتك جهلت تاريخ أجدادك وبالتالي ما عدت تعرف من أنت ولا من أين أتيت. ثم إن هناك علم يسمى الأنتروبولوجيا موضوعه بالضبط معرفة الإنسان في مختلف أبعاده الاجتماعية والثقافية والقبلية وغيرها. فإذا كنت زاهدا في معرفة أصولك القبلية فلتتعرف عليها من باب العلم بالشيء وتوسيع المدارك.
أباؤنا الذين لم يعرفوا مدرسة ولا تلقوا تعليما كانوا يعرفون أسماء قبائلهم والقبائل المجاورة لهم وحتى البعيدة عنهم بمئات الكيلومترات، ليس لانهم كانوا متخصصين في المادة، ولكن لأن الانتماء القبلي كان هو الوسيلة الوحيدة لتعريف الأشخاص وتحديد هويتهم. ففي غياب أوراق هوية كان الناس يتعرفون على بعضهم بالانتساب إلى المدشر والفخذة والقبيلة. ثم إن طبيعة المجتمع القبلي كانت تفرض حضور القبيلة دائما في أفعال الناس وأقوالهم يوم كانت الدولة-المخزن كيانا افتراضيا لا يتخيله إلا قلة من المتعلمين في القرويين. ومع استقلال المغرب وظهور الدولة الحديثة بأجهزتها وسلطاتها وجماعاتها ومؤسساتها ومدارسها ووثائقها من أوراق تعريف وحالة مدنية وغيرها، تقلص دور القبيلة في حياة الناس ولم يعد ذكرها يتردد على ألسنتهم. وزاد في اختفاء الإحالة على القبيلة وغيابها من التداول بين الناس الهجرة المكثفة إلى المدن واتساع حركة العمران وانتقال المجتمع المغربي تدريجيا من مجتمع قروي إلى مجتمع غالبية سكانه من الحضر. وبهذا لم تعد هناك ضرورة إلى استحضار القبيلة في التعامل بين الناس وأصبح هؤلاء ينتسبون إلى الجماعة وإلى الحي والمدينة. ومن هنا اختفت القبيلة من الخطاب ولم تعد هناك ضرورة إليها لأن معرفتها لم تعد ذات جدوى. بل أصبح من المرغوب فيه نسيانها وتفادي أية إحالة على القبيلة لما في ذلك من تخلف وتجاهل لقيم العصر التي هي قيم المواطنة والانتساب للشعب والدولة بدلا من القبيلة والعشيرة والسلالة.
بعد هذا التقديم عن النظام القبلي نقتحم صلب الموضوع الذي سنبحث فيه طبيعة البنية الاجتماعية لقلعية لتأكيد طابعها الاتحادي خلافا لما يردده البعض من اعتبار قلعية قبيلة واحدة مقسمة إلى أخماس. جيل الخمسينات من القرن العشرين من أبناء قلعية – الذي أنتمي إليه- يعرفون أسماء قبائلهم بالفطرة بحكم ترديدها في أوساطهم العائلية من طرف الآباء والأجداد والأعمام والأخوال وكل فرد في القرية أو المدشر، ولا يتصورون ان تكون مزوجة أو آيت سيدال أو آيت بويفرور مثلا فرقا أو أخماسا أجزاء من قبيلة، لأنهم لم يسمعوا في حياتهم هذا الكلام. وعندما يأتي أحد منا ويجزم أن قلعية هي القبيلة الأم وأن قبائلنا مجرد فرق أو فخذات أو أخماس، فإنه إما عالم بما يجهله كل الناس أو لم يتعامل مع الموضوع بالجدية المطلوبة. ونريد بهذا المقال أن نفند هذا الكلام ونثبت أن قلعية ليست قبيلة وإنما هي تجمع عدة قبائل تستوطن منطقة معينه في شرق الريف تتميز بطابعها الجبلي الغالب على تضاريسها، ومن ثم جاء اسمها من القلوع أو القلاع أي المرتفعات الجبلية. ولبيان كل ذلك سنقسم بحثنا هذا إلى الأجزاء الثلاثة التالية:
أولا قلعية بين الإيتيمولوجيا والطوبونيميا:
ما من شك في أن لفظة قلعية مشتقة من كلمة قلعة العربية، وفيما يلي سنحاول التعرف على مفهوم كلمة قلعة في لغة العرب باعتبارها أصل اشتقاق لفظة قلعية ثم نتطرق إلى مفهوم هذه الأخيرة كاصطلاح طوبونيمي مشتق من قلعة. وبعده نتعرض لتاريخ المصطلح ووجه استعماله من طرف الرواة والمؤرخين.
1– في اللغة:
القلعة في لغة العرب هي الحصن المنيع المشيد عادة في مكان مرتفع لكي يصعب الوصول إليه. وتورد المعاجم عشرات المعاني لكلمة قلعة واشتقاقاتها، وتفاديا للإطالة نعرض هنا بعض المعاني التي لها علاقة بموضوعنا. جذر كلمة قلعة: قلع يَقلع قلعا فهو قالِع ؛ قلع الشجرة من جذورها؛ قلع الضرس اجتزها من الجذور. ومنها قلّع (بالشدة على اللام) الأشجارَ : بالَغ في قَلْعِها، استأصلها، وانتزعها من مكانها؛ أقلع عن الأمر : كف عنه وتركه، أقلع عن التدخين. والقلعة تجمع على قَلَعات و قَلْعات و قِلاع و قُلُوع، وهي الحصنُ الممتنع في الجبل؛ حِصْن منيع على مكان مرتفع(1) . والقلاع أيضا شِراع السفينه ويجمع على قلع. هذه المعاني تفيد كلها معني الحصن المنيع في جبل مرتفع، أو الشي العالي كما في الشراع.
لسان العرب الذي ترجع إليه جل المعاجم في شرح الكلمات والبحث عن الأصول الإيتيمولوجية للمفردات العربية يورد عدة معاني لكلة قلْعة تهمنا منها: “القلعة (بفتح الام): صخرة عظيمة تنقلع عن الجبل صعبة المرتقى؛ القلعة (بسكون الام): الحصن الممتنع في جبل، وجمعه قِلاع…وقلوع.”(2)
2– في الاصطلاح:
يجب التأكيد على أن لفظة قلعية لم تظهر إلى الوجود إلا في القرن السادس عشر في عهد السعديين، ذلك أن الحسن الوزان الذين زار المنطقة وذكر مدنها وجبالها وقبائلها لم يحدثنا عن قلعية التي كانت لا تزال تحمل اسم بطوية. ويبقى السؤال هل قلعية مصدرها قلعة، وكيف تم ربط كلمة قلعة بمنطقة قلعية؟ في اعتقادي مصطلح قلعية أصله لفظة قلعة. وقد حصل هذا الربط في نظري على أحد المستويين أو عليهما معا لأن الأصل يبقى دائما هو نفسه أي كلمة قلعة.
ا- المستوى الأول: مستوى “قلعة” تأسيسا على قلعة كَارت Garet أو جارت (يارث بتاريفيت) التي تعرف في كتب التاريخ بقلعة تازوطا (ثازوظا) (3)، ومن ثم اشتهرت المنطقة باسم قلعتها التي لعبت دورا بارزا في الحياة السياسية المغربية خلال العصر المريني. وأهل القلعة يسمون بالقلعيين كما هو معلوم في باب النسب في اللغة العربية. وقد تداولها الأهالي في لغتهم بصيغة “إقرعين” التي هى جمع “أقرعي” المقابلة للصيغة العربية” القلعي. وكان الأجدر أن يكون جمعها بالعربية “القلعيون”. فمن أين جاءت لفظة قلعية؟ إنها بكل بساطة ترجمة للفظة “إقرعين”، وذلك سيرا على تقليد ابن خلدون في نقل أسماء الشعوب والقبائل والعشائر الأمازيغية إلى العربية بحذف همزة الجمع المكسورة في بداية الكلمة (إ) ونون الجمع في آخر الكلمة وتعويضها بالتاء المربوطة، فتصبح “إزناتن” زناتة و “إكتامن” كتامة و “إغمارن” غمارة، وذلك تشبيها بالقبائل العربية مثل كنانة وقضاعة وربيعة وخزاعة وغيرها. وقد شاع هذا التقليد عند المغاربة (بمن فيهم الأمازيغ) وقاسوا عليه القبائل والفخذات الأمازيغية الريفية مثل كبدانة ولمطالسة ومزوجة ووردانة وفرخانة وغيرها.
وقد وردت لفظة “القلعيين” في القرطاس بمناسبة اقتحامها من طرف السلطان المريني أبي يعقوب يوسف بن يعقوب بن عبد الحق خلال ثورة أحد وزرائه من بني وطاس سنة691ه (يوليوز1292م) (4). ومعلوم أيضا أن لفظة “القلعيين” سابقة عن لفظة “قلعية”، ذلك أن النسب من مقتضيات اللغة بينما الاصطلاح يأتي بعد ذلك نتيجة اتفاق الناس على تخصيص اسم معروف في اللغة لشيء جديد أو طارئ لا يحمل اسما معلوما في اللغة.
ب- المستوى الثاني: وقد يكون اسم قلعية اختصارا لعبارة “قلوع جارة” التي استعملها البكري وابن خلدون مرارا لتعيين منطقة مليلة التي تحيط بها قبائل تستوطن الجبال، ذلك أن لكل قبيلة من القبائل القلعية الخمس جبلها المعروف: كوروكو بمزوجة، وكسان بآيت بويفرو(الذي سماه حسن الوزان “بجبل أزغنعان”)، تدينيث آيت سيدال، وجبل ورش بآيت شيشار…إلخ. لكن يبقى السؤال مطروحا: لماذا نتحدث عن القلوع بالجمع والحالة أننا أمام قلعة واحدة هي قلعة جارت(يارث)؟ حسن الوزان في القرن السادس عشر يفيدنا بعناصر الجواب في كتابه المعروف عن “وصف أفريقيا”. فأثناء حديثه عن إقليم كَارت Garet الذي كان ينتمي إلى مملكة فاس في ذلك العهد، وصف الوزان أهم المعالم والمدن والجبال التي كان يتكون منها إقليم كَارت (الذي يعادل إقليم الناظور عند استقلال المغرب سنة 1956 تقريبا). وباستثناء مليلة وغساسة وتازوطا التي سماها الوزان مدنا، فإن بقية المعالم والمواقع هي عبارة عن قلاع وجبال (5). ويستفاد من كتاب الوزان، وحتى ممن سبقوه، أنه كانت ببلاد بطوية (الريف الشرقي) على الأقل أربع قلاع أو قلوع بكل من مليلة وغساسة وتازوطة وأمجاو. وبحكم التشابه بين هذه المدن والحصون والتجمعات البشرية بوقوعها في أماكن مرتفعة فقد أطلق عليها اسم القلاع والقلوع بما يفيد الجبال والحصون الواقعة فيها. وبطبيعة الحال كون هذه الجبال تحاذي بسائط يارث الجافة فقد نسبت إليها وأصبحت تدعى “قلوع جارة” أي جبال يارث. مع الإشارة إلى أن قبيلة بني سعيد التي تأوي قلعة أمجاو كانت في عصر الوزان وابن خلدون تحسب على إقليم يارث (جارت)، ومن ثم عُدت هي أيضا من قلوع جارة.
في نهاية الستينات من القرن الماضي (68/1969) وضمن دراسته الأنتروبولوجية عن البنيات الاجتماعية التقليدية لقلعية وصف رايموند جاموس بلاد “إقرعين” بكلام مماثل لمن سبقه من الدارسين، حيث قال:…” الجزء الأكبر من أراضي “إقرعين” يتشكل من ثلاثة جبال. في الشمال، توجد كتلة المذاري الثلاث (Tres forcas عند الإسبان)، شبه جزيرة بطول 25 كلم وارتفاع أقصاه 400م…في الوسط، جبل كَوروكَو (بالكاف المعقودة)، الكتلة البركانية الهائلة، بأسوارها السميكة، ورؤوسها البركانية، تهيمن على كل بلاد “إقرعين”… في الجنوب، كتلة بني بويفرور (يشكل جبل وكسان قمتها على ارتفاع 600 م)، التي تشتمل على أغنى حقل لمعدن الحديد بالمغرب…”(6) .
3-أصل قلعية عند المؤرخين المسلمين:
ا- البكري وابن خلدون: البكري وابن خلدون اللذان تعرضا لتاريخ وجغرافية المنطقة في العصور الوسطى ذكرا القلاع والقلوع المنتصبة في شمال شرق الريف وأطلقا عليها اسم “قلوع جارة” أي جبال يارث أو جارت أو كَارت بالكاف المعقودة (أو الجيم المصرية) أو Garet كما عند الحسن الوزان ومارمول كارباخال. البكري في القرن الرابع الهجري (الحادي عشر الميلادي) قال في كتابه المُغرب (المسالك والممالك) وهو يصف الطريق بين كرسيف ومليلة: “…ومن أجرسيف إلى قلوع جارة وهي حصن منيع في أعلى جبل لامتناول له ولا مطمع فيه ومنه إلى مدينة مليلة، وهي مدينة مسورة…قديمة… يسكنها بني ورتدين…” (ص.88). وابن خلدون حين تحدث في العبر عن إمارة نكور الصالحية التي تأسست بتمسامان حوالي سنة 710م (91ه)، ذكر حدودها بتفصيل قائلا: “…وبلد النكور ينتهي من المشرق إلى زواغة وجراوة… وتجاوره من هنالك مطماطة…وغساسة أهل جبل هرك (ورش) وقلوع جارة التي لبني ورتدين..”، (ج6، ص.283.).
ونفهم من وصف البكري “قلوع جارة” بالحصن المنيع أنه يقصد قلعة معينة في رأس جبل. ولاشك أن الأمر يتعلق بقلعة جارت (يارث)(7) التي سوف تعرف في القرن السابع الهجري بقلعة تازوطا منطلق بني مرين في الاستيلاء على الحكم بالمغرب الأقصى. وهي نفس القلعة التي تعرضت لغزو أمير نكور سعيد بن صالح سنة 250ه (864م) كما جاء في كتاب البكري وعند ابن خلدون وأكده الأستاذ الفيكيكي(8).
ابن خلدون عند تعيينه لحدود إمارة نكور في الغرب والجنوب والشرق ذكر أسماء القبائل المجاورة للإمارة، ولكنه من جهة الشرق ذكر “بني ورتدين” مقرونة بقلوع جارة، وكأنه حريص على تعريف هذه بتلك والعكس. وبني ورتدين هذه كانت تشكل غالبية سكان مليلة ونواحيها والقلعة وجبال كَارت(9) ، فكانت عبارة “قلوع جارة” كمنطقة جغرافية جبلية تنسب إلى القبيلة التي كانت تستوطن المنطقة في ذلك الوقت وهي “بني ورتدين”. ولو قابلنا بين حديث البكري وبين رواية ابن خلدون لوجدنا أن بني ورتدين فصيل كبير كان يسكن المنطقة التي تضم مدينة مليلة وقلعة جارة ونواحيهما. ويذكر البكري أن بني البوري بن موسى بن أبي العافية هم الذين جددوا بناء مدينة مليلة بعد تخريبها من طرف العبيديين. ولا يستبعد أن يكون سكانها “بني ورتدين” فرع من مكناسة التي كانت سيدة المنطقة منذ غزوها لإمارة بني صالح وتخريبها لمدينة نكور سنة 319ه.(البكري، ص. 88). وسيختفي بعد ذلك هذ الاسم بعد ذوبانه في موجة الهجرات المتتالية التي عرفتها المنطقة بين القرن السابع والقرن العاشر الهجري (13-16م) تزامنا مع استيطان بني مرين الزناتيين للمنطقة كما شرح ذلك الأستاذ الفيكيكي (ص. 30-39). ومن هذا الخليط ستظهر أسماء قبائل لم تعرف من قبل هي آيت بويفرور وإمزوجن وآيت سيذار وآيت بويافر وآيت شيشار. وبقي اسم قلعية كإطار جغرافي حاضرا في ذاكرة الناس يجمع بين هذه القبائل كلها باعتبارها تشترك في طبيعة تضاريسها الجبلية. وعندما ظهرت الضرورة إلى جمعها في اسم واحد لتعيين الكيان الناشئ عن التحالف بين هذه القبائل للدفاع عن أرضها ضد النصارى، كان مصطلح قلعية جاهزا ليفرض نفسه للأسباب التاريخية التي ذكرناها. وهذه العلاقة العضوية القديمة بين بني ورتدين وقلوع جارة هي التي جعلت الباحث الريفي أحمد الطاهري يؤكد:”,..وبنو ورتدين أو فصيل منهم على الأقل هو الذي أصبح فيما بعد يعرف بقلعية.”(10)
ب- القلعيون في القرطاس:
وردت في كتاب القرطاس لفظة القلعيين لأول مرة حسب علمي إشارة إلى سكان” قلعة تازوطا” وذلك عند اقتحامها من طرف يعقوب بن عبد الحق المريني عقب ثورة أحد الوزراء الوطاسيين. ولا بأس من استحضارهذه الواقعة بإيجاز كما ذكرها ابن أبي زرع. فقد ثار أحد وزراء بني مرين يدعى عمر بن يحيا بن الوزير الوطاسي في شعبان من سنة 691 (يوليوز1292)، واستولى على حصن تازوطا، فخرج إليه السلطان أبو يعقوب بن عبد الحق المريني من فاس بعد فشل الحصار الذي كان قد أمر بضربه على القلعة. وكان برفقة السلطان عامر بن يحيا بن الوزير أخ الثائر الوطاسي. فاستأذن هذا الأخير السلطان للتوسط لدى أخيه قصد ترتيب استسلامه. لكن الوساطة جرت بشكل لم يكن منتظرا. فقد أخذ الثائر المال والمتاع وانسل ليلا في غفلة من الجميع، وغادر إلى تلمسان بعد تسليم الحصن لأخيه عامر. وخاف هذا من بطش السلطان بسبب تآمره مع أخيه وتسهيل فراره فاعتصم بالقلعة ولم يسلمها. وبعد محاولة فاشلة للتوسط من جانب أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن الأحمر صاحب مالقة الذي كان قد نزل لتوه بمرسى غساسة، أمر السلطان باقتحام القلعة وقتل كل من فيها. وبخصوص الهجوم على الحصن جاء في نسخة القرطاس التي حققها المستشرق السويدي كارل تورنبرك الصادرة سنة 1843، (ص. 264): “…و ظفر(السلطان) بمن كان في الحصن من “القلعيين” وغيرهم فقتلوا عن آخرهم..”. وإذا كان هذا الكلام صحيحا(11) فإن هذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها عن تسمية سكان تازوطا بالقلعيين. أما اسم بني ورتدين الذي كانوا يعرفون به في القرن العاشر والحادي عشر فلم نعد نسمع عنه شيئا. الحادث يعود إلى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، والمؤرخ ابن أبي زرع الفاسي الذي استعمل الكلمة كان معاصرا للأحداث إذ انتهى من كتابة تاريخه سنة (1326م/726ه)، حسبما ذكره الناصري في الاستقصاء(ج3، ص.180)، الموافقة لسنة وفاته. وهذا معناه أن تسمية القلعيين كانت متداولة في تلك الحقبة من التاريخ أي في أوائل القرن الرابع عشر الميلادي. ومع ذلك لم يستعملها أي من المؤرخين الذين جاؤوا بعده مثل ابن خلدون وحسن الوزان. فهل يعني هذا أن استعمالها جاء لضرورة لغوية صرفة أي اعتبار أهل القلعة قلعيين كما يعتبر أهل الجبل جبليين، أم اصطلاح كان في بداية تداوله بين الناس؟ وفي كلتا الحالتين فإن كلمة قلعيين تنسب إلى قلعة كما سبق الذكر.
ويعتبر الأستاذ الفكيكي خير من قام بدراسة أصل مصطلح قلعية في أبعاده التاريخية والجغرافية والإتنية والاجتماعية ليخلص إلى النتيجة البديهية التي ترد اسم قلعية إلى قلوع جارة الذي استعمله البكري في القرن الحادي عشر وابن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي. ويقول الأستاذ الفيكيكي بهذا الخصوص :”..لم نعد نسمع شيئا على استمرار وتداول اسم ورتدين بعد انصهار الجماعة وسط التجمعات الجديدة الوافدة على قلوع كرط التي أصبحت تسمى بلاد القلاع أو قلاع الريف إلى أن استقر الاصطلاح في آخر المطاف على اسم قلعية.”( ص. 26-38).
هكذا ومن خلال تاريخ المنطقة التي تستوطنها حاليا قبائل قلعية يتأكد لنا أن المصطلح مستحدث انطلاقا من الاسم الأصلي للمنطقة ” قلعة تازوظا” أو “قلوع جارة” أو منهما معا. فقد انتقل تدريجيا من مدلول جغرافي طوبونيمي إلى مفهوم إتني بشري ينطبق على الساكنة أيضا حيث أصبحنا نسمع “إقرعين” بمعني القلعيين (أو لكلاعا) المنتسبين إلى قبائل قلعية ومنطقتها الجغرافية في نفس الوقت. ومصطلح “إقرعين” سابق عن مصطلح “قلعية” الذي يعتبر ترجمة حرفية إلى العربية كما سبق بيان ذلك. و”إقرعين” هو الاسم الذي تبناه الأستاذ رايموند جاموس Raymond Jamous في أطروحته عن قلعية سنة 1969 بصيغته الأمازيغية الريفية الأصلية المعبرة عن تسمية سكان المنطقة المعروفة أيضا “بالريف الشرقي”. ولم يستعمل مصطلح قلعية باعتباره الصيغة المعربة ل”إقرعين”. على أي، فرض الاسم الطوبونيمي نفسه على الجميع فأصبحت منطقة الريف الشرقي تسمى قلعية التي تحيل على طبيعة الأرض الجبلية أولا ثم على ساكنة هذة الجبال ثانيا.
الهوامش
(1) المعجم الغني، معجم المعاني الجامع، المعجم الوسيط. معجم اللغة العربية المعاصر.
(2) ابن منظور، لسان العرب، ج8، ص. 290.
(3) قلعة تازوظا كانت قاعدة بني مرين في مسيرتهم من أجل الاستيلاء على الحكم في المغرب. فمنها انطلق بنو مرين في مواجهتهم مع الموحدين حيث انتصروا عليهم في أول معركة قرب وادي نكور في بداية القرن السابع الهجري (13ميلادي).
(4) كتاب القرطاس لابن أبي زرع، نسخة محققة من طرف المستشرق السويدي تورنبرك الصادرة سنة 1843، ص. 264.
(5) الحسن الوزان، وصف أفريقيا، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثانية 1983، ج1، ص. 340-347.
(6) ريموند جاموس، شرف وبركة، البنيات الاجتماعية التقليدية بالريف، ص. 14-15.
(7) ويسميها الأستاذ الحسن الفيكيكي وكثير من الباحثين المعاصرين قلعة كرط، وهي تسمية غير ملائمة في نظري لأنها تخلط بين جارت أو كارت Garet التي هي يارث بالأمازيغية، وبين كرت Kert التي هي “شارظ” بالأمازيغية. جارت تطلق على البسائط الجافة والمفازات التي تمتد بين سلوان وكرسيف عبر أراضى قبيلتي آيت بويحيي وإبظارسن (لمطالسة) خاصة، وكرت وادي يقطع بسائط يارث ويفصل بين قبيلتي آيت سعيد وأيت سيدال عند المصب في البحر المتوسط. ومصدر هذا الخلط في نظري يكمن في الترجمة من اللغات الأجنبية خاصة كتب الحسن الوزان ومارمول كارباخال. ولو اعتمد المترجمون الألفاظ الأمازيغية الأصلية لما وقعوا في هذا الخطأ غير المقبول في نظري. فشتان ما بين يارث وشارظ نطقا وكتابة.
(8) العبر، ج6، ص. 284؛ البكري، ص. 94؛ الفيكيكي، ص. 31 .
(9) حسن الفيكيكي، المقاومة المغربية للوجود الإسباني بمليلة، 1697-1859، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية 1997.
(10) إمارة بني صالح في بلاد نكور، ص. 201، هامش. 189.
(11) جاء في نسخة حديثة من كتاب القرطاس من تحقيق عبد الوهاب بنمنصور، صادرة عن دار المنصور للطباعة والوراقة بالرباط سنة1972: “وظفر بمن كان في الحصن من المقاتلة فقتلوا عن آخرهم.”( ص. 382) وجاء في العبر في نفس الواقعة: “فأمر(السلطان) فاستلحموا مع من كان بالحصن من أتباعهم وقرابتهم وذرياتهم، فاستلحموا مع من كان بالحصن من أتباعهم وقرابتهم وذرياتهم، وتملك السلطان حصن تازوطا وأنزل به عماله..” (ابن خلدون، ج7، ص. 288).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.