وزير خارجية فرنسا يجدد دعم بلاده لسيادة المغرب على الصحراء أمام البرلمان الفرنسي    إسرائيل تواصل حرب إبادتها بلا حدود.. يوم آخر دامٍ في غزة يؤدي بحياة 112 شهيدا وسط صمت ولا مبالاة عالميين    حادثة مروعة بطنجة.. شاب يفقد حياته دهساً قرب نفق أكزناية    "أشبال U17" يتعادلون مع زامبيا    التعادل السلبي يحسم مواجهة المنتخب الوطني المغربي لأقل من 17 سنة أمام نظيره الزامبي    العقوبات البديلة .. وهبي يكشف آخر التفاصيل    محاكمة صاحب أغنية "بوسة وتعنيكة وطيحة فالبحر... أنا نشرب الطاسة أنا نسكر وننسى"    ثلاثي مغربي ضمن أفضل الهدافين في الدوريات الكبرى عالميا لعام 2025    مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم متعلق برواتب الزمانة أو الشيخوخة التي يصرفها ال"CNSS"    المفوضة الأوروبية دوبرافكا سويكا: الاتحاد الأوروبي عازم على توطيد "شراكته الاستراتيجية"مع المغرب    العيون: مجلس المستشارين وبرلمان الأنديز يثمنان المسار المتميز للعلاقات البرلمانية بين الطرفين (إعلان مشترك)    فرنسا تجدد دعمها لسيادة المغرب على صحرائه    حادثة سير وسط الدريوش تُرسل سائقين إلى المستشفى    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بالتعليم المدرسي    سطات: إحداث مصلحة أمنية جديدة لمعاينة حوادث السير    طنجة.. النيابة العامة تأمر بتقديم مغنٍ شعبي ظهر في فيديو يحرض القاصرين على شرب الخمر والرذيلة    طقس الجمعة.. تساقطات مطرية مرتقبة بالريف وغرب الواجهة المتوسطية    العثور على جثة دركي داخل غابة يستنفر كبار مسؤولي الدرك الملكي    الإمارات تدعم متضرري زلزال ميانمار    سقوط 31 شهيدا على الأقل بضربة إسرائيلية على مركز للنازحين في غزة    صابري: الملك يرعى الحماية الاجتماعية    الترخيص لداني أولمو وباو فيكتور باللعب مع برشلونة حتى نهاية الموسم    المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.. تسليم السلط بين الحبيب المالكي و رحمة بورقية    المغرب يعتبر "علاقاته الاستراتيجية" مع الولايات المتحدة سببا في وجوده ضمن قائمة "الحد الأدنى" للرسوم الجمركية لترامب    ارتفاع حصيلة ضحايا الزلزال في ميانمار إلى 3085 شخصا    الاتحاد الاشتراكي المغربي يندد ب"تقويض الديمقراطية" في تركيا ويهاجم حكومة أردوغان !    إطلاق نسخة جديدة من Maroc.ma    تقرير.. هكذا يواصل مستوردو الماشية مراكمة ملايير الدراهم من الأموال العمومية في غياب أثر حقيقي على المواطن ودون حساب    الجسد في الثقافة الغربية -27- الدولة : إنسان اصطناعي في خدمة الإنسان الطبيعي    أعلن عنه المكتب الوطني للمطارات ..5.4 مليار درهم رقم معاملات المطارات السنة الماضية و13.2 مليار درهم استثمارات مرتقبة وعدد المسافرين يصل إلى 32,7 مليون مسافر    سفارة السلفادور بالمغرب تنظم أكبر معرض تشكيلي بإفريقيا في معهد ثيربانتيس بطنجة    نقابي يكشف السعر المعقول لبيع المحروقات في المغرب خلال النصف الأول من أبريل    الوداد يعلن حضور جماهيره لمساندة الفريق بتطوان    هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي تطلق برنامج "EMERGENCE" لمواكبة التحول الرقمي في قطاع التأمينات    المنتخب المغربي يرتقي إلى المركز ال12 عالمياً في تصنيف الفيفا    المجر تعلن انسحابها من المحكمة الجنائية بالتزامن مع زيارة نتنياهو    جماعة أكادير: حقّقنا فائضا ماليا يُناهز 450 مليون درهم    بورصة الدار البيضاء تخسر 0,45 بالمائة    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن        مجلس المنافسة يوافق على استحواذ مجموعة أكديطال على مؤسستين صحيتين في العيون    اجتماعات تنسيقية تسبق "الديربي"    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الخميس    الصين: عدد مركبات الطاقة الجديدة في بكين يتجاوز مليون وحدة    قمر روسي جديد لاستشعار الأرض عن بعد يدخل الخدمة رسميا    النسخة ال39 لجائزة الحسن الثاني الكبرى للتنس.. تخصيص يوم للأطفال رفقة لاعبين دوليين    بين الحقيقة والواقع: ضبابية الفكر في مجتمعاتنا    مهرجان كان السينمائي.. الإعلان عن مشاريع الأفلام المنتقاة للمشاركة في ورشة الإنتاج المشترك المغرب -فرنسا        دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    بلجيكا تشدد إجراءات الوقاية بعد رصد سلالة حصبة مغربية ببروكسيل    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد الخامس.. «الملكية الشعبية» بالمغرب
مؤرخ فرنسي يرصد أهم حقبة في تاريخ المغرب الحديث
نشر في المساء يوم 10 - 12 - 2012

لعل مؤلف هذا الكتاب، المؤرخ الفرنسي شارل سانت برو، أراد لكتابه أن يتزامن مع الذكرى المئوية لتوقيع معاهدة الحماية عام 1912،
فهو يرجع إلى الجذور التاريخية لتكوين المغرب، ويتوقف طويلا عند مرحلة الحماية وملابساتها، ثم يعرج على المعطيات التاريخية والسياسية التي جعلت العلاقة بين المغرب وفرنسا تختلف كثيرا عن العلاقات بين فرنسا والبلدان الأخرى التي تعرضت للاستعمار الفرنسي، مثل الجزائر، ويمزج بين السرد التاريخي والتحليل السياسي للوقائع كخبير في الشؤون العربية والمغاربية.
في مقدمة كتاب «محمد الخامس أو الملكية الشعبية» يقول المؤلف الذي يعمل حاليا مديرا ل«مرصد الدراسات الجيوسياسية» بباريس إن الملكية المغربية ذات خصوصية تاريخية متفردة بين كل الملكيات في المنطقة، فبخلاف الملكية في مصر التي كانت ذات أصول ألبانية، أو الملكية التونسية التي كانت ذات أصول تركية، فإن الملكية في المغرب «ملكية وطنية»، مشبها إياها بالملكية الفرنسية في عهد «الكابتيون»، نسبة إلى هذه العائلة الملكية التي حكمت فرنسا في المرحلة ما بين 987 و1792. وعن اختياره شخصية الملك محمد الخامس يقول: «ارتبط مصير بعض الأسر الحاكمة بمصير أمة، وبين جميع الملوك الذين صنعوا المغرب طيلة اثني عشر قرنا يحتل الملك محمد الخامس موقعا هاما، فهو الملك المصلح والملك الباني، وقد بقي دائما وسيبقى في قلوب المغاربة باعتباره أب المغرب الحديث».
التراب في الجزائر والدولة في المغرب
ولكي يؤكد المؤلف على عراقة المغرب في التاريخ يستشهد بقولة الماريشال ليوطي، أول مقيم عام في المغرب عام 1912، التي يقول فيها : «في الوقت الذي وجدنا أنفسنا بالجزائر أمام مجرد تراب حصل العكس في المغرب، فقد وجدنا أنفسنا في مواجهة إمبراطورية تاريخية مستقلة، فخورة باستقلالها إلى الحد الأقصى، متمردة على كل رغبة في الإخضاع، تميزت حتى السنوات الأخيرة بكونها دولة قائمة بهرميتها الإدارية وممثليها في الخارج، الذين كانوا رجال ثقافة عامة يتعاملون ندا لند مع رجال الدول الأوروبية. ليس هناك أي تشابه بين الجزائر والمغرب».
استقلالية المغرب تجعل من الصعب فهم تكونه التاريخي دون الأخذ بالاعتبار الوضع الجيو سياسي الذي نشأ فيه، فمنذ القرن التاسع الميلادي كان المغرب هو الدولة الوحيدة التي تتمتع بالاستقلال في المنطقة الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر السينغال، حيث كانت لجميع العائلات الحاكمة التي توالت عليه علاقات وطيدة بالمناطق الصحراوية.
قبل الإسلام لم تكن هناك «دولة ولا أمة بربرية»، ولكن خليط من القبائل أو المجموعات الإثنية التي تعرف باسم البربر أو الأمازيغ، والتي كانت تتحدث لهجات متباينة وتعيش في انقسام مطلق دون رابط يوحدها، إلى أن جاء الإسلام الذي صنع اللحمة بينها. لذلك لا يمكن التمييز بين تكون الأمة المغربية وبين الإسلام، لأن هذا الأخير هو الذي صنع هويتها، وربط بين مختلف القبائل عبر اللغة العربية التي هي لغة القرآن ولغة الطقوس الدينية في الإسلام. ومنذ الأدارسة في القرن الثامن الميلادي بقي السلطان وفق المبادئ الدينية بمثابة الزعيم السياسي والإمام الديني في نفس الوقت، والحارس على الدين والضامن لوحدة الأمة الروحية.
وإذا كان الأدارسة هم الذين وضعوا اللبنات الأولى للدولة في المغرب فإن المرينيين، الذين حكموا المغرب بين 1244 و1465 بعد الموحدين، هم الذين استكملوا بناء مؤسساتها، التي تتمثل في نظام «المخزن»، الذي يعتبر «الكلمة المفتاح في المؤسسات السياسية بالمغرب». لقد كانت هذه الكلمة العربية تشير في بدايتها إلى الصندوق الذي كانت تجمع فيه الأموال المتحصلة من الضرائب قبل توجيهها إلى الخلافة العباسية في بغداد، وبعد ذلك أصبحت تشير إلى المأمور (الموظف) المسؤول عن المالية العامة، ثم أصبحت تعني مجموع الجهاز الإداري للدولة السلطانية. ويقول المؤلف الذي أفاد من قراءاته لتاريخ المغرب إن المصطلح فرض نفسه بطريقة سريعة، إلى حد أننا نجده مذكورا في كتاب البيذق رفيق ابن تومرت «أخبار المهدي بن تومرت» في منتصف القرن الثاني عشر.
المخزن عشية الحماية
تمكن السلطان الحسن الأول من بسط نفوذ الدولة المغربية على كامل الوحدات القبلية خلال نهاية القرن التاسع عشر، حتى أنه عندما توفي كان نفوذ المغرب يمتد من المتوسط إلى نهر السينغال، ويمتاز بنوع من التنظيم المؤسساتي من خلال مؤسسة «المخزن»، التي كانت بمثابة جهاز الدولة المركزي، يقف على رأسه السلطان الإمام، مسنودا بإدارة تتكون من الوزير الأعظم الذي هو أقرب معاوني السلطان، وهو منصب لا يمكن مقارنته بالوزير الأول اليوم لأن جميع الوزراء الآخرين كانوا تابعين مباشرة للسلطان، وبين هؤلاء الوزراء وأهمهم وزير الحرب (الدفاع) ووزير البحر (الخارجية) ووزير المالية الذي كان يسمى وزير الأمناء في عهد المولى إسماعيل في نهاية القرن الثامن عشر، ثم وزير الشكايات (الذي يوازي ديوان المظالم الذي كان معروفا قبل ذلك التاريخ)، وهو شبيه بالقضاء الإداري، وفي أسفل جهاز المخزن نجد الموظفين المدنيين، وهم الولاة والقياد والباشوات والقضاة والمحتسبون.
تمتعت المناطق التي كانت في الأقاصي بنوع من الاستقلال الذاتي الذي يزيد أو ينقص، بسبب بعدها عن المركز وصعوبة الوصول إليها، غير أن ذلك الاستقلال الذاتي الذي كانت تفرضه طبيعة المناطق لم يكن يعني التمرد على السلطة المركزية وبالأحرى على السلطان. وقد استغلت السوسيولوجيا الاستعمارية هذه الأوضاع التاريخية والسوسيولوجية لكي تختلق «أمة بربرية وهمية» وتميز بين «بلاد المخزن» و»بلاد السيبة»، وتضع فروقا بين العرب والبربر، وهي مغالطة تاريخية تجهل تاريخ المغرب، لأن العديد من السلاطين المغاربة ذوي الأصول الأمازيغية كانوا يستمدون نفوذهم من انتسابهم إلى بيت النبوة العربي، وكذلك رؤساء القبائل مثل محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي كان يعلن انتسابه إلى البيت القريشي، أكبر القبائل العربية في مكة. والمفارقة التي يلاحظها المؤلف هي أن ما يسمى ب»الظهير البربري»، الذي وضعته سلطات الحماية في 16ماي 1930 هو الذي وحد المغاربة في وجه الاستعمار، في الوقت الذي كانت الحماية تسعى من ورائه إلى التفرقة بينهم. ويضيف المؤلف أن قبائل المغرب ظلت مرتبطة بالسلطان الذي يرمز إلى وحدة البلاد، وفي نفس الوقت إلى الإسلام، الذي جمع بينها من خلال اعتماد المذهب المالكي، خاصة أنه في الإسلام «يظل الرباط الأساسي دينيا أكثر منه ترابيا».
محمد الخامس وصراعات البلاط
مع حلول سنة 1926 بدأت صحة السلطان المولى يوسف في التدهور، لتبدأ صراعات البلاط من أجل تولية خليفة له. حول محيط السلطان كان هناك الحاجب الأكبر «السي اعبابو»، الذي كان يميل إلى تولية الابن الأكبر إدريس ويروج الإشاعات حول عدم رغبة السلطان في تولية ابنه الأصغر محمد، وقدور بن غبريط الموظف الجزائري السابق في القنصلية الفرنسية بطنجة و»الوكيل الفرنسي بامتياز»، وكان يجمع تحت يديه في نفس الوقت «بطريقة غريبة» مهمتين، هما مدير مسجد باريس ورئيس البروتوكول في القصر، مما جعله أكثر قربا من سلطات الحماية التي كان أحد أوفيائها، وعندما تم وضع «السلطان الدمية» محمد بن عرفة عام 1953 على العرش بعد نفي السلطان محمد بن يوسف كان قدور بن غبريط واحدا من المسارعين إلى مبايعته.
وقد لعب محمد المعمري، الذي كان مدرسا للأمير محمد منذ سن السادسة، دورا في توليته خليفة لوالده، كما لعب نفس الدور راوول مارك، المستشار الفرنسي للحكومة الشريفة الذي قام بإقناع المقيم العام ثيودور ستيغ، وهكذا تم تعيين الأمير محمد بن يوسف سلطانا جديدا، لكن الحاجب «السي اعبابو» ظل يثير المشاكل في قصر فاس إلى أن تم فرض الإقامة الجبرية عليه بالرباط.
واجه السلطان الجديد مشكلة تتمثل في أنه كان مضطرا إلى أن يتعلم سريعا وبشكل منفرد، لأنه لم يكن يثق في أحد ممن يوجدون في محيطه لأن الكثيرين كانوا يقومون بأدوار مزدوجة بين القصر والإقامة العامة، باستثناء المعمري الذي أصبح مسؤولا عن الإقامة الملكية.
كان يجب أن تتاح فرصة تاريخية تمكن السلطان من لعب الدور الأبرز ويفرض نفسه وسط شبكة المصالح والصراعات، خاصة أن سلطات الحماية كانت تحاول الالتفاف على العقد الموقع مع المغرب عام 1912 وخرق بنوده وتوسيع صلاحياتها، وهو ما أتيح مع الظهير البربري، الذي «يعتبر تحولا كبيرا لأنه سيقوي رغبة السلطان في الإمساك بزمام حركة التحرير بالمغرب».
تزامن صدور ذلك الظهير مع فترة حرجة بالنسبة لفرنسا، فقبلها بأشهر اندلعت الأزمة المالية العالمية الكبرى التي ضربت أوروبا بعد سقوط بورصة نيويورك، ومع الشلل الذي ضرب اقتصاد القوى الأوروبية بدأ الاهتمام يتزايد بمستعمراتها في الخارج من أجل تعويض الخسائر والبحث عن ثروات جديدة، فأخذت هذه القوى في التوسع، وبدأ موسولوني في توسيع قاعدته الاستعمارية من ليبيا نحو القرن الإفريقي. وكانت هذه هي الظروف التي دفعت فرنسا إلى إصدار الظهير وفق مبدأ «فرق تسد»، محاولة تطبيق نفس السياسة التي حلمت بها في الجزائر(منطقة القبايل المستقلة).
لكن فكرة استغلال التمايزات في اللهجات أو العادات الاجتماعية ليست جديدة، فالمستشرق الفرنسي لوي ماسينيون سبق أن أكد بأن الأب شارل دوفوكو كان من بين أوائل من وضعوا «السياسة البربرية» خلال أعوام 19091913، وجاءت الإدارة الاستعمارية لكي تأخذ بذلك المشروع الذي انطلقت فيه عمليا عام 1920 عبر السياسة المسماة «سياسة القواد الكبار» من أجل تقسيم المغرب، والتي ترتكز على تفويض سلطات المراقبة في بعض المناطق للملاكين الكبار، مثل الحاج التهامي الكلاوي في نواحي مراكش.
سلطان في المواجهة
أدرك السلطان محمد بن يوسف أن سلطات الحماية استغلت غياب التجربة لديه لتمرير الظهير البربري، وأنه من الضروري أن يمسك بزمام الأمور بين يديه، خاصة بعدما علم بأن الوزير الأعظم محمد المقري كان حاضرا خلال توقيع الظهير ولم يخبره بالأمر. وهكذا قرر السلطان أن يخوض في مواجهة الوقائع، فبدأ بالاتصال بالوطنيين الذين كانوا هم أيضا يبحثون عن رمز قوي لا يكون موضع اختلاف بين الجميع، لأنهم كانوا يريدون توسيع قاعدة مخاطبيهم، وفي نفس الوقت كان هؤلاء يريدون الرد على إشاعات سلطات الحماية التي كانت تردد بأن الوطنيين هم أعداء السلطان، وهكذا دعت صحف مثل «المغرب» و»عمل الشعب» إلى الاعتماد على مؤسسة السلطان «باعتبارها رمزا للهوية الوطنية».
وفي الوقت الذي أرادت سلطات الحماية عزل السلطان عن المغاربة وعن الوطنيين، بدأ محمد بن يوسف يتنكر في ثياب زائفة لكي يغادر القصر وينزل إلى الشوارع لكي يقابل المواطنين ويسألهم عن الأوضاع دون أن يكشف عن هويته، حتى إذا عرفه البعض طلب منهم التكتم، وكان أحيانا يخرج بسيارته من القصر ليتجول فإذا لقي شخصا في الطريق أركبه بجانبه لكي يعرف منه الأخبار، فقد كانت علاقته الوحيدة بالمواطنين قبل 1934 مقتصرة على أطفال فاس ومكناس الذين درس معهم في طفولته، وبعد أن صار سلطانا أصبح الرباط الوحيد بالمواطنين هو موعد صلاة الجمعة الأسبوعية في مسجد المشور، أو زياراته السرية إلى الأسواق، لذلك كانت زيارته الأولى لفاس يوم 8 ماي 1934 الخطوة الأولى نحو مقابلة الشعب المغربي وجها لوجه، وبعدها ستأتي زيارة طنجة الشهيرة.
بعد زيارة فاس مباشرة تشكلت «كتلة العمل الوطني» في شتنبر 1934 التي جمعت علال الفاسي وأحمد بلافريج وعمر بن عبد الجليل وعبد العزيز بن إدريس وأحمد الشرقاوي ومحمد الديوري ومحمد غازي وبوبكر القادري ومحمد اليزيدي ومحمد المكي الناصري ومحمد بن الحسن الوزاني، وقد وضعت هذه الكتلة مشروعا للإصلاح وجهته إلى سلطات الحماية في 1 دجنبر من نفس السنة.
لكن الصراعات الحزبية هددت بتقسيم المغرب من جديد، فقد كان هدف كل حزب هو الدفاع عن نفسه وتوسيع قاعدته الشعبية على حساب الأحزاب الأخرى، مما كان يهدد وحدة الهدف. ففي عام 1937 انقسمت الكتلة بسبب غضب محمد بن الحسن الوزاني من علال الفاسي بعد أن لم يتمكن من الوصول إلى اللجنة التنفيذية، فأنشأ الفاسي «الحزب الوطني» وأنشأ الوزاني «الحركة القومية»، وكانت تلك بداية سلسلة من الانقسامات الحزبية في المغرب، إذ انقسم حزب الإصلاح الوطني في الشمال أيضا بين عبد الخالق الطريس والمكي الناصري، وهو ما كان السلطان يتجنبه، لأنه كان يرى أن المغرب بعدما نجح في تجاوز الانقسام القبلي أصبح أمام انقسام قبلي جديد متمثل في الانقسامات الحزبية، وهكذا سوف يقرر أن يكون بنفسه زعيم حركة التحرير الوطني.
مؤامرات المهدي بن بركة
الدور التوحيدي الذي لعبه السلطان أثناء الحماية هو الذي أراد أن يقوم به بعد الاستقلال، فبعد عودته من المنفى سعى إلى الصفح عن الذين تنكروا له وبايعوا بن عرفة أو تآمروا مع إدارة الحماية، وكان شعاره هو «التوحيد من أجل البناء». وبينما كانت الأحزاب تتنازع فيما بينها حول دورها في طرد الحماية، أعلن السلطان أن المغاربة جميعا هو الذين قاوموا الاستعمار، دون أن يعطي لطرف دون آخر تلك المشروعية، وهذا عكس ما حصل في الجزائر مثلا عندما أعلن عبد العزيز بوتفليقة أن جبهة التحرير الوطني هي التي حملت الاستقلال إلى الجزائريين. وعندما شكل محمد الخامس أول حكومة في عهد الاستقلال جعل رئيسها امبارك البكاي، المحايد، بينما أدخل فيها ممثلين عن جميع الأحزاب لكي يكون الجميع سواء، فقد كانت رغبة السلطان هي تكريس وحدة الصف.غير أنه ابتداء من عام 1955 ستبدأ الصراعات الحزبية في الظهور، إذ عادت «السيبة» مرة ثانية، لكن هذه المرة من خلال الأحزاب السياسية نفسها. لقد تراجعت صورة علال الفاسي زعيم حزب الاستقلال أمام صورة السلطان الرمز، وأخذ موقعه الذي يجب أن يأخذه، بينما قدم أحمد بلافريج خدماته للدولة من خلال منصب وزير الخارجية، أما المهدي بن بركة فقد كان يتحرك من أجل فرض نوع من حكم الحزب الوحيد في البلاد، وأخذ يضع رجاله في الإدارة ويحاول بسط نفوذه على جيش التحرير لكي يجعل منه الأداة العسكرية للحزب، ويسعى إلى وضع السلطان تحت نفوذ الحزب نفسه. وفي عام 1959 عاد المهدي بن بركة الذي كان مصابا ب»العمى الإيديولوجي» من زيارة للصين لكي يحاول نقل التجربة الماوية إلى المغرب، وفي 1959 خرج برفقة محمد البصري (الفقيه البصري) من حزب الاستقلال وشكلا حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وقد لقي هذا الحزب دعما من قبل حكومة عبد الله إبراهيم الذي أصبح رهين التوجه اليساري، فتمت إقالتها في ماي 1960 بعد انكشاف محاولة لاغتيال ولي العهد الأمير الحسن، فقد كان هذا الأخير في مرمى الاتجاه الراديكالي، لذلك كان يخطط لإزاحته من الطريق من أجل الانفراد بالملك محمد الخامس. وبناء على شهادة صحافي إسرائيلي، هو سيغيف شمويل، فإن المهدي بن بركة ربط الاتصال بجهاز الموساد الإسرائيلي عام 1960 من أجل الحصول على الدعم المالي والتقني للتخلص من ولي العهد والانقلاب على الملكية، وبعد ذلك بثلاث سنوات ذهب إلى الجزائر للاستقرار حيث حاول التآمر مع النظام الجزائري ضد بلاده خلال حرب الرمال عام 1963.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.